


عدد المقالات 381
إنّ كمال غِنى الله سبحانه وتعالى عظيم؛ لا يحدّ ملكه حدّ، ولا يحصيه أحد، إنساً كان أو جنًا أو ملكاً، أو ما دون ذلك. ولو أن الخلق جميعًا، أولهم وآخرهم، وإنسهم وجنهم، سألوه، فأعطى كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكه سبحانه شيء، ويصدُق ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَته، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» [رواه مسلم]. فلله مطلق الغنى، غنًى يليق بكماله وجلاله، غنًى يبعث في قلب الإنسان الافتقار والانكسار والتذلل والخضوع له سبحانه، وأن كل حاجات المخلوق موجودة ربه جلَّ وعلا، وأن الإنسان من غير ربه فقير ضعيف ذو حاجات كثيرة منقوصة، فلذلك نجد كلّ من عرف الله، وعرف ملكه يتوجّه إلى الله تعالى بالسؤال والدعاء بإخلاص في كل صغيرة وكبيرة.
والإنسان زائل، وملكه بائد، وهو في مهب القدر الذي لا يبقي له شيئًا ولا يذر، بأمر من الله كلمحٍ بالبصر، والله وحده كامل الغنى، يعي من غناه من شاء من خلقه، وَفْقَ حكمته، وبمقتضى تقديره وتدبيره، وهو الذي ينزع ثوب الغنى عمّن شاء، كما أسبغه أول مرة، وهنا نفضي إلى الحديث القدسي الجليل الذي خاطب الله فيه العباد خطاب المستغني عن كل شيء، والذي لا يستغني عنه شيء، فقال تعالى: «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أنس أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر».
تعقيبا على هذا الحديث الناصع، والبيان الرائع، أذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعضًا من دعائه، وهو قوله: «وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، لا يمكن لبشر من الأولياء العارفين، ولا من الصديقين، ولا النبيين والمرسلين، ولا الملائكة المقريين، أن يثني على الله كما يثني هو على نفسه، وهذا الحديث يصف فيه الغنيُّ غناه عمن سواه، وانطلاقًا من مفهوم المعاكسة، نفهم افتقار الأغيار إليه، وكلّية اعتمادهم عليه، والسؤال الوجودي في حضرة الغنيّ الذي جاء ذكره أعلاه هو عن علة خلق النشأة الآدمية التي لا يضر الله كفرها، ولا ينفعه شكرها، والجواب هو تغيير فلسفة السؤال، وجهة المقال: ما المنن التي منّ علينا بها الغنيّ الذي قدّر نشأتنا، وألهمنا سبلنا، وهو في مطلق الغنى عنا وعن عملنا، لا نتقن أن نحصيها ولا أن نسميها؟
الإجابة: لقد أخرجنا من غيهب العدم وطي الكتمان، وأعطانا خريطة المسير إلى جنة الرضوان، في تلك الدار العالية، التي لا تسمع فيها لاغية، نكون ضيوفًا على مائدة غناه المطلق، ومن أجل ما يغنينا به فيها رضوانه، فلا يسخط علينا، والخلود فلا يتطرق الفناء إلينا. سبحانه هو القائل: }وَأَمَّا الذِيْنَ سَعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِيْنَ فِيْهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ{ [هود: 108].
فإذا كنا دائبين إلى ذاك المقام المحمود، والمصير المسعود، وطامحين طامعين في عطاءات الغني المفتوحة على مصارعها، وآملين بورد ينابيعها، فإن السبيل هو الافتقار والانكسار، والتبرؤ من كل وهم استغناء، إلا كما وصفه الشافعي رضوان الله عليه، الاستغناء عن الممتلكات والمقتنيات، لا اللهاث وراءها.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كثيرٌ من الناس يتجادلون في التربية، وبعلاقتها بالأسرة والمجتمع والمؤسسة التعليمية، فتتعدد الآراء المرتبطة بمفهومها، ويختلف الناس حولها، ويكمن مرجع ذلك إلى الاختلاف حول موضوع التربية من جهة، وحول فهم الطبيعة الإنسانية من جهة ثانية،...
قالوا فيها: إنها هبة ربانية مباركة، وبحرٌ لا تنفدُ كنوزُهُ، أنعم الله بها علينا – نحنُ أمةَ العربِ - وهي معشوقةٌ عجزتْ أبياتُ الغزلِ عن الإيفاء بحق جمالِها، وهي بنتُ عدنانَ، وفخرُ ميراثِ الأَجدادِ، إنها...
كلنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30)، لكّن قلة من الناس من تعي معناه، ومقصد دلالته، وإنّ...
تعد التربية ظاهرة اجتماعية؛ كونها لا تجري في فراغ أو من دون مجتمع، ولا يمكن تصور وجود الإنسان فردًا منعزلًا عن مجتمعه أو جماعته في العصور الحديثة. والتربية في أحوالها كلها، لا تهتم بالفرد منعزلًا...
كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...