alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 42

محمد يوسف العركي 03 أكتوبر 2026
الفن الفارغ «Vacant Art»
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 04 أكتوبر 2026
الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 أكتوبر 2026
قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة
خالد محمد مفتاح 03 أكتوبر 2026
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعلم

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

19 يوليو 2026 , 12:35ص

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. 
بطولة كأس العالم لا تُنتج بطلاً جديداً فقط في نهائي البطولة، بل تولد أيضاً أسئلة جديدة عن العالم الذي نعيش فيه. وما كشفته بطولة كأس العالم 2026 التي عقدت في أمريكا وكندا والمكسيك لم يكن أقل أهمية من نتائج مبارياتها، لأنها أعادت طرح سؤال قد يبدو غريباً للوهلة الأولى: هل أصبحت كرة القدم أكثر بريقاً من السياسة؟
إن التأمل في تفاصيل البطولة يقود إلى نتيجة مدهشة، فالسياسة الدولية، التي يفترض أنها المجال الأسمى لتنظيم العلاقات بين الدول، ما زالت أسيرة موازين القوة، بينما تبدو كرة القدم، رغم فسادها وأخطائها وصراعاتها، أكثر قدرة على منح الفرص المتكافئة بشكل أكبر.

تدخل السياسة في الرياضة 
رغم الجدل التحكيمي الذي ألقى بظلاله على مباراة مصر والأرجنتين، والشكوى من النهج ذاته من جانب منتخبات أخرى، فإن الحقيقة الأهم هي أن المنتخب المصري أثبت قدرته على المنافسة والوقوف ندًّا أمام كبار العالم.  ولذلك كان الخروج انتصارا معنويا وبداية مرحلة جديدة، مراجعة جادة وبناء مستمر وعودة أكثر قوة وحضورًا وتمثيلًا.
من جانب آخر كانت الفضيحة في إعلان محاولة رئيس أكبر دولة في العالم التدخل في قرار الفيفا خلال البطولة من خلال إلغاء الكرت الأحمر. الخطوة كشفت أن السلطة السياسية لا تزال تنظر إلى المؤسسات الدولية، حتى الرياضية منها، باعتبارها فضاءات قابلة للضغط والتأثير. إنها العقلية ذاتها التي تحكم العلاقات الدولية منذ قرون؛ عقلية ترى أن النفوذ يستطيع تعديل القواعد متى تعارضت مع مصالح الأقوياء. 
لكن المفارقة أن المنتخب الأمريكي، رغم كل ما أثير حول تلك الواقعة، خرج من البطولة بخسارة قاسية وهزيمة كبيرة، وكأن اللعبة نفسها أرادت أن تعلن استقلالها الرمزي عن السلطة السياسية.
هذه ليست مجرد حادثة رياضية، بل استعارة فلسفية عن حدود القوة. فمنذ أفلاطون وحتى ما بعد الحداثة، ظل السؤال قائماً حول العلاقة بين السلطة والشرعية. فالسلطة تستطيع أن تفرض إرادتها بالقوة، لكنها لا تستطيع دائماً أن تمنح نفسها الشرعية. والشرعية، سواء في الدولة أو في الرياضة، لا تُكتسب بالنفوذ، وإنما بالاستحقاق. لهذا يبقى الفوز الحقيقي هو ذلك الذي يأتي نتيجة الكفاءة، لا نتيجة الامتيازات. وربما لهذا السبب تمنح كرة القدم، ولو رمزياً، شعوراً بالتساوي يفتقده كثيرون في الساحة الدولية.
لقد كشفت البطولة أيضاً عن وهم آخر طالما سيطر على العقل الحديث، وهو الاعتقاد بأن المال قادر على شراء النجاح. فقد أنفقت دول مليارات الدولارات على تطوير منتخباتها الوطنية، واستقدمت أفضل المدربين، وشيدت أحدث الأكاديميات الرياضية، لكنها خرجت من البطولة بخيبة أمل كبيرة. ولم تكن بعض المنتخبات الخليجية بعيدة عن هذا المشهد، إذ جاءت النتائج أقل بكثير من حجم الطموحات والاستثمارات.
الهوية الوطنية ما بعد الكولونيالية
من أكثر التحولات الجدلية إثارة، التي كشف عنها مونديال كأس العالم 2026، أنها لم تعد ساحة للتنافس الرياضي فحسب، بل أصبحت فضاءً لإعادة تعريف مفهوم الهوية الوطنية في عصر ما بعد الكولونيالية. فالمنتخبات الغربية، ولا سيما الأوروبية، لم تعد تعكس الصورة الكلاسيكية للدولة القومية التي تشكلت في القرن التاسع عشر على أساس العرق الواحد، واللغة الواحدة، والذاكرة التاريخية المشتركة. 
فقد أصبح اللاعبون من أصول إفريقية وآسيوية وعربية وكاريبية، ومن أبناء المهاجرين واللاجئين، يشكلون العمود الفقري لمعظم المنتخبات الكبرى، بل إن بعضهم يحمل شارة القيادة ويجسد رمزية الوطن الجديد. لم يعد المنتخب الوطني مرآة لـ «نقاء قومي» متخيَّل، بل أصبح تجسيداً لهوية وطنية مركبة، تشكلت عبر الهجرة، والتعدد الثقافي، وإعادة إنتاج مفهوم المواطنة.
وتتجاوز هذه الظاهرة حدود الرياضة إلى تحولات أعمق في بنية الدولة الحديثة. فالدولة الأوروبية التي قامت، على فكرة الأمة المتجانسة و»الجماعة المتخيلة»، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف فرضته العولمة والهجرة وإرثها الاستعماري. 
ومن المفارقات أن أبناء المستعمرات السابقة، الذين كانوا يوماً موضوعاً للهيمنة، أصبحوا اليوم يمثلون الدول الاستعمارية نفسها، ويرفعون أعلامها، ويحققون لها الانتصارات في أكبر المحافل الرياضية. وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بصورة معكوسة؛ فالهجرة لم تعد مجرد حركة بشرية، بل أصبحت أحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل معنى الوطن والانتماء في القرن الحادي والعشرين.
أما المفارقة الأكثر عمقاً، فتظهر عندما تواجه منتخبات عربية وإفريقية وآسيوية قوى أوروبية كانت حتى وقت قريب تهيمن على أجزاء واسعة من العالم. فهذه المباريات لا تُقرأ، في الوعي الجمعي لشعوب الجنوب العالمي، باعتبارها منافسات رياضية خالصة، بل بوصفها لحظات رمزية تستحضر ذاكرة الاستعمار وما بعده. 
ليست محاولة للثأر من الماضي، ولا لإعادة إنتاج خطاب الضحية، وإنما إعلان بأن التاريخ ليس قدراً أبدياً، وأن تفوق الغرب الابيض لم يعد حقيقة مطلقة، بل نتيجة شروط تاريخية قابلة للتغير. وعندما تنتصر هذه المنتخبات، فإنها لا تهزم خصماً رياضياً فحسب، بل تهزم أيضاً سردية التفوق التاريخي التي رافقت المشروع الكولونيالي لعقود طويلة.
لقد منحت إنجازات منتخبات مثل المغرب ومصر، وغيرهما من منتخبات الجنوب العالمي من افريقيا الى آسيا، معنى يتجاوز حدود الرياضة. فهي لم تنتصر لأنها أكثر ثراءً أو نفوذاً، بل لأنها أحسنت استثمار الإنسان. وهذا يقود إلى سؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت هذه المجتمعات قادرة على منافسة العالم في كرة القدم، فلماذا لا تنافسه بالقدر نفسه في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والبحث العلمي؟
الإجابة لا تكمن في نقص العقول، بل في البيئة التي تعمل فيها هذه العقول. فالموهبة وحدها لا تصنع الحضارة، كما أن العبقرية والموهوب لا تتحول الى منجزات إذا عاشت في بيئة فاشلة. الأمر نفسه ينطبق على الدول. فما يمنع كثيراً من دول الجنوب من تحقيق قفزات تنموية ليس غياب القدرات البشرية، وإنما هشاشة المؤسسات، وضعف التعليم، والفساد، والصراعات السياسية، وغياب الرؤية بعيدة المدى. ولذلك فإن كرة القدم تكشف، أكثر مما تخفي، حجم الإمكانات المهدورة في هذه المجتمعات.

بين مونديال قطر وأمريكا الشمالية
قد يصعب تجاهل السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت الحملة التي استهدفت مونديال قطر دفاعًا مبدئيًا عن حقوق الإنسان، أم أنها كانت تعبيرًا عن انتقائية سياسية وإعلامية؟ فمنذ فوزها بحق استضافة كأس العالم عام 2010، تعرضت قطر لواحدة من أكثر حملات التدقيق والانتقاد كثافة في تاريخ الأحداث الرياضية. لكن المشهد يبدو مختلفًا تمامًا عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة. 
ففي أقل من ثمانية عشر شهرًا، احتجزت السلطات الأمريكية نحو 400 ألف مهاجر، بينهم أكثر من ستة آلاف طفل، وأسفرت عملياتها العسكرية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ عن مقتل ما لا يقل عن مائتي شخص، قبل أن تدخل حربًا اختارت شنها ضد إيران، مخلفة مئات الضحايا المدنيين وموجة اضطرابات أصابت الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. ومع ذلك، لم تتحول هذه الوقائع إلى حملة أخلاقية عالمية مماثلة، ولم تُطرح الأسئلة ذاتها بالحدة نفسها.
وتتجلى هذه الازدواجية بصورة أوضح في أداء المؤسسات الإعلامية والسياسية الغربية. ففي عام 2022، امتنعت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن نقل حفل افتتاح كأس العالم في قطر، وفضّلت تخصيص بثها لانتقاد الدولة المضيفة، بينما نقلت حفلات افتتاح بطولة 2026 كاملة دون أي موقف احتجاجي مماثل. 
كما لم يتردد رئيس الوزراء البريطاني السابق في توجيه انتقادات حادة لقطر بذريعة حقوق الإنسان، في حين غاب الخطاب نفسه عندما تعلق الأمر بالولايات المتحدة. والأمر ذاته ينطبق على منتخبي ألمانيا والنرويج، اللذين حولا ملاعب مونديال قطر إلى منصة للاحتجاج السياسي، قبل أن يلتزما الصمت الكامل في نسخة 2026.
 هذه المفارقة لا تكشف اختلافًا في الوقائع، بل اختلافًا في معايير الحكم والازدواجية؛ فحقوق الإنسان تتحول، من قيمة كونية يُفترض أن تُطبَّق على الجميع، إلى أداة سياسية تُستدعى ضد خصوم بعينهم، وتُعلَّق عندما يتعلق الأمر بالحلفاء أو القوى الكبرى. ففي النظام الدولي المعاصر، لا يبدو أن المشكلة تكمن في الانتهاكات وحدها، بل في هوية من يرتكبها.
وعلى الرغم انه لم تتح لي فرصة حضور مونديال 2026 كما كنت اخطط، بسبب حرب إيران وتداعياتها على الجميع خصوصا في الخليج مع استمرار الأزمة، لكن يكفيني أنني عشت عن قرب التجربة الاستثنائية لمونديال قطر 2022، وتشرفت بحضور المباراة النهائية في الملعب الذي شهد تتويج الأرجنتين بكأس العالم. 
كان ذلك الحدث أكثر من مجرد بطولة رياضية؛ فقد كان تحقيقًا لحلم الأمير الوالد، طيب الله ثراه، الذي رحل عنا قبل أيام، بعدما آمن منذ وقت مبكر بأن قطر قادرة على استضافة أكبر حدث رياضي في العالم، وأن تقدم نموذجًا حضاريًا يثبت قدرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تنظيم بطولة استثنائية غيّرت كثيرًا من الصور النمطية، وفتحت فصلًا جديدًا في تاريخ الرياضة العالمية، ورسخت مكانة قطر بوصفها دولة قادرة على تحويل الرؤية إلى إنجاز، والطموح إلى واقع.
لقد أثبتت الدوحة أن الشرق الأوسط قادر على أن يكون مركزاً للإبداع والتنظيم والحوار، لا مجرد مسرح للأزمات والصراعات، وأن الرياضة تستطيع أن تبني جسوراً بين الشعوب حين تفشل السياسة في ذلك.

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...