alsharq

حسين حبيب السيد

عدد المقالات 187

التمكين الوظيفي (1)

01 يونيو 2024 , 08:18م

لطالما ارتبطت القيادة الناجحة بصور نمطية تتمحور حول التوجيه الصارم والسيطرة المحُكمة. كان يُنظر للقائد على أنه «البوصلة» التي تُوجه مسار السفينة، تاركاً لأفراد طاقمه تنفيذ الأوامر دون نقاش، وقد يكون ذلك مفهوماً ومقبولاً في ذلك الوقت. لكن مع ازدياد تعقيد العالم وتسارعه، باتت هذه الأساليب قديمة الطراز وغير فعّالة ولا تحقق النتائج المرجوة من المنظمات. ففي خضم وتيرة التغيرات المتعاقبة، لم تعد المؤسسات بحاجة إلى قادة يُصدرون الأوامر فقط، بل إلى مُلهمين يُحفزون طاقات الموظفين ويُطلقون إبداعاتهم بعيدا عن الأسلوب التقليدي. في ظلّ ازدياد تعقيد بيئة الأعمال وسرعة التغيرات، بات من الضروري تبني نهج إداريّ جديد يتخطى حدود القيادة التقليدية القائمة على الأوامر والتحكم. وهنا تبرز فلسفة التمكين الوظيفي كإطار عمل ثوري يعيد تعريف مفهوم الإدارة، مستبدلاً نهج «القيادة الآمرة» بِنهج « القيادة التشاركية « يشارك فيه الموظفون بفعالية كشركاء أساسيين في مسيرة النجاح. في هذا المقال، سنستكشف مبادئ وفوائد فلسفة التمكين الوظيفي، كما سنركز أيضاً على أهمية بناء ثقافة تمكين الموظفين ودور القادة في تعزيز هذه الفلسفة وتحقيق النجاح المستدام للمؤسسات. بداية، ما المقصود بفلسفة التمكين الوظيفي؟ تخيل مؤسسة لا تكبّل الموظفين بقيود روتينية، بل تطلق العنان لإبداعهم وتُشعل شغفهم. تخيل بيئة عمل تساوي بين جميع الأفراد وتقدّر مساهماتهم وتحفزهم على بذل قصارى جهدهم لتحقيق أهداف عظيمة خدمة للمنظمة. هذا هو جوهر فلسفة تمكينِ الموظفين، فهو نهج يثري ثقافةَ العمل ويعزّز الإنتاجية بشكل واضح وجلي. تمكين الموظفين ليس مجرّد استراتيجية عابرة، بل هو ثقافة راسخةٌ تُغرس في قيم المؤسسة ومبادئها. فمن خلال تمكين الموظفين ومنحهم الثقة والمسؤولية لاتخاذ القرارات، تصبح المؤسسة أشبه بجسم بكيان واحد يتحرّك بانسجام نحو تحقيق أهداف مشتركة. وفقاً لمجلة هارفارد للأعمال (Harvard Business Review )، يتضمن تمكين الموظفين تزويدهم برؤية واضحة ومهارات وموارد كافية، بالإضافة إلى منحهم الصلاحية لاتخاذ القرارات ضمن مجالات مسؤولياتهم. أما بالنسبة لموقع اتشيفرز (Achievers )، يمثل تمكين الموظفين فلسفة إدارية تركز على إشراك الموظفين في صنع القرارات ومنحهم السلطة للعمل بشكل مستقل ضمن نطاق مسؤولياتهم. ويتناقض هذا النهج مع السيطرة الإدارية التي تحد من استقلالية الموظفين في اتخاذ القرارات. تُعَدُّ فلسفة التمكين الوظيفي نهجاً استراتيجياً وفلسفة عمل تهدف إلى تعزيز وتمكين الموظفين في بيئة العمل حيث تتمحور هذه الفلسفة حول توفير الدعم اللازم وتوجيه الموارد لتحفيز الموظفين، مما يشجعهم على الابتكار وتطوير مهاراتهم، وبالتالي المساهمة بفاعلية في تحقيق رؤية وأهداف المؤسسة. فبدلاً من تقييد الموظفين بقيود التبعية والتوجيهات الصارمة، دعونا نفكر بتمكينهم كقادة يمسكون بزمام مهامهم. فكل موظف هو كنز مبهم يخفي بداخله موهبة إبداعية يمكن استثمارها لإثراء العمل وتحقيق نتائج استثنائية. وفقاً لمدونة ليف أباوت دوت كوم ((Liveabout dotcom, تعتمد فلسفة التمكين الوظيفي على عدة مبادئ أساسية، منها: 1. الشفافية توفير معلومات واضحة وشفافة حول الأهداف والتوجهات الاستراتيجية للمؤسسة، وكذلك توضيح دور كل موظف في تحقيق هذه الأهداف. 2. التواصل الفعّال وتقديم التغذية الراجعة تشجيع التواصل المفتوح والمستمر بين القادة والموظفين وخلق الفرص للتعبير عن الآراء والمقترحات وتقديم التغذية الراجعة حتى يتمكن الموظفون من معرفة نقاط قوتهم والجوانب التي عليهم أن يعملوا على تطويرها. 3. تطوير المهارات توفير فرص التدريب والتطوير المستمر للموظفين، وتشجيعهم على تطوير مهاراتهم وتعلم مهارات جديدة. 4. توفير المعلومات الكافية لاتخاذ القرار استكمالاً وتعزيزاً لمفهوم الشفافية، ينبغي التأكد من أن كل موظف من موظفيك يمتلك المعلومات الأساسية التي يمكن أن تدخل في عملية اتخاذ القرار وبالتالي هو يملك مقومات اتخاذ قرار مناسب بناء على توفّر المعلومات. 5. تجنب إلقاء اللوم على الموظفين من المبادئ المهمة في فلسفة التمكين الوظيفي هي أنه عند الوقوع مشكلة، يتجه القائد نحو التركيز الاستراتيجية ومراجعة نقاط ضعف المرتبطة بتنفيذ العمل بدلاً من لوم الموظفين وانتقادهم. 6. توطيد ثقافة الثقة والاحترام يعتمد نجاح فلسفة التمكين الوظيفي على توطيد ثقافة الثقة والاحترام بين القادة والموظفين. حيث يجب أن تكون العلاقات ضمن المؤسسة مبنية على الشفافية والتواصل الفعّال والاحترام المتبادل. 7. تحسين الأداء والإنتاجية منح الموظفين السلطة والمسؤولية وتطوير مهاراتهم وتشجيعهم على المشاركة غالباً ما سيؤدي إلى تحسين الأداء العام للمؤسسة وزيادة الإنتاجية. مع هذه الأسس، يمكن لفلسفة التمكين الوظيفي أن تسهم في خلق بيئة عمل إيجابية ومحفزة، تشجع الإبداع والابتكار وتحقق الرضا الوظيفي وتعزز أداء المؤسسة بشكل عام. @hussainhalsayed

القيادة في عالم الأعمال الجديد «باني»

في مقال سابق، أخذنا نظرة خاطفة في عالم جديد من الأعمال «باني». السؤال المنطقي التالي هو: كيف يتعامل القادة داخل المؤسسات مع هذا العالم ؟ هذا السؤال الذي نجيب عنه في هذا المقال. بداية فك...

عالم الأعمال « باني (BANI)»

لسنوات طويلة، شكّل مفهوم فوكا (VUCA ): وهو التقلب، عدم اليقين، التعقيد، الغموض الإطار الذهني الأكثر شيوعاً لفهم بيئة الأعمال الحديثة. وقد ساعد هذا المفهوم القادة والمؤسسات على إدراك طبيعة العالم المتغير والاستعداد له بدرجة...

في ظل بيئة فوكا للأعمال: كيف يمكن رسم خريطة الغد؟

في عالمنا المعاصر، لم يعد التخطيط التقليدي المبني على الأرقام التاريخية كافياً. نحن نعيش في عصر اللا يقين، حيث يمكن لحدث واحد في زاوية من الأرض أن يغير مسار البشرية بالكامل، ولعلنا نتذكر ما حدث...

من بيئة فوكا للأعمال إلى الاستدامة المؤسسية

بعد أن تناولنا في المقالين السابقين مفهوم بيئة فوكا للأعمال (VUCA) وتأثيره العميق على القيادات والاستراتيجيات، وكيفية مواجهته عبر إطار الإيجابية والذي صاغه بوب جوهانسن وذكرناه تفصيلا في مقالنا السابق، يبرز سؤال أكثر جوهرية اليوم:كيف...

كيف تؤثر بيئة «فوكا» على القيادات والإستراتيجيات؟

تحدثنا في المقال السابق عن مصطلح «فوكا» وتأثيره على الأفراد والمؤسسات في عالم شديد التغيير. واليوم نتحدث عن تأثير «فوكا» على القيادات ومن ثم كيف تتم مواجهة هذه البيئة بشكل علمي وعملي. تأثير «فوكا» على...

صناعة المستقبل وفهم إستراتيجيات «فوكا»

في عالمنا المعاصر، لم تعد كلمة الاستقرار هي الكلمة المفتاحية في قاموس الإدارة والاستراتيجيات المؤسسية، بل أصبح التغير هي الثابت الوحيد. دعونا في هذا المقال نتعرف على مصطلح مهم في عالم شديد التسارع والتغير، حديثنا...

الاقتصاد القادم للأجيال القادمة... اقتصاد (Gig)

تحدثنا في المقال السابق عن تحولات كبرى في الاقتصاد نتيجة لاقتصاد «الغيغ» أو « المهام المستقلة»، واليوم حديثنا حول التغيرات الكبرى في عالم الاقتصاد. نحن لا نتحدث عن مجرد «تغيير في طريقة العمل»، بل عن...

الاقتصاد القادم للأجيال القادمة... اقتصاد (Gig)

في الماضي، كان مفهوم «الوظيفة» يعني الاستقرار، والالتزام بمكان واحد، ومسار مهني خطي ينتهي بالتقاعد. وكان مفهوم «وظيفة واحدة... عمل واحد... حتى التقاعد». أما اليوم، فنحن نشهد اندثار هذا النموذج والذي كان يسمى نموذج «الوظائف...

شكرا مجلس الشورى

دعيت خلال الأسبوع السابق إلى إحدى جلسات مجلس الشورى مع مجموعة من المهتمين بالمؤسسات التربوية والشبابية وخاصة المراكز الشبابية والثقافية في النوادي الرياضية. حيث دار محور الجلسة الرئيسية حول « دور الأنشطة الثقافية والرياضية في...

كيف تقود «جيل زد» بذكاء؟

المقال السابق قد شخصنا التحديات ورسم خريطة الطريق، فإن هذا المقال المهم يمنح القائد «أدوات العمل» وخطوات تنفيذية للتعامل مع جيل لا يعترف بسلطة المنصب بقدر ما يعترف بسلطة التأثير. في هذا المقال سوف نشرح...

فك شيفرة «جيل زد» (2/2)

تحدثنا في المقال السابق عن تحديات تواجه القادة في التعامل مع الجيل زد، وفي هذا المقال نكمل هذه التحديات. التحدي الرابع: تحدي السلطة والتسلسل الهرمي حيث نشأ جيل زد في عالم الشبكات وليس السلالم، فالإنترنت...

فك شيفرة «جيل زد»

تحدثنا في المقال السابق عن تحديات تواجه القادة في التعامل مع الجيل زد، وفي هذا المقال نكمل هذه التحديات. التحدي الرابع: تحدي السلطة والتسلسل الهرمي حيث نشأ جيل زد في عالم الشبكات وليس السلالم، فالإنترنت...