


عدد المقالات 347
قد يتساءل البعض عن العلاقة التي تجمع مفردة الربّ بما يضاف إليها، وهل يبقى معناها وفق ما هو في سياقها الديني واللغوي؟ حقيقة، لكلمة الربّ خارج معناها الإلهي معانٍ مختلفة، يحدّدها السياق وما يرتبط به من معانٍ. ففي السياق القرآني عرّفها الله في قوله: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، هذا من مناظرة موسى وهارون عليهما السلام للشقي فرعون عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد أجاب موسى بوحي الله الذي حلّ عقدة لسانه وأجرى مسيل بيانه. ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير: «جيء بالفعل ‘أعطى’ لاستشعار المنة والنعمة، ولم يأت قوله تعالى: ربنا الذي خلق كل شيء ثم هدى، بل أعطاه الخلق، والعطاء يفيد الإنعام والإكرام، ثم إن الاستغراق والإطلاق في قوله جلّ وعلا: «كل شيء» من شأنه أن يُعْلِمَ ويُفهم فرعون أنه داخل في هذه الأشياء، وهو أحد أفرادها، مشمول في عدادها». وفي الكشاف يقول الزمخشري: «إنه [أي الله] الربّ هو الذي أعطى كل الموجودات نعمة وجودها ثم صورتها الملائمة للوظيفة المنوطة بها، على سبيل الكليات وعلى سبيل الجزئيات، فالإنسان خلقه في أحسن تقويم والحيوان منه للركوب، ومنه للمنافع، والأذن مهيأة للسمع، والعين مهيأة للبصر، وأما قوله ثم هدى؛ أي أنّ الله بعد أن أعطى للمخلوق الأداة والوسيلة، منحه الحيلة لارتفاقها، فالأول هو برهان الخلق، والآخر هو برهان الهداية. وعن تعريف موسى للرب قال صاحب الكشاف: «ولله در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق». أما خارج السياق القرآني والديني فمعنى مفردة الربّ مختلف، مثال ذلك، ما أورد أبو الطيب المتنبي، في قوله: إن أكن معجبًا فعجبٌ عجيبُ لم يجـــــد فــــوقَ نفسه من مزيدِ أنــا تـــربُ النــــــــــــــــدى وربُّ القوافي وسمام العدا وغيظ الحسودِ وربُّ القوافي هنا سيدها الذي تأتيه القافية طواعية، والذي يروض الأشعر النوادر كما يروض السائس الخيل الضوامر، وصناعة الشعر عصية قوية، لكنه يسوسها ويسودها ويجيدها. وفي موضع آخر يقول: فإن دمـــــوع العين غُدر بربها إذا كن إثر الغادرين جواريا وربها هنا بمعنى صاحبها، أي أن الدموع قد تخون إذا حركتها الهواجس والشجون، فتسيل في إثر أقوام غدروا ومكروا بصاحبها، ومثله قوله: وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربُّه وفي الهجرِ فهو الدهرَ يرجو ويتقي أي؛ أجمل الهوى والصبابة ما لم يوقن صاحبه بالقرب ولا بالبعد، فحين يكون قريبا يبعده الصد والحرمان، وحين يبتعد يقرّبه الشوق والتحنان، فهو طيلة حياته في رجاء واتقاء. إنّ مفردة الربّ في فقه اللغة، مفردة تتسم بالسمو والرفعة، فكما أجلَّ السياق القرآني والديني مفردة اللغة، أجلّها السياق اللغوي والأدبي، وإنّ اجتماع السياقين الديني واللغوي في الرفع من شأنها لهو دليل واضح على قدسيتها ومكانتها، كيف لا وهي تتربع على عرش أسماء الله الحسنى في عظمتها ومكانتها. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...