


عدد المقالات 381
كلّنا نسمع باسم الله «الستير»، وكلّنا نردده في كثير من الحالات، لكن هل علمنا حقيقته وغاية تسمية الله به؟ وما علاقته بالمجتمعات وسلمها وأمانها؟ وماذا لو استحضرنا هذا الاسم في جوانب حياتنا المختلفة؟ إنّ مدارسة هذا الاسم الجميل من صفات الكمال الربانية يضعنا أمام قضية من أمهات القضايا التي لها مساس بالسلم الاجتماعي، وليس يسهل في خرقها الرتق، وليس يسهل تحاشيها بعد التراخي والتفشي.
والستير اسم من أسماء الله الحسنى التي وردت في السنة، فروى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِن اللهَ عَز وَجَل حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِب الْحَيَاءَ وَالستْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ». وقال البيهقي: الستير يعني أنه ساتر على عباده كثيرًا ولا يفضحهم في المشاهد، وكذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم، واجتناب ما يشينهم. وقال ابن الأثير: ستير فعيل بمعنى فاعل؛ أي؛ من شأنه وإرادته حبُّ الستر والصون، قال ابن القيم رحمه الله:
وَهُوَ الحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ عِنْدَ التَّجاهُرِ مِنْـهُ بِالعِصْيَانِ
لَكِنَّـهُ يُلْقِـــي عَلَيْــهِ سِتْرَهُ فَهُــوَ السِّتِّيرُ وَصَاحِبُ الغُفرَانِ
وقد نصّ القرآن الكريم، وسنّةُ صاحبِ الخُلُق العظيم على الزجر الشديد، والضربِ بيدٍ من حديد على دعاة انتهاك حماها المكين، وحصنها الحصين. قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِيْنَ أَوْلِياءَ لِلَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُونَ). من هذه الآية، يستنبط العلماء أن الفخ الأكبر الذي نصبه إبليس الرجيم اللعين لسلالة آدم منذ بدء التكوين هو هتك الحياء، وتبرج النساء، وكشف العورة، وافتراس الغيرة، فمنذ أن اقتادهما إلى هاوية الغرور، وأوردهما المعصية، أخرجهما من دار الحبور، لينزع عنهما اللباس الذي كان لهما وقاءً من ظهور العورة البواح، وسترًا من الافتضاح، فحرص اللعين على أن يريهما السوءات التي لم يرياها في الجنّات.
وفي هذه الآية إلماح، بل تصريح وإيضاح، أن الطريقة المثلى والخطة الأدهى والأنكى لإبليس اللعين في نشر الغواية، والتصدي للهداية هي سبيل الشهوات وإماطة الستر عن العورات، وانتشار الكاسيات العاريات، وتعشيش الإباحية والانحرافات.
هذا عن خطة إبليس، فماذا عن الدستور الإلهي الناظم لحياة العباد، الرادع للفساد والإفساد؟ لله قوانين ودساتير كثيرة في كل شاردة وواردة من شؤوننا، سبحانه هو القائل: (مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ).
أما في مجال الستر وحفظ الحياء، ففيه نصوص كثيرة من الكتاب العزيز، منها قوله تعالى: (إِنَّ الّذِيْنَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الّذِيْنَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيْدٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، نزلت هذه الآية في سورة النور، والتي جاءت براءةً للصدِّيقة بنتِ الصدّيق، أُمُّنَا عائشة - رضي الله عنها - فبرّأها الله من إفك كل أفّاك أَثيم، خاض في أمر يحسبه هينًا، وهو عند الله عظيم، ثمَّ جاءت هذه الآية الكريمة دواء لأصحاب النفوس المولعة بتلقُّطِ روائح الفضائح، وإخبارها للغادي والرائح، ونبَّهَ ربُّنا، جلَّ وعلا، من يسهم في إشاعة الفاحشة في المؤمنين بعذابين في الدارين، لما يسهم فيه من نقضِ العُرى، وانحلال الأواصر، وشيوع الخنا، كما أنه يسهم في استساغة المعصية، فإذا كان المجتمع ستّيرًا محافظًا على حشمته، استوحش صاحب الذنب، فربّما تاب لربّه في عزلته وخلوته. وأمّا كثرة الحديث والنشر عن انتشار الفاحشة والفجور، وتعاطي الخمور، وعظائم الأمور، فمن شأنه أن يخفف الوحشة منها، ويزيد الإقبال عليها، وعدم الإجفال منها، والتوبة إلى الله عنها.
وأخيرًا أقول: إنّ اسم الله الستير مجاور لصفته الحييّ، والستر أخو الحياء، بهما تُصان النفوسُ والذمم بين الناس، وبهما تتحقق طمأنينة النفس وسكنها، فتبقى ثابتة على طاعة الله، ترجوه دومًا، وتخشى عذابه، ورحم الله من قال:
يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ
ويبقى العودُ ما بقي اللحـاءُ
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كثيرٌ من الناس يتجادلون في التربية، وبعلاقتها بالأسرة والمجتمع والمؤسسة التعليمية، فتتعدد الآراء المرتبطة بمفهومها، ويختلف الناس حولها، ويكمن مرجع ذلك إلى الاختلاف حول موضوع التربية من جهة، وحول فهم الطبيعة الإنسانية من جهة ثانية،...
قالوا فيها: إنها هبة ربانية مباركة، وبحرٌ لا تنفدُ كنوزُهُ، أنعم الله بها علينا – نحنُ أمةَ العربِ - وهي معشوقةٌ عجزتْ أبياتُ الغزلِ عن الإيفاء بحق جمالِها، وهي بنتُ عدنانَ، وفخرُ ميراثِ الأَجدادِ، إنها...
كلنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30)، لكّن قلة من الناس من تعي معناه، ومقصد دلالته، وإنّ...
تعد التربية ظاهرة اجتماعية؛ كونها لا تجري في فراغ أو من دون مجتمع، ولا يمكن تصور وجود الإنسان فردًا منعزلًا عن مجتمعه أو جماعته في العصور الحديثة. والتربية في أحوالها كلها، لا تهتم بالفرد منعزلًا...
كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...