alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 22

مريم ياسين الحمادي 25 يوليو 2026
عندما يصبح العمل اختيارياً
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 29 يوليو 2026
عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

29 يوليو 2026 , 12:35ص

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق بين من يمدّ يده للحوار، ومن يهدد بالعداء، ومن يحول التهديد إلى سياسة قائمة على التدمير وإعادة هندسة الجغرافيا بالقوة. المفارقة أن هذه المشاهد لم تكن مجرد أخبار عابرة، بل عكست ثلاثة نماذج مختلفة تمامًا في فهم السياسة، والتعايش، واستخدام القوة.
في الدوحة، زار الحاخام ميندي تشيتريك، على رأس وفد من تحالف الحاخامات في الدول الإسلامية، دولة قطر لتقديم واجب العزاء في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. وقد تبدو الزيارة في ظاهرها بروتوكولية لا تحمل أكثر من مجاملة دبلوماسية، لكنها في حقيقتها تنطوي على رسالة سياسية وأخلاقية عميقة؛ رجال دين يهود يبنون الجسور مع دول عربية وإسلامية، في لحظة تتغذى فيها المنطقة على الكراهية والاستقطاب. 
في المقابل، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت ليعلن أنه سيصنف قطر «دولة معادية» إذا عاد إلى السلطة، ولم يكن ذلك تصريحًا عابرًا في سياق مناورة انتخابية، بل امتدادًا لنهج يتبناه أيضًا زعيم المعارضة يائير لبيد، الذي حاول من قبل دفع الفكرة ذاتها وفشل. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس لماذا تستهدف إسرائيل قطر، بل لماذا أصبح كل من يرفض الاصطفاف الكامل خلف السياسة الإسرائيلية متهمًا بالعداء.
إن هذا النهج يكشف نزعة عدائية همجية متزايدة داخل جزء من الطبقة السياسية الإسرائيلية ترى أن أي طرف لا يتبنى الرواية الإسرائيلية بالكامل يجب أن يُعامل باعتباره خصمًا، حتى وإن كان يؤدي أدوارًا دبلوماسية تخدم الاستقرار الإقليمي.
المشكلة لم تعد في مواقف قطر، بل في التحول الذي تشهده إسرائيل نفسها. فداخل جزء متزايد من المؤسسة السياسية الإسرائيلية، لم يعد هناك مكان لفكرة الدولة المستقلة أو الوسيط المحايد، بل صنفان فقط: من يؤيد إسرائيل بالكامل، ومن يستحق أن يُدرج في خانة الخصوم. إنها عقلية لا تبحث عن السلام بقدر ما تبحث عن التخوين السياسي.
حين يصبح القانون الدولي عائقًا
هذا التحول لم يبقَ محصورًا في الخطاب السياسي، بل بدأ ينعكس في الممارسة العسكرية أيضًا. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن الجيش دمّر نحو سبعين في المئة من قطاع غزة، ثم أضاف جملة قد تكون الأخطر منذ بداية الحرب، حين قال إن هذا النموذج سيُنقل إلى لبنان. وهي ليست زلة لسان ولا تهديدًا انفعاليًا في لحظة غضب، بل تعبير عن عقيدة عسكرية وسياسية متكاملة.
فالنموذج المقصود هنا واضح المعالم: تدمير المدن، وتحويل الأحياء إلى ركام، وإقامة مناطق عازلة، ومنع السكان من العودة، ثم تقديم كل ذلك للعالم باعتباره ضرورة أمنية لا خيار فيها. وبعبارة أخرى، لم يعد الهدف هزيمة خصم عسكري، بل إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة، وهو ما يمثل أخطر مراحل التحول في العقيدة الإسرائيلية، أي الانتقال من الردع إلى إعادة تشكيل الإقليم.
حين تتحدث دولة عن «نقل نموذج» من غزة إلى لبنان، فهي لا تتحدث عن عملية عسكرية محدودة في الزمان والمكان، بل عن سياسة قابلة للتكرار. أي أن غزة لم تعد استثناءً تفرضه ظروف استثنائية، بل تحولت إلى مختبر تُجرّب فيه أدوات يمكن استخدامها في أي مكان آخر. وإذا صار التهجير وتدمير المدن وإقامة المناطق العازلة نموذجًا ناجحًا في نظر صانع القرار الإسرائيلي، فإن السؤال لم يعد ماذا سيحدث في فلسطين ولبنان وسوريا، بل كم عدد الدول التي ستكون في بنك الأهداف الإسرائيلية.
وأخطر ما في هذا الخطاب أنه يحاول تطبيع فكرة أن القوة العسكرية وحدها تمنح شرعية إعادة رسم الخرائط، وهنا تصبح كل دولة عربية أو إسلامية أمام سؤال وجودي، لا سياسي فقط.
لو أن وزير دفاع أي دولة أخرى أعلن عزمه نقل نموذج يقوم على تدمير المدن إلى دولة مجاورة، لتحوّل الأمر إلى أزمة دولية كبرى، ولاجتمع مجلس الأمن خلال ساعات، ولامتلأت العواصم الغربية ببيانات الإدانة والتحذير. لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تتغير المعايير كلها: تُستبدل لغة الإدانة بالدعوات إلى ضبط النفس، وتُستبدل العقوبات بالدعم العسكري، ويُستبدل القانون الدولي بحق نقض سياسي غير مكتوب.
 وهكذا لا تُقتل المدن وحدها، بل يُقتل معها ما تبقى من مصداقية النظام الدولي. فالمشكلة لم تعد ازدواجية المعايير، بل انهيارها الكامل، والرسالة التي يتلقاها العالم اليوم واضحة: القانون يُطبق على الضعفاء، أما الأقوياء فيكتبونه كما يشاؤون.

شرق أوسط جديد.. ولكن بأي ثمن
لسنوات، تحدثت الحكومات عن شرق أوسط جديد يقوم على التكامل الاقتصادي والممرات التجارية والطاقة والتكنولوجيا وربط الأسواق. أما اليوم، فيبدو أن مشروعًا آخر يتشكل على الأرض: شرق أوسط تُرسم حدوده بالمناطق العازلة، وتُدار مدنه بالردع، ويُعاد توزيع سكانه بالقوة، ويُطلب من الجميع التكيف مع وقائع فُرضت عليهم دون أن يُستشاروا فيها. إنه ليس شرقًا أوسط جديدًا، بل شرق أوسط تُعاد هندسته بالنار.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن إسرائيل لا تخوض حربًا على خصومها العسكريين فحسب، بل على كل من يحاول إبقاء السياسة حية. فالوساطة القطرية أصبحت هدفًا للهجوم، والمساعدات الإنسانية أصبحت موضع تشكيك، وقنوات الاتصال باتت تُصوَّر كأنها تواطؤ مع العدو. بمعنى آخر، لم تعد المعركة مع من يحمل السلاح وحده، بل مع من يمنع اتساع الحرب. وهي مفارقة خطيرة، إذ كلما نجحت الوساطة في تقليل الخسائر الإنسانية، ارتفعت الأصوات المطالبة بإسكاتها، وكأن المطلوب ليس إنهاء الحرب، بل احتكار روايتها.
وهنا تكمن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون، وهي أن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس الحرب ذاتها، بل محاولة تحويل الحرب إلى نظام دائم، وتحويل القوة إلى المصدر الوحيد للشرعية، وإقناع العالم بأن تدمير المدن وتهجير سكانها وإعادة رسم الخرائط بالقوة يمكن أن يصبح سياسة طبيعية. والتاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات قد تربح معاركها بالقوة، لكنها تخسر مستقبلها عندما تعتقد أن الأمن يمكن أن يُبنى فوق أنقاض الشعوب، وأن الاستقرار يمكن أن يولد من الركام.

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...

العصاب الجماعي العربي.. حينما يتحول العجز إلى ثقافة

ليست الإشكالية في أن يترك التاريخ ندوبًا في جسد الأمم؛ فكل الشعوب تحمل آثار انتصاراتها وهزائمها على حد سواء، وإنما تكمن المأساة حين تتحول تلك الندوب إلى جرح مفتوح لا يكفّ عن النزف، أو إلى...

من يشعل الحرب... ومن يدفع الفاتورة؟

على مدى العقود الأربعة الماضية، تكرّس انطباع متزايد لدى قطاعات واسعة من النخب السياسية والإعلامية بأن الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية لا تنظر إلى دول الخليج باعتبارها شركاء استراتيجيين متكافئين في صنع القرار وتحمل...

الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة

تثير بعض التعليقات التي يكتبها زملاء يشاركوننا الكتابة في صحف عربية قدرًا كبيرًا من الاستغراب والشفقة في آن واحد، عندما يتناولون قضايا بالغة التعقيد بسطحية وسذاجة، متسائلين: ما الذي يخيف العرب من إيران قوية في...