alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 26

إبراهيم عبد الله المحمدي - مؤلف وتربوي 13 أغسطس 2026
تيسير الخدمات لكبار القدر استكمال لمسيرة العطاء
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 17 أغسطس 2026
وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة
رأي العرب 17 أغسطس 2026
حماية البحر.. مسؤولية وطنية

من يشعل الحرب... ومن يدفع الفاتورة؟

21 يونيو 2026 , 11:43م

على مدى العقود الأربعة الماضية، تكرّس انطباع متزايد لدى قطاعات واسعة من النخب السياسية والإعلامية بأن الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية لا تنظر إلى دول الخليج باعتبارها شركاء استراتيجيين متكافئين في صنع القرار وتحمل المسؤوليات، بل باعتبارها مصدراً مالياً جاهزاً لتغطية كلفة الأزمات التي تنتجها سياساتها أو سياسات حلفائها في الشرق الأوسط.
فكلما اندلعت حرب، أو انهارت دولة، أو خلّف صراع إقليمي دماراً واسعاً يحتاج إلى إعادة إعمار، يتجه الخطاب الدولي بصورة شبه تلقائية نحو العواصم الخليجية، مطالباً إياها بتحمل العبء المالي. وكأن هناك قاعدة غير مكتوبة في النظام الإقليمي مفادها أن القرارات تُتخذ في مكان، والحروب تُخاض في مكان آخر، أما الفاتورة النهائية فتُرسل دائماً إلى الخليج.
والمفارقة أن هذا المنطق لا يحمّل الأطراف التي ساهمت في صناعة الأزمات مسؤولية إصلاحها، بل ينقل العبء إلى دول يُطلب منها مراراً تمويل نتائج سياسات لم تشارك في صياغتها. وبمرور الوقت، تحول هذا السلوك من استثناء مرتبط بظروف معينة إلى توقع سياسي دائم، وكأن الموارد الخليجية أصبحت جزءاً من آلية إدارة الأزمات الدولية وليست ثروة سيادية مخصصة لتحقيق مصالح شعوبها وتنميتها.

فاتورة التجارب الإقليمية
 تكشف تجارب الشرق الأوسط منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 عن معادلة متكررة: القوى الكبرى تتخذ قرارات الحرب والتدخل، بينما يُطلب من أطراف أخرى تحمل كلفة ما بعد الحرب. فبعد أن تتوقف العمليات العسكرية وتخفت أصوات المدافع، يبدأ الحديث عن إعادة الإعمار، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وإنعاش الاقتصاد، وتمويل الاستقرار. وفي العراق وأفغانستان واليمن وسوريا ولبنان والسودان وغزة، كان السؤال المالي يطرح دائماً تقريباً قبل أن يُحاسَب المسؤولون عن إنتاج الكارثة نفسها.
وفي معظم هذه الحالات، تحولت دول الخليج إلى الممول المفضل للمجتمع الدولي، ليس لأنها كانت طرفاً في صناعة تلك الأزمات، بل لأنها تملك القدرة المالية على تمويل معالجة نتائجها. وهكذا نشأت معادلة غير متوازنة: أطراف تمتلك حق اتخاذ القرار السياسي والعسكري، وأطراف أخرى تتحمل الكلفة الاقتصادية المترتبة عليه.
ويتجلى هذا الخلل بوضوح في حالة الحرب على غزة. فقبل أن تتبلور أي رؤية سياسية جادة لمعالجة جذور الصراع، وقبل أن يُحسم سؤال المسؤولية عن الدمار غير المسبوق الذي لحق بالقطاع، بدأ الحديث عن عشرات المليارات المطلوبة لإعادة الإعمار. وكأن العالم بات أكثر اهتماماً بمن سيدفع فاتورة الحرب من اهتمامه بمن تسبب بها.
إذا كانت القوى الكبرى غير قادرة أو غير راغبة في منع الحرب، وإذا كانت إسرائيل تتمتع بهامش واسع من حرية استخدام القوة دون مساءلة حقيقية، فلماذا يصبح تمويل نتائج الحرب مسؤولية خليجية شبه تلقائية؟ إن هذا النهج لا يساهم في ردع الصراعات، بل يكرسها. فعندما يدرك الفاعلون أن هناك دائماً من سيتولى إعادة البناء وتمويل الاستقرار، تتراجع الكلفة السياسية والاقتصادية للتصعيد، وتصبح الحروب أقل ثمناً بالنسبة لمن يقررون إشعالها.
تزداد هذه المفارقة وضوحاً مع الحديث عن مرحلة ما بعد أي تفاهم أمريكي ـ إيراني محتمل، وما قد يرافقه من دعوات لدمج الاقتصاد الإيراني في المنظومة الإقليمية والدولية. فمن منظور خليجي، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى قلب معايير العدالة السياسية رأساً على عقب.
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تحملت دول الخليج النصيب الأكبر من تداعيات السياسات الإيرانية التوسعية، سواء من خلال دعم الميليشيات المسلحة، أو تهديد أمن الملاحة الدولية، أو استهداف المنشآت النفطية والحيوية، أو زعزعة الاستقرار في عدد من الدول العربية. ولم تقتصر الكلفة على الخسائر المباشرة فحسب، بل امتدت إلى أعباء اقتصادية واستثمارية هائلة فرضتها بيئة إقليمية مضطربة رفعت مستويات المخاطر وأثرت في تدفقات الاستثمار وأعاقت خطط التنمية طويلة الأجل.
ورغم ذلك، يطرح بعض صناع القرار في الغرب تصورات تقوم على مساهمة خليجية في دعم الاستقرار الاقتصادي الإيراني بعد التوصل إلى تسويات سياسية مع واشنطن. وبمعنى آخر، يُطلب من الدول التي دفعت ثمن السياسات الإيرانية لعقود أن تساهم في تمويل إعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني. وهي معادلة يصعب تسويقها سياسياً أو استراتيجياً في الخليج، لأنها تنقل عبء معالجة الأزمات إلى الأطراف التي تحملت أصلاً الجزء الأكبر من كلفتها.

تعديل النموذج المقلوب؟
من منظور أمريكي بحت، يمثل التمويل الخليجي حلاً مثالياً. فالولايات المتحدة تستطيع تقليل كلفة انخراطها المالي المباشر في المنطقة، بينما تواصل الحفاظ على نفوذها السياسي والاستراتيجي. أما الحلفاء الأوروبيون فيستفيدون من الاستقرار الناتج عن هذه الترتيبات دون تحمل نصيب متناسب من تكاليفها.
وفي الوقت نفسه، تستفيد القوى الإقليمية المسببة للأزمات من تدفقات مالية جديدة بمجرد انتهاء الصراع. أما الطرف الوحيد المطلوب منه الدفع باستمرار فهو الخليج.
ولهذا فإن وصف بعض الأوساط السياسية لدول الخليج بأنها «الصراف الآلي للنظام الإقليمي» لم يعد مجرد تعبير إعلامي، بل يعكس شعوراً متزايداً بوجود اختلال هيكلي في توزيع المسؤوليات داخل الشرق الأوسط.
دول الخليج لم تعد تنظر إلى مواردها المالية باعتبارها أموالاً متاحة بلا شروط للمشاريع السياسية الدولية. بل أصبحت هذه الموارد جزءاً من استراتيجيات وطنية ضخمة تهدف إلى تنويع الاقتصادات وبناء قطاعات التكنولوجيا والصناعة والسياحة والطاقة المتجددة.
ولهذا السبب أصبحت العواصم الخليجية أكثر تشدداً في ربط أي مساهمة مالية بمصالح واضحة وعوائد ملموسة واستقرار سياسي حقيقي. فالأموال التي كانت تُمنح سابقاً على شكل مساعدات مفتوحة أصبحت اليوم تُدار وفق منطق الاستثمار والشراكة والعائد الاقتصادي.
إن أكبر خطأ ترتكبه بعض القوى الدولية هو افتراض أن دول الخليج ستستمر إلى الأبد في لعب دور الممول الذي يدفع دون أن يشارك في صنع القرار. لقد تغيرت موازين القوة الاقتصادية، وتغيرت أولويات التنمية، وتغيرت طبيعة العلاقات الدولية نفسها.
ومن حق دول الخليج أن تسأل: إذا كانت هناك حرب، فمن اتخذ قرارها؟ وإذا كان هناك دمار، فمن تسبب فيه؟ وإذا كانت هناك فاتورة لإعادة الإعمار، فلماذا لا يتحمل المسؤول عنها الجزء الأكبر من تكلفتها؟ إن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى عبر تحويل دول الخليج إلى خزائن تمويل دائمة للأزمات، بل عبر معالجة جذور الصراعات ومحاسبة الأطراف التي تسببت بها.
فالشراكة الحقيقية تعني تقاسم المسؤوليات كما يتم تقاسم المصالح، أما تحميل طرف واحد تكلفة أخطاء الآخرين فليس شراكة، بل علاقة غير متوازنة ومختلة يصعب أن تستمر طويلاً.

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...