alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 25

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 09 أغسطس 2026
اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج
السفير رشاد فراج الطيب - دبلوماسي وباحث سوداني 10 أغسطس 2026
جامعة حمد بن خليفة تحتفي بإرث البروفيسور مالك بدري

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

14 يوليو 2026 , 01:35ص

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى رؤاهم حيّة في مؤسسات الدولة، وفي ذاكرة الشعوب، وفي وجدان الأجيال التي لم تعاصرهم، لكنها تعيش كل يوم آثار ما صنعوه.
إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. ليس مجرد حاكم مرّ على تاريخ قطر، بل أحد أولئك الزعماء الذين غيّروا معنى ومفهوم ووظيفة الدولة، ونقلوها من حدود الجغرافيا إلى فضاء التأثير العالمي. ولذلك، فإن الحديث حوله ليس رثاءً لقائد فذّ ونادر، بل قراءة لمرحلة تاريخية كاملة غيَّرت وجه قطر، وأعادت رسم موقعها على خريطة العالم.
هناك لحظات فارقة في تاريخ الأمم، لحظات لا تتكرر إلا مرات قليلة في عمر الأجيال. وكانت أولى أهم تلك اللحظات بالنسبة لقطر مع تولي الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 1995. لم يكن انتقالًا سياسيًا تقليديًا، بل بداية مشروع حضاري متكامل أعاد تعريف مفهوم الدولة الخليجية الصغيرة. فمنذ ذلك اليوم، لم تعد قطر تكتفي بإدارة واقعها، بل شرعت في صناعة مستقبلها.
ولولا تلك اللحظة التاريخية الأولى، لما جاءت اللحظة الأخرى التالية في ديسمبر 2010، عندما أعلن العالم فوز قطر بحق تنظيم كأس العالم 2022. لم يكن ذلك مجرد انتصار لملف رياضي، بل إعلانًا عالميًا بأن دولة صغيرة في المساحة تستطيع أن تنافس القوى الكبرى بالإرادة والرؤية والاستثمار في الإنسان. لقد كان تدشين المونديال تتويجًا لمسار بدأ مع القفزات الكبرى التي قادها الأمير الوالد خلال العقود الماضية، ولم يكن حدثًا منفصلًا عنه.
لقد عمل الأمير الوالد مبكرًا على بناء الدول الحديثة وتعزيز قدرتها على إنتاج الأفكار، وصناعة المعرفة، والتأثير في الرأي العام العالمي. ومن هنا جاءت ولادة قناة الجزيرة (1996)؛ مشروعًا بدا للكثيرين في بدايته مغامرة إعلامية، لكنه تحوّل لاحقًا إلى أحد أهم التحولات في تاريخ الإعلام العربي الحديث.
لم تكن الجزيرة مجرد قناة تلفزيونية، بل كانت ثورة معرفية كسرت احتكار المعلومة، وأعادت تشكيل المجال العام العربي، وفتحت أبواب النقاش الحر، وغيرت قواعد صناعة الخبر في المنطقة. وبقدر ما أثارت الجدل، فإنها أثبتت أن القوة الناعمة قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من القوة العسكرية، وأن الكلمة تستطيع أن تصنع ما تعجز عنه الجيوش.
ومن بين أكثر القرارات التي ستبقى علامة فارقة في تاريخ الاقتصاد العالمي، رهان الأمير الوالد المبكر على صناعة الغاز الطبيعي المسال خلال أكثر من عقدين في وقت كان كثير من الخبراء والأسواق ينظرون إليها باعتبارها صناعة عالية المخاطر، محدودة الطلب، وباهظة الكلفة. ففي تسعينيات القرن الماضي، كانت معظم الاستثمارات العالمية تتجه نحو النفط، بينما كان الغاز لا يزال يُعامل بوصفه وقودًا ثانويًا، تحكمه الشكوك أكثر مما تحكمه الثقة.
لذلك ضخَّت قطر استثمارات غير مسبوقة في تطوير حقل الشمال، وبناء أساطيل ناقلات الغاز العملاقة، وإنشاء مرافق الإسالة والتصدير، وعقد شراكات إستراتيجية طويلة الأجل مع كبرى الشركات العالمية. وما بدا آنذاك مغامرةً جريئة، تحول لاحقًا إلى أحد أنجح القرارات الاقتصادية في العصر الحديث؛ إذ لم تغيّر قطر موقعها في أسواق الطاقة فحسب، بل أسهمت في إعادة تشكيل خريطة تجارة الغاز العالمية، ورسخت مكانتها بوصفها أحد الأعمدة الرئيسية لأمن الطاقة الدولي. لقد كان ذلك القرار مثالًا نادرًا على القيادة التي لا تستثمر في واقع الأسواق كما هي، بل في العالم كما سيكون.
رؤية الأمير الوالد لم تتوقف عند الاقتصاد والطاقة والإعلام. فقد أدرك أن المستقبل سيُصنع في الجامعات ومراكز الأبحاث قبل أن يُصنع في المصانع. فجاءت المدينة التعليمية (2003)، واستقطبت أعرق الجامعات العالمية، وتحولت الدوحة إلى مركز إقليمي للمعرفة والبحث العلمي، وأصبح الاستثمار في الإنسان هو المشروع الوطني الأكبر. لم يكن الهدف تحسين الخدمات التعليمية فحسب، بل بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وإعداد جيل قادر على المنافسة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
ثم جاءت القفزة الأكبر كأس العالم (2022). لم يكن التحدي مجرد استضافة بطولة رياضية، بل إعادة بناء الدولة وفق معايير المستقبل. تحولت البنية التحتية، وظهرت شبكات النقل الحديثة، وارتقت المدن، وتوسعت المطارات والموانئ، وأصبحت الاستدامة جزءًا من التخطيط العمراني. لقد كان المونديال وسيلة لبناء وطن جديد، لا غاية في حد ذاته.
والأهم من ذلك أن قطر لم تتعامل مع نهضتها بمنطق القطيعة مع الماضي، كما فعلت دول كثيرة. لم تهدم تاريخها لتبني حاضرها، ولم تبحث عن عاصمة جديدة تعلن من خلالها ميلاد دولة مختلفة. بقيت الدوحة هي الدوحة، لكنها ولدت من جديد. تجدد عمرانها، واتسع اقتصادها، وتطورت مؤسساتها، من دون أن تفقد روحها أو هويتها. كانت نهضة تحترم الذاكرة، ولا تنكر الجذور.
ومن بين أكثر القرارات السياسية نضجًا في مسيرة الأمير الوالد، قراره الطوعي بتسليم السلطة إلى جيل جديد. ففي عالم نادرًا ما يتنازل فيه الحكام عن السلطة بإرادتهم، اختار أن يجعل انتقال القيادة جزءًا من مشروع الدولة، لا نتيجة أزمة سياسية أو صراع داخلي. كان يؤمن بأن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن استمرار المشروع الوطني أهم من بقاء الأشخاص في مواقعهم. ولذلك جاء انتقال السلطة نموذجًا نادرًا في المنطقة، ورسالة بأن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على ضمان الاستمرارية، لا بالتشبث بالسلطة.
واليوم، حين ننظر إلى قطر، فإننا لا نرى إنجازات متفرقة، بل مشروعًا متكاملًا. نرى دولة أصبحت وسيطًا موثوقًا في أعقد الأزمات الدولية، ومركزًا عالميًا للطيران والطاقة والتعليم والإعلام والدبلوماسية والرياضة. نرى وطنًا تجاوز قيود الجغرافيا، وصنع لنفسه مكانة لا تتناسب مع حجمه، بل مع حجم رؤيته.
ولذلك، فإن إرث الأمير الوالد لا يُختزل في الأبراج التي ارتفعت، ولا في الملاعب التي أبهرت العالم، ولا في الطرق والمترو والمطارات، بل في الفكرة التي زرعها في وجدان قطر: أن المستحيل ليس قانونًا، وأن الدول الصغيرة تستطيع أن تكون كبيرة إذا امتلكت رؤية، وآمنت بالإنسان، واستثمرت في المستقبل.
لقد أثبت أن القيادة الحقيقية ليست إدارة الحاضر فقط، بل القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وصناعة المستقبل قبل أن يصل. وهذا هو الفارق بين من يحكم دولة، ومن يصنع تاريخها.
ليس وداعًا، سمو الأمير الوالد.
فالرجال العظام لا يرحلون حين يوارَون الثرى، بل يبقون في ذاكرة الأمم، وفي ضمير التاريخ، وفي عقول الأجيال التي ستقرأ ما أنجزوه بعد عقود كما لو أنه حدث بالأمس. ربما لم يكن أعظم إنجاز للأمير الوالد مشروعًا بعينه، بل قدرته على تغيير فلسفة الدولة القطرية. فقد نقل قطر من دولة تعتمد على ثروتها الطبيعية إلى دولة تستثمر في الإنسان والمعرفة والمؤسسات، ومن دولة صغيرة على الخارطة الدولية إلى دولة ذات حضور عالمي في السياسة والاقتصاد والإعلام، والتعليم، والطاقة، والرياضة. لقد أثبت أن تأثير الدول لا يُقاس بمساحتها، بل بوضوح رؤيتها، وجودة مؤسساتها، وقدرتها على استشراف المستقبل وصناعته. 
سيبقى إرثه حاضرًا في النموذج التنموي الشامل الذي أسسه، وفي الرؤية التي نقلت قطر إلى آفاق أرحب من التقدم والحضور العالمي؛ وهي المسيرة التي تواصلت وترسخت بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي حمل الأمانة، واستكمل طريق النهضة، وطوّر مؤسسات الدولة، وحافظ على منجزاتها وسيادتها، وقادها بثبات نحو مرحلة جديدة من القوة والاستدامة والابتكار. وهكذا لم تكن نهضة قطر مشروع قائد أو مرحلة عابرة، بل مشروع وطن تتكامل فيه الرؤى، وتتواصل فيه الأجيال، ويظل فيه البناء ممتدًا من المؤسس إلى من حمل الراية من بعده، بعزيمة لا تتراجع وطموح لا تحدّه الجغرافيا.

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...