alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 41

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 28 سبتمبر 2026
حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية
علي حسين عبدالله 29 سبتمبر 2026
..حين تعجز الأدلة يبدأ الاتهام
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 أكتوبر 2026
قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة

16 يونيو 2026 , 11:42م

تثير بعض التعليقات التي يكتبها زملاء يشاركوننا الكتابة في صحف عربية قدرًا كبيرًا من الاستغراب والشفقة في آن واحد، عندما يتناولون قضايا بالغة التعقيد بسطحية وسذاجة، متسائلين: ما الذي يخيف العرب من إيران قوية في مواجهة تحالف من الأوغاد؟ وهو طرح يكشف اختزالًا مخلًا للواقع وتجاهلًا لتجارب تاريخية وسياسية لا يمكن القفز فوقها بالشعارات والانطباعات العاطفية.
ليست أزمة الشرق الأوسط في استمرار الحروب بقدر ما هي في استمرار الأوهام. فالحروب، مهما امتدت، تخضع في نهاية المطاف لمعادلات القوة والمصلحة والتوازن، بينما تعيش الأوهام في الوعي الجمعي، وتتجدد عبر الأجيال لأنها لا تستند إلى الوقائع بقدر ما تستند إلى حاجة نفسية عميقة للتصديق. ومن هذا المنظور يمكن فهم العلاقة المركبة التي نشأت بين شرائح واسعة من العرب والمشروع الإيراني منذ الثورة الإسلامية عام 1979. فالقضية لم تكن إيران بوصفها دولة، بل الصورة الذهنية التي صيغت حتى غدت واقعًا قائمًا بذاته.
لم يكن نجاح السردية الإيرانية حدثًا معزولًا عن السياق العربي، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الاخفاقات والانكسارات والنكسات والهزائم التي أصابت الوعي منذ منتصف القرن العشرين. فمنذ نكبة فلسطين عام 1948، مرورًا بهزيمة 1967، وصولًا إلى إخفاق مشاريع الوحدة والتنمية والديمقراطية خلال العقود الماضية، دخل العقل العربي في أزمة عميقة مع ذاته. تحولت الأمة من فاعل تاريخي طامح إلى مركز حضاري، إلى فضاء سياسي يعاني التشرذم والتبعية، فيما تراجعت قدرته على التأثير الاستراتيجي في النظام الاقليمي والدولي. في هذا الفراغ، لم يعد السؤال: «كيف ننتصر؟» بل «كيف لا نخسر أكثر؟»
أدركت إيران مبكرًا مع بداية بواكير أيديولوجية تصدير الثورة أن الشعوب التي تعاني الهزيمة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن المعنى. وحين تفقد الأمم ثقتها بذاتها، تصبح أكثر قابلية لتبني سرديات تمنحها شعورًا بالكرامة المستعادة. لذلك لم يكمن نجاح السردية الإيرانية في عناصر القوة الصلبة بقدر ما تجلى في قدرته للعب على الجروح العربية المفتوحة منذ عقود. فقدّم نفسه بوصفه صوت المظلومين في مواجهة الهيمنة، وصوت المقاومة في مواجهة الاحتلال، وصوت الكرامة في مواجهة الخضوع، فخاطب الوجدان قبل العقل، واستثمر في البعد النفسي العميق.
غير أن أخطر الأوهام ليست تلك التي تُفرض قسرًا، بل تلك التي تتحول إلى قناعات طوعية. فعندما تتماهى الفكرة مع هوية الإنسان، يتوقف عن مساءلتها، لأن التشكيك فيها يبدو كأنه تشكيك في الذات. ولهذا لم يكن النقاش حول إيران نقاشًا سياسيًا تقليديًا، بل أقرب إلى سجال عقائدي؛ حيث عُدّ نقد المشروع الإيراني خيانة، والتساؤل حول أهدافه خدمة للخصوم. وهكذا تحولت الأيديولوجيا إلى درع يعزل الوعي عن الواقع.
ولا تكمن خطورة الأيديولوجيات في اختلاقها للواقع بقدر ما تكمن في انتقائيتها؛ إذ تختار من الحقيقة ما يعزز سرديتها وتغفل ما يناقضها. لم تكن إيران بحاجة إلى اختطاف القضية الفلسطينية، لكنها نجحت في توظيفها بوصفها مصدرًا دائمًا للشرعية السياسية. فقد أدركت أن الرمز يتفوق على الواقع في التأثير، وأن القدس في الوعي العربي ليست مجرد مدينة، بل قيمة أخلاقية جامعة. ومن خلال احتكار تمثيل القيمة، منحت نفسها مكانة تتجاوز حدودها الجغرافية وإمكاناتها الفعلية.
يذكر الفيلسوف الالماني نيتشه أن الإنسان لا يسعى دائمًا إلى الحقيقة، بل إلى الأوهام التي تتيح له الاستمرار. وربما يفسر ذلك انجذاب بعض العرب إلى السردية الإيرانية؛ إذ لم يكن الدفاع عن إيران بقدر ما كان دفاعًا عن الحاجة إلى الإيمان بوجود قوة تتحدى إسرائيل والغرب. لقد مثلت إيران، في هذا السياق، تعويضًا رمزيًا عن عجز الواقع، ولذلك بدا تآكل هذه الصورة لدى البعض وكأنه انهيار حلم شخصي لا مجرد موقف سياسي.
إن الواقع يمتلك صلابة لا تملكها الشعارات. مع مرور الزمن، اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة؛ فالمشروع الذي رُوّج له كمشروع تحرير للمنطقة، توسع نفوذه داخل عواصم ودول عربية، أكثر مما تقدم في مواجهة إسرائيل، والصراع الذي صُوّر كصراع مع الهيمنة الخارجية، انزلق إلى نزاعات داخل المجتمعات العربية وفي الحرب الأخيرة وجهت الصواريخ والمسيرات الى دول الخليج والأردن بنسبة 80%، بما يتفوق عددها على تل أبيب بأقل من 20% من الاستهداف. هنا برز التناقض الكلاسيكي بين الصورة والحقيقة: بين ما نرغب في رؤيته وما هو قائم بالفعل.
التطورات الأخيرة أعادت طرح الأسئلة المؤجلة. فعندما تتحول الأسطورة إلى واقع قابل للفحص، تبدأ المسافة بين الرمز والحقيقة في الانكشاف. وعندما تُختبر الشعارات بميزان الوقائع، يتضح أن التاريخ لا يُصنع بالخطابات وحدها، وأن الدول لا تُبنى على الحماسة الثورية فقط، وأن المصالح كثيرًا ما تتقدم على الأيديولوجيات مهما اكتست بطابع قدسي.
ولعل أخطر نتائج العقود الماضية لم تكن في صعود إيران أو تراجعها، بل في إعادة تشكيل الوعي العربي على أسس طائفية ضيقة. فبدل أن تكون التكنولوجيا أداة للتقارب، أصبحت وسيلة لتكريس الانقسامات، وتحولت الهويات الفرعية إلى مشاريع سياسية متنازعة، وتراجع الانتماء الوطني لصالح الانتماء المذهبي. وهكذا تراجعت فكرة الدولة الجامعة لصالح هويات متنافسة. في لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، لم تجلب مشاريع النفوذ سوى الأزمات الاقتصادية، والانقسامات الطائفية، وتعطيل مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الصراعات. فالشعوب العربية لم تطلب وصاية من أحد، ولم تفوض أي قوة إقليمية للتحدث باسمها أو تقرير مصيرها.
إن الادعاء بدعم الشعوب والمستضعفين يفقد مصداقيته عندما تكون النتيجة دولًا منهكة، واقتصادات متعثرة، وملايين النازحين والضحايا. وما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيدًا من الميليشيات والسلاح خارج إطار الدولة، بل مزيدًا من الاستقرار والتنمية واحترام السيادة.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في سعي إيران إلى توسيع نفوذها، فذلك سلوك مألوف في العلاقات الدولية، بل في الخلط بين هذا السعي المشروع وبين منحه غطاءً سياسيا ودينيا وأخلاقيًا مطلقًا. فعندما تتماهى السياسة مع العقيدة، تتعطل القدرة على رؤية الواقع بموضوعية، ويصبح النقد خيانة، والتساؤل تهديدًا، والمراجعة ضعفًا.
من هنا، يتجاوز السؤال المطروح حدود إيران ليطول بنية العقل السياسي العربي نفسه: لماذا نبحث عن المنقذ بدل بناء المؤسسات؟ ولماذا ننجذب إلى الرموز أكثر من الحقائق؟ ولماذا نعيد إنتاج السرديات الكبرى دون مساءلة نتائجها؟
قد يكون الإنسان ميالًا بطبعه إلى الحلم، لكن الأمم تُقاس بقدرتها على مراجعة أحلامها عندما تتحول إلى أوهام. وفي هذا السياق، قد لا تكون المواجهة الراهنة مجرد صراع جديد في المنطقة، بل لحظة وعي فارقة، يُعاد فيها النظر ليس فقط في المشروع الإيراني، بل في قابلية الوعي العربي لتصديق الأساطير السياسية كلما ضاقت به سبل الواقع.

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...