

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس.
بطولة كأس العالم لا تُنتج بطلاً جديداً فقط في نهائي البطولة، بل تولد أيضاً أسئلة جديدة عن العالم الذي نعيش فيه. وما كشفته بطولة كأس العالم 2026 التي عقدت في أمريكا وكندا والمكسيك لم يكن أقل أهمية من نتائج مبارياتها، لأنها أعادت طرح سؤال قد يبدو غريباً للوهلة الأولى: هل أصبحت كرة القدم أكثر بريقاً من السياسة؟
إن التأمل في تفاصيل البطولة يقود إلى نتيجة مدهشة، فالسياسة الدولية، التي يفترض أنها المجال الأسمى لتنظيم العلاقات بين الدول، ما زالت أسيرة موازين القوة، بينما تبدو كرة القدم، رغم فسادها وأخطائها وصراعاتها، أكثر قدرة على منح الفرص المتكافئة بشكل أكبر.
تدخل السياسة في الرياضة
رغم الجدل التحكيمي الذي ألقى بظلاله على مباراة مصر والأرجنتين، والشكوى من النهج ذاته من جانب منتخبات أخرى، فإن الحقيقة الأهم هي أن المنتخب المصري أثبت قدرته على المنافسة والوقوف ندًّا أمام كبار العالم. ولذلك كان الخروج انتصارا معنويا وبداية مرحلة جديدة، مراجعة جادة وبناء مستمر وعودة أكثر قوة وحضورًا وتمثيلًا.
من جانب آخر كانت الفضيحة في إعلان محاولة رئيس أكبر دولة في العالم التدخل في قرار الفيفا خلال البطولة من خلال إلغاء الكرت الأحمر. الخطوة كشفت أن السلطة السياسية لا تزال تنظر إلى المؤسسات الدولية، حتى الرياضية منها، باعتبارها فضاءات قابلة للضغط والتأثير. إنها العقلية ذاتها التي تحكم العلاقات الدولية منذ قرون؛ عقلية ترى أن النفوذ يستطيع تعديل القواعد متى تعارضت مع مصالح الأقوياء.
لكن المفارقة أن المنتخب الأمريكي، رغم كل ما أثير حول تلك الواقعة، خرج من البطولة بخسارة قاسية وهزيمة كبيرة، وكأن اللعبة نفسها أرادت أن تعلن استقلالها الرمزي عن السلطة السياسية.
هذه ليست مجرد حادثة رياضية، بل استعارة فلسفية عن حدود القوة. فمنذ أفلاطون وحتى ما بعد الحداثة، ظل السؤال قائماً حول العلاقة بين السلطة والشرعية. فالسلطة تستطيع أن تفرض إرادتها بالقوة، لكنها لا تستطيع دائماً أن تمنح نفسها الشرعية. والشرعية، سواء في الدولة أو في الرياضة، لا تُكتسب بالنفوذ، وإنما بالاستحقاق. لهذا يبقى الفوز الحقيقي هو ذلك الذي يأتي نتيجة الكفاءة، لا نتيجة الامتيازات. وربما لهذا السبب تمنح كرة القدم، ولو رمزياً، شعوراً بالتساوي يفتقده كثيرون في الساحة الدولية.
لقد كشفت البطولة أيضاً عن وهم آخر طالما سيطر على العقل الحديث، وهو الاعتقاد بأن المال قادر على شراء النجاح. فقد أنفقت دول مليارات الدولارات على تطوير منتخباتها الوطنية، واستقدمت أفضل المدربين، وشيدت أحدث الأكاديميات الرياضية، لكنها خرجت من البطولة بخيبة أمل كبيرة. ولم تكن بعض المنتخبات الخليجية بعيدة عن هذا المشهد، إذ جاءت النتائج أقل بكثير من حجم الطموحات والاستثمارات.
الهوية الوطنية ما بعد الكولونيالية
من أكثر التحولات الجدلية إثارة، التي كشف عنها مونديال كأس العالم 2026، أنها لم تعد ساحة للتنافس الرياضي فحسب، بل أصبحت فضاءً لإعادة تعريف مفهوم الهوية الوطنية في عصر ما بعد الكولونيالية. فالمنتخبات الغربية، ولا سيما الأوروبية، لم تعد تعكس الصورة الكلاسيكية للدولة القومية التي تشكلت في القرن التاسع عشر على أساس العرق الواحد، واللغة الواحدة، والذاكرة التاريخية المشتركة.
فقد أصبح اللاعبون من أصول إفريقية وآسيوية وعربية وكاريبية، ومن أبناء المهاجرين واللاجئين، يشكلون العمود الفقري لمعظم المنتخبات الكبرى، بل إن بعضهم يحمل شارة القيادة ويجسد رمزية الوطن الجديد. لم يعد المنتخب الوطني مرآة لـ «نقاء قومي» متخيَّل، بل أصبح تجسيداً لهوية وطنية مركبة، تشكلت عبر الهجرة، والتعدد الثقافي، وإعادة إنتاج مفهوم المواطنة.
وتتجاوز هذه الظاهرة حدود الرياضة إلى تحولات أعمق في بنية الدولة الحديثة. فالدولة الأوروبية التي قامت، على فكرة الأمة المتجانسة و»الجماعة المتخيلة»، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف فرضته العولمة والهجرة وإرثها الاستعماري.
ومن المفارقات أن أبناء المستعمرات السابقة، الذين كانوا يوماً موضوعاً للهيمنة، أصبحوا اليوم يمثلون الدول الاستعمارية نفسها، ويرفعون أعلامها، ويحققون لها الانتصارات في أكبر المحافل الرياضية. وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بصورة معكوسة؛ فالهجرة لم تعد مجرد حركة بشرية، بل أصبحت أحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل معنى الوطن والانتماء في القرن الحادي والعشرين.
أما المفارقة الأكثر عمقاً، فتظهر عندما تواجه منتخبات عربية وإفريقية وآسيوية قوى أوروبية كانت حتى وقت قريب تهيمن على أجزاء واسعة من العالم. فهذه المباريات لا تُقرأ، في الوعي الجمعي لشعوب الجنوب العالمي، باعتبارها منافسات رياضية خالصة، بل بوصفها لحظات رمزية تستحضر ذاكرة الاستعمار وما بعده.
ليست محاولة للثأر من الماضي، ولا لإعادة إنتاج خطاب الضحية، وإنما إعلان بأن التاريخ ليس قدراً أبدياً، وأن تفوق الغرب الابيض لم يعد حقيقة مطلقة، بل نتيجة شروط تاريخية قابلة للتغير. وعندما تنتصر هذه المنتخبات، فإنها لا تهزم خصماً رياضياً فحسب، بل تهزم أيضاً سردية التفوق التاريخي التي رافقت المشروع الكولونيالي لعقود طويلة.
لقد منحت إنجازات منتخبات مثل المغرب ومصر، وغيرهما من منتخبات الجنوب العالمي من افريقيا الى آسيا، معنى يتجاوز حدود الرياضة. فهي لم تنتصر لأنها أكثر ثراءً أو نفوذاً، بل لأنها أحسنت استثمار الإنسان. وهذا يقود إلى سؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت هذه المجتمعات قادرة على منافسة العالم في كرة القدم، فلماذا لا تنافسه بالقدر نفسه في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والبحث العلمي؟
الإجابة لا تكمن في نقص العقول، بل في البيئة التي تعمل فيها هذه العقول. فالموهبة وحدها لا تصنع الحضارة، كما أن العبقرية والموهوب لا تتحول الى منجزات إذا عاشت في بيئة فاشلة. الأمر نفسه ينطبق على الدول. فما يمنع كثيراً من دول الجنوب من تحقيق قفزات تنموية ليس غياب القدرات البشرية، وإنما هشاشة المؤسسات، وضعف التعليم، والفساد، والصراعات السياسية، وغياب الرؤية بعيدة المدى. ولذلك فإن كرة القدم تكشف، أكثر مما تخفي، حجم الإمكانات المهدورة في هذه المجتمعات.
بين مونديال قطر وأمريكا الشمالية
قد يصعب تجاهل السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت الحملة التي استهدفت مونديال قطر دفاعًا مبدئيًا عن حقوق الإنسان، أم أنها كانت تعبيرًا عن انتقائية سياسية وإعلامية؟ فمنذ فوزها بحق استضافة كأس العالم عام 2010، تعرضت قطر لواحدة من أكثر حملات التدقيق والانتقاد كثافة في تاريخ الأحداث الرياضية. لكن المشهد يبدو مختلفًا تمامًا عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة.
ففي أقل من ثمانية عشر شهرًا، احتجزت السلطات الأمريكية نحو 400 ألف مهاجر، بينهم أكثر من ستة آلاف طفل، وأسفرت عملياتها العسكرية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ عن مقتل ما لا يقل عن مائتي شخص، قبل أن تدخل حربًا اختارت شنها ضد إيران، مخلفة مئات الضحايا المدنيين وموجة اضطرابات أصابت الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. ومع ذلك، لم تتحول هذه الوقائع إلى حملة أخلاقية عالمية مماثلة، ولم تُطرح الأسئلة ذاتها بالحدة نفسها.
وتتجلى هذه الازدواجية بصورة أوضح في أداء المؤسسات الإعلامية والسياسية الغربية. ففي عام 2022، امتنعت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن نقل حفل افتتاح كأس العالم في قطر، وفضّلت تخصيص بثها لانتقاد الدولة المضيفة، بينما نقلت حفلات افتتاح بطولة 2026 كاملة دون أي موقف احتجاجي مماثل.
كما لم يتردد رئيس الوزراء البريطاني السابق في توجيه انتقادات حادة لقطر بذريعة حقوق الإنسان، في حين غاب الخطاب نفسه عندما تعلق الأمر بالولايات المتحدة. والأمر ذاته ينطبق على منتخبي ألمانيا والنرويج، اللذين حولا ملاعب مونديال قطر إلى منصة للاحتجاج السياسي، قبل أن يلتزما الصمت الكامل في نسخة 2026.
هذه المفارقة لا تكشف اختلافًا في الوقائع، بل اختلافًا في معايير الحكم والازدواجية؛ فحقوق الإنسان تتحول، من قيمة كونية يُفترض أن تُطبَّق على الجميع، إلى أداة سياسية تُستدعى ضد خصوم بعينهم، وتُعلَّق عندما يتعلق الأمر بالحلفاء أو القوى الكبرى. ففي النظام الدولي المعاصر، لا يبدو أن المشكلة تكمن في الانتهاكات وحدها، بل في هوية من يرتكبها.
وعلى الرغم انه لم تتح لي فرصة حضور مونديال 2026 كما كنت اخطط، بسبب حرب إيران وتداعياتها على الجميع خصوصا في الخليج مع استمرار الأزمة، لكن يكفيني أنني عشت عن قرب التجربة الاستثنائية لمونديال قطر 2022، وتشرفت بحضور المباراة النهائية في الملعب الذي شهد تتويج الأرجنتين بكأس العالم.
كان ذلك الحدث أكثر من مجرد بطولة رياضية؛ فقد كان تحقيقًا لحلم الأمير الوالد، طيب الله ثراه، الذي رحل عنا قبل أيام، بعدما آمن منذ وقت مبكر بأن قطر قادرة على استضافة أكبر حدث رياضي في العالم، وأن تقدم نموذجًا حضاريًا يثبت قدرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تنظيم بطولة استثنائية غيّرت كثيرًا من الصور النمطية، وفتحت فصلًا جديدًا في تاريخ الرياضة العالمية، ورسخت مكانة قطر بوصفها دولة قادرة على تحويل الرؤية إلى إنجاز، والطموح إلى واقع.
لقد أثبتت الدوحة أن الشرق الأوسط قادر على أن يكون مركزاً للإبداع والتنظيم والحوار، لا مجرد مسرح للأزمات والصراعات، وأن الرياضة تستطيع أن تبني جسوراً بين الشعوب حين تفشل السياسة في ذلك.
لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...
بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...
قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...
خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...
تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...
لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...
مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...
لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...
تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...
لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...
ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...
في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...