alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 45

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 11 أكتوبر 2026
الذاكرة في مواجهة العقل النقدي
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 14 أكتوبر 2026
واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران
د. زينب المحمود 12 أكتوبر 2026
شذرات تربوية

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

05 يوليو 2026 , 12:40ص

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة أمة، فإذا به يعجز عن حماية دولته. وادّعى أنه يقود المستضعفين، فإذا بالشعوب التي خاطبها لعقود تختار أوطانها.
الهزيمة الحقيقية ليست في مقتل المرشد، وقيادات من الحرس الثوري، وخسارة قواعد عسكرية أو منشآت استراتيجية، فكل دولة تستطيع إعادة بناء ما تدمر. ما يصعب ترميمه هو انهيار الفكرة.  فالأفكار التي تسقط لا تعود كما كانت، وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع أيديولوجي هو أن يفقد احتكاره للحقيقة، وأن تتحول شعاراته إلى مادة للسؤال بدل أن تبقى موضوعًا للتصديق.
لقد تأسس نظام الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 على فرضية واحدة: أن الثورة ليست مرحلة انتقالية، بل حالة أبدية، وأن الدولة ليست غاية، بل مجرد منصة لإدارة مشروع أكبر يتجاوز الحدود والسيادات والهويات الوطنية. ومن هنا لم يكن بناء الدولة هو الأولوية، بل بناء «الثورة الدائمة»، حتى أصبحت إيران دولة تخدم الثورة، بدل أن تكون الثورة قد انتهت ببناء الدولة.
ولعل هذا ما يُحدد مصير معظم الثورات الكبرى في التاريخ. فالثورة الفرنسية لم تستقر إلا عندما انتهى عهد المقصلة وبدأ عهد المؤسسات. والثورة الأمريكية لم تصبح دولة إلا عندما غادرت خطاب الثورة إلى دستور دائم، وثورة أتاتورك أدّت إلى تأسيس دولة تركيا الحديثة، وكذلك رأى ابن خلدون قبل قرون، أن العصبية التي تؤسس السلطة لا تستطيع وحدها إدارة العمران، لأن بناء الدولة يحتاج إلى الحكم الرشيد أكثر مما يحتاج إلى الحماسة. 
أما الحالة الإيرانية فاختارت أن تبقى أسيرة خطاب التعبئة، وأن تجعل الصراع شرطًا دائمًا لبقائها السياسي. ولأن ثورة رجال الدين لا تستطيع أن تعيش بلا عدو، صنعت أعداءها باستمرار، ولأنها لا تستطيع أن تستمر بلا معركة، صدّرت المعارك إلى الآخرين بالذات في محيطها العربي.
ولهذا لم يكن الاستثمار الحقيقي خلال أربعة عقود في الإنسان، ولا في الجامعات، ولا في الاقتصاد، ولا في التنمية، بل في الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والميليشيات، وشبكات النفوذ العابرة للدول. تحولت الدولة إلى مصنع للأزمات، وأصبح تصدير الاضطراب جزءًا من تعريف الأمن القومي الإيراني. 
والأكثر خطورة أنها استغلت ما هو مقدس بنظر الشعوب لتبرير السياسة. فقد جرى توظيف التاريخ السياسي، ومفهوم العدل والكرامة والمظلومية، داخل مشروع جيوسياسي معاصر، حتى بدا وكأنها صادرت الارث الإسلامي لصالح مشروع سياسي محدد. واستُدعيت المفاهيم التي يتفق عليها المسلمون من مختلف المذاهب لإحداث الانشقاقات في ساحات الصراع الإقليمي، فتحولت الرموز الدينية من قيم أخلاقية جامعة إلى أدوات تعبئة سياسية. لكن السؤال الذي فرضته الحرب اليوم هو: ماذا بقي من كل ذلك؟
تظهر المفارقة القاسية أنّ المشروع التي عمل على تغيير وجه عواصم عربية انتهى عاجزًا عن حماية عمقه الاستراتيجي. والسردية التي تتحدث عن مواجهة الغرب وإزالة إسرائيل من الخريطة وجدت نفسها منشغلة بحماية سمائها، أما شعار «تحرير القدس»، الذي استُهلك لعقود في التعبئة والحشد، فلم يُنتج طريقًا إلى القدس، بل أنتج طُرقًا إلى بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء، حيث استُنزفت الدول العربية، وتآكلت مؤسساتها، ودفعت شعوبها ثمنًا لصراعات لا زالت مستمرة.
ولعلّ أكثر المشاهد دلالة في هذه الحرب لم يكن من الداخل الإيراني، بل خارجها. فقد راهن مشروع تصدير الثورة طوال عقود على أن الانتماء المذهبي سيهزم الانتماء الوطني. وكان يعتقد أن الشيعة العرب في دول الخليج بالتحديد سيكونون احتياطيا استراتيجيا لمشروع الثورة متى احتاجت إليهم. لكن الواقع وجّه إليه صفعة سياسية قاسية.
ففي دول الخليج والدول العربية المستقرة، لم تنجر المجتمعات الشيعية خلف الشعارات المزيفة، ولم تتحول إلى أدوات في معركة ليست معركتها، بل اصطفت خلف الدولة الوطنية، ومؤسساتها، باعتبارها الضامن الحقيقي للأمن والاستقرار والمستقبل. 
عندما تعرضت مدن الخليج ومرافقها الحيوية ومجتمعاتها لتهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، لم نشهد انهيارًا في مفهوم الدولة أو تزعزع العلاقة بين السلطة والشعب، ولم تنشأ اصطفافات طائفية واسعة كما راهن بعض منظّري الأيديولوجيا الثورية، بل برز، في الاتجاه العام، مشهد مغاير، مواطنون من مختلف المكونات وقفوا صفاً واحداً دفاعًا عن أوطانهم، وكان المواطنون الشيعة في دول الخليج جزءًا أصيلًا من هذا المشهد الوطني.
لقد واجهوا الخطر ذاته الذي واجهه بقية أبناء أوطانهم، وتقاسموا القلق نفسه على أسرهم ومدنهم ومستقبلهم. فالصواريخ لم تكن تميّز بين مذهب وآخر، والطائرات المسيّرة لم تكن تسأل عن الهوية الطائفية قبل أن تهدد أمن المدن والمنشآت. وفي مثل هذه اللحظات، تسقط الأوهام الأيديولوجية، ويظهر الانتماء الحقيقي؛ ليس للطائفة، بل للوطن، ولم يكن هذا موقفًا ظرفيًا، بل إعلانًا صريحًا بأن المواطنة انتصرت على الأيديولوجيا.
لقد اختاروا وطن المدارس بدلاً عن الخنادق، والتنمية عوضاً عن التعبئة، واختاروا الدولة التي تحفظ حقوقهم على المشروع الذي أراد اختزالهم في هوية سياسية عابرة للحدود. وكان حضور العديد منهم في وسائل الإعلام، والمؤسسات، والجامعات، والقطاعين العام والخاص دفاعًا عن أوطانهم، دليلًا على أن الاستثمار في الإنسان أقوى من الاستثمار في الميليشيات.
لقد تهاوت إحدى أخطر الأكاذيب التي عاش عليها مشروع تصدير الثورة، وهي أن تتحوّل الطائفة الى وطن بديل. فقد أثبتت هذه الحرب أن فقه الثورة لا يعرف كيف يبني دولة، لأنه لا يعيش إلا على فكرة المعركة الدائمة. فهو يحتاج دائمًا إلى عدو، وإلى أزمة، وإلى تعبئة، وإلى خطاب يبرر استمرار الاستثناء.
أما فقه الدولة، فيعرف أن أعظم الانتصارات ليست في إطلاق الصواريخ وصناعة المسيرات ودعم الحركات المسلحة، بل في افتتاح جامعة، وبناء مستشفى، وتطوير ميناء، وصناعة اقتصاد، وحماية مواطن، وترسيخ العدالة. فالثورات قد تُسقط نظامًا، لكنها لا تبني حضارة. والميليشيات قد تسيطر على مدينة، لكنها لا تؤسس دولة. والأيديولوجيا قد تحشد الجماهير، لكنها لا تصنع مستقبلًا.
دروس الماضي تعلمنا أن الثورات ليست هي التي تصنع التاريخ وحدها، بل قدرة المجتمعات على التحول من لحظة الثورة إلى لحظة الدولة. وقد استشرف أرسطو ذلك منذ أكثر من ألفي عام، حين اعتبر أن غاية السياسة ليست في الصراع، بل في تحقيق «الحياة الفاضلة» داخل مجتمع منظم تحكمه القوانين والمؤسسات. ونظيره توماس هوبز الذي رأى أن الدولة ليست ترفًا سياسيًا، وإنما الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الإنسان من «حرب الجميع ضد الجميع»، حيث يصبح الأمن شرطًا لكل حرية وتنمية. كذلك، اعتبر فريدريش هيغل أنّ الدولة هي التعبير الأعلى عن العقل في سيرورة التاريخ، لأنها تنقل الإنسان من الولاءات الضيقة إلى المصلحة العامة. حذرت حنة آرنت فيلسوفة «الثورة» من الأنظمة التي تُبقي شعوبها في حالة تعبئة ثورية دائمة، لأن الثورة إذا لم تتحول إلى دولة مؤسسات وقانون، فإنها ستُصبح آلة تلتهم أبناءها وتُعيد إنتاج العنف بوصفه مصدرًا للشرعية.
خرج العالم العربي والشرق الأوسط من أتون هذه الحرب وقد حمل درسها الأبلغ: أن زمن تصدير الثورة، كما صاغه النموذج الإيراني، يوشك أن يطوي صفحته الأخيرة، وأن المنطقة تقف على عتبة زمن جديد تُستعاد فيه هيبة الدولة الوطنية بوصفها ملاذ السيادة، وحارسة الاستقرار، وأفق التنمية. فليس في الفوضى خلاص، ولا في الأيديولوجيا العابرة للحدود وطنٌ آمن. إنها لحظة مفصلية يتراجع فيها صخب الثورة الدائمة أمام رصانة الدولة، وينكشف فيها الفارق العميق بين فقهٍ يبدد الأوطان باسم الأيدولوجيا، وفقه يبنيها باسم السيادة والمواطنة والمستقبل.

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...