

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية إلى التحرر، ومن الحرب الأهلية إلى ترسيخ الاتحاد، ومن قيادة العالم في الحربين العالميتين إلى تشييد النظام الدولي بعد الحرب الباردة، ثم إلى الانخراط في حروب وصراعات ممتدة، ولا سيما في الشرق الأوسط، أعادت تشكيل أولوياتها الاستراتيجية واستنزفت جانباً من قوتها ونفوذها. غير أن الجمهورية التي نجحت في تجاوز تلك المنعطفات التاريخية تجد نفسها اليوم أمام أخطر اختبار داخلي منذ عقود. فالمفارقة أن الدولة التي بلغت ذروة القوة العالمية تعيش في الداخل حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي والثقافي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد الشك في مستقبلها. ولم تعد استطلاعات الرأي تعكس اختلاف الأمريكيين حول السياسات العامة فحسب، بل تكشف انقساماً أعمق حول سؤال الهوية ذاته: ما هي الولايات المتحدة؟ وما طبيعة جمهوريتها؟ وهل ما تزال قادرة على الوفاء بالوعد الذي تأسست عليه قبل مائتين وخمسين عاماً؟
ومن قلب هذه المفارقة تنطلق صحيفة واشنطن بوست في تقريرها المطول بعنوان «أمريكا عند 300 عام: تخيل نصف القرن المقبل من التغيير»، لكنها لا تتعامل مع الذكرى بوصفها استعادة للماضي، بل باعتبارها نافذة لاستشراف المستقبل. وينطلق التقرير من فرضية أن التاريخ لا يتحرك في خطوط مستقيمة، وأن التحولات الكبرى غالباً ما تبدأ بأفكار أو تقنيات تبدو هامشية قبل أن تتحول إلى قوى تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع. ولذلك ترى الصحيفة أن العقود الخمسة المقبلة قد تكون أكثر اضطراباً وتحولاً من العقود الخمسين الماضية، مع التسارع الهائل في الذكاء الاصطناعي، والثورة البيولوجية، واستكشاف الفضاء، وإعادة تعريف العمل والهوية والعلاقات الاجتماعية.
غير أن السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه لا يتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على قيادة هذه الثورات التكنولوجية، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها السياسي والاجتماعي وهي تدخل هذا العصر الجديد. فالتحدي الحقيقي قد لا يكون في صناعة المستقبل، وإنما في منع الانقسام الداخلي من تقويض الدولة التي قادت العالم طوال القرن الأمريكي.
لم يعد السؤال اليوم أيضا في الولايات المتحدة: هل كان دونالد ترامب ظاهرة استثنائية؟ بل أصبح السؤال الأكثر عمقاً: ماذا لو كان ترامب هو النتيجة الطبيعية لأزمة أمريكية تراكمت لعقود؟
ليست الإشكالية الأساسية في الأسلوب الذي يدير به ترامب السياسة، ولا في الجدل الذي يرافقه أو الاتهامات التي وُجهت إليه على مدى السنوات الماضية، وإنما في وجود قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة ما زالت ترى فيه ممثلاً حقيقياً لمخاوفها، ومستعدة للدفاع عنه رغم ما يحيط به من جدل. وكما كتب عدد من المراقبين الأمريكيين، فإن المشكلة لا تكمن فقط في سلوك السياسي، بل أيضاً في استعداد جزء من النظام السياسي والاجتماعي لتبريره أو تجاهله عندما ينسجم مع أولوياته.
في جوهر هذه الظاهرة تكمن أزمة هوية. فهناك شريحة من الأمريكيين، خصوصاً من البيض المنحدرين من أصول أنجلوساكسونية بروتستانتية، ترى أن الولايات المتحدة التي عرفتها لعقود تتغير بسرعة. فالهجرة، والتنوع الديموغرافي، وصعود الأقليات، والتحولات الثقافية، والعولمة، كلها عوامل ولّدت شعوراً لدى بعضهم بأن مكانتهم التقليدية داخل المجتمع لم تعد مضمونة كما كانت. بالنسبة لهذه الفئة، لا يمثل ترامب مجرد رئيس، بل يمثل وعداً باستعادة ما يعتقدون أنه توازن تاريخي فقدته البلاد.
في كتابه «من نحن؟» (Who Are We?) حذر صمويل هنتنغتون منذ أكثر من عقدين من أن الولايات المتحدة قد تدخل أزمة هوية إذا فقدت الركائز الثقافية التي قامت عليها. لم يكن يقصد أن أمريكا دولة عرقية، لكنه رأى أن نجاح التجربة الأمريكية ارتبط تاريخياً بثقافة أنجلوساكسونية بروتستانتية. ومع اتساع الهجرة والعولمة وصعود سياسات الهوية، توقع هنتنغتون أن تنشأ مقاومة اجتماعية ترى أن الهوية الوطنية تتعرض للتآكل.
قد يختلف كثيرون مع استنتاجات هنتنغتون، لكن من الصعب تجاهل أن جزءاً من الخطاب الشعبوي الذي تبناه ترامب استثمر هذا الشعور. فقد قدم نفسه باعتباره المدافع عن حدود الدولة، وعن الصناعة الوطنية، وعن «القيم الأمريكية»، مستخدماً شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» باعتباره وعداً باستعادة مكانة يعتقد بعض الأمريكيين أنها تراجعت.
غير أن الأزمة تتجاوز مسألة الهوية. ففرانسيس فوكوياما، الذي اشتهر بأطروحة «نهاية التاريخ»، عاد لاحقاً ليكتب عن سياسات الهوية باعتبارها أحد أكبر مصادر الاستقطاب في الديمقراطيات الغربية. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الضرائب أو الاقتصاد، بل حول الاعتراف والكرامة والانتماء. وكلما شعر الأفراد بأن هويتهم مهددة، أصبحوا أكثر استعداداً لتأييد زعماء يعدونهم باستعادة المكانة المفقودة، حتى لو جاء ذلك على حساب الأعراف السياسية التقليدية.
المفارقة أن المؤسسات الأمريكية، التي طالما قدمت نفسها بوصفها الأكثر رسوخاً في العالم، وجدت نفسها تخوض اختباراً غير مسبوق. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن قوة المؤسسات لا تلغي الاستقطاب، وأن الديمقراطية ليست محصنة ضد الانقسام الحاد، وأن الثقة في الانتخابات والإعلام والقضاء أصبحت موضع نزاع داخلي واسع.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد انعكس هذا الانقسام في صورة تراجع القدرة الأمريكية على بناء توافقات استراتيجية طويلة الأمد. فالحلفاء باتوا يتساءلون: أي أمريكا يتعاملون معها؟ أمريكا المؤسسات التقليدية؟ أم أمريكا الشعبوية التي قد تعيد صياغة أولوياتها مع كل دورة انتخابية؟ هذا التذبذب يفرض تحديات على خصوم الولايات المتحدة وحلفائها على السواء، لأنه يجعل التنبؤ بالسياسة الأمريكية أكثر صعوبة.
لكن المبالغة في الحديث عن أفول الولايات المتحدة ستكون بدورها قراءة سطحية ومتسرعة. فقد أثبت التاريخ الأمريكي أن المجتمع يمتلك قدرة كبيرة على تصحيح مساره رغم العثرات عبر المؤسسات والانتخابات والتوازنات الدستورية. إن الولايات المتحدة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح في صياغة عقد اجتماعي جديد يستوعب التنوع المتزايد ويحافظ في الوقت نفسه على شعور مختلف الفئات بالانتماء، وإما أن يستمر الصراع حول هوية الدولة، بما يحمله ذلك من آثار على استقرارها الداخلي ودورها العالمي.
في النهاية، ربما يكون التحدي الأكبر الذي تواجهه واشنطن اليوم ليس منافسة الصين ومواجهة روسيا، ولا إدارة الأزمات الدولية، بل الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: من هي أمريكا، ومن يملك حق تعريفها في القرن الحادي والعشرين؟
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...
ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...