

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق بين من يمدّ يده للحوار، ومن يهدد بالعداء، ومن يحول التهديد إلى سياسة قائمة على التدمير وإعادة هندسة الجغرافيا بالقوة. المفارقة أن هذه المشاهد لم تكن مجرد أخبار عابرة، بل عكست ثلاثة نماذج مختلفة تمامًا في فهم السياسة، والتعايش، واستخدام القوة.
في الدوحة، زار الحاخام ميندي تشيتريك، على رأس وفد من تحالف الحاخامات في الدول الإسلامية، دولة قطر لتقديم واجب العزاء في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. وقد تبدو الزيارة في ظاهرها بروتوكولية لا تحمل أكثر من مجاملة دبلوماسية، لكنها في حقيقتها تنطوي على رسالة سياسية وأخلاقية عميقة؛ رجال دين يهود يبنون الجسور مع دول عربية وإسلامية، في لحظة تتغذى فيها المنطقة على الكراهية والاستقطاب.
في المقابل، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت ليعلن أنه سيصنف قطر «دولة معادية» إذا عاد إلى السلطة، ولم يكن ذلك تصريحًا عابرًا في سياق مناورة انتخابية، بل امتدادًا لنهج يتبناه أيضًا زعيم المعارضة يائير لبيد، الذي حاول من قبل دفع الفكرة ذاتها وفشل. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس لماذا تستهدف إسرائيل قطر، بل لماذا أصبح كل من يرفض الاصطفاف الكامل خلف السياسة الإسرائيلية متهمًا بالعداء.
إن هذا النهج يكشف نزعة عدائية همجية متزايدة داخل جزء من الطبقة السياسية الإسرائيلية ترى أن أي طرف لا يتبنى الرواية الإسرائيلية بالكامل يجب أن يُعامل باعتباره خصمًا، حتى وإن كان يؤدي أدوارًا دبلوماسية تخدم الاستقرار الإقليمي.
المشكلة لم تعد في مواقف قطر، بل في التحول الذي تشهده إسرائيل نفسها. فداخل جزء متزايد من المؤسسة السياسية الإسرائيلية، لم يعد هناك مكان لفكرة الدولة المستقلة أو الوسيط المحايد، بل صنفان فقط: من يؤيد إسرائيل بالكامل، ومن يستحق أن يُدرج في خانة الخصوم. إنها عقلية لا تبحث عن السلام بقدر ما تبحث عن التخوين السياسي.
حين يصبح القانون الدولي عائقًا
هذا التحول لم يبقَ محصورًا في الخطاب السياسي، بل بدأ ينعكس في الممارسة العسكرية أيضًا. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن الجيش دمّر نحو سبعين في المئة من قطاع غزة، ثم أضاف جملة قد تكون الأخطر منذ بداية الحرب، حين قال إن هذا النموذج سيُنقل إلى لبنان. وهي ليست زلة لسان ولا تهديدًا انفعاليًا في لحظة غضب، بل تعبير عن عقيدة عسكرية وسياسية متكاملة.
فالنموذج المقصود هنا واضح المعالم: تدمير المدن، وتحويل الأحياء إلى ركام، وإقامة مناطق عازلة، ومنع السكان من العودة، ثم تقديم كل ذلك للعالم باعتباره ضرورة أمنية لا خيار فيها. وبعبارة أخرى، لم يعد الهدف هزيمة خصم عسكري، بل إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة، وهو ما يمثل أخطر مراحل التحول في العقيدة الإسرائيلية، أي الانتقال من الردع إلى إعادة تشكيل الإقليم.
حين تتحدث دولة عن «نقل نموذج» من غزة إلى لبنان، فهي لا تتحدث عن عملية عسكرية محدودة في الزمان والمكان، بل عن سياسة قابلة للتكرار. أي أن غزة لم تعد استثناءً تفرضه ظروف استثنائية، بل تحولت إلى مختبر تُجرّب فيه أدوات يمكن استخدامها في أي مكان آخر. وإذا صار التهجير وتدمير المدن وإقامة المناطق العازلة نموذجًا ناجحًا في نظر صانع القرار الإسرائيلي، فإن السؤال لم يعد ماذا سيحدث في فلسطين ولبنان وسوريا، بل كم عدد الدول التي ستكون في بنك الأهداف الإسرائيلية.
وأخطر ما في هذا الخطاب أنه يحاول تطبيع فكرة أن القوة العسكرية وحدها تمنح شرعية إعادة رسم الخرائط، وهنا تصبح كل دولة عربية أو إسلامية أمام سؤال وجودي، لا سياسي فقط.
لو أن وزير دفاع أي دولة أخرى أعلن عزمه نقل نموذج يقوم على تدمير المدن إلى دولة مجاورة، لتحوّل الأمر إلى أزمة دولية كبرى، ولاجتمع مجلس الأمن خلال ساعات، ولامتلأت العواصم الغربية ببيانات الإدانة والتحذير. لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تتغير المعايير كلها: تُستبدل لغة الإدانة بالدعوات إلى ضبط النفس، وتُستبدل العقوبات بالدعم العسكري، ويُستبدل القانون الدولي بحق نقض سياسي غير مكتوب.
وهكذا لا تُقتل المدن وحدها، بل يُقتل معها ما تبقى من مصداقية النظام الدولي. فالمشكلة لم تعد ازدواجية المعايير، بل انهيارها الكامل، والرسالة التي يتلقاها العالم اليوم واضحة: القانون يُطبق على الضعفاء، أما الأقوياء فيكتبونه كما يشاؤون.
شرق أوسط جديد.. ولكن بأي ثمن
لسنوات، تحدثت الحكومات عن شرق أوسط جديد يقوم على التكامل الاقتصادي والممرات التجارية والطاقة والتكنولوجيا وربط الأسواق. أما اليوم، فيبدو أن مشروعًا آخر يتشكل على الأرض: شرق أوسط تُرسم حدوده بالمناطق العازلة، وتُدار مدنه بالردع، ويُعاد توزيع سكانه بالقوة، ويُطلب من الجميع التكيف مع وقائع فُرضت عليهم دون أن يُستشاروا فيها. إنه ليس شرقًا أوسط جديدًا، بل شرق أوسط تُعاد هندسته بالنار.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن إسرائيل لا تخوض حربًا على خصومها العسكريين فحسب، بل على كل من يحاول إبقاء السياسة حية. فالوساطة القطرية أصبحت هدفًا للهجوم، والمساعدات الإنسانية أصبحت موضع تشكيك، وقنوات الاتصال باتت تُصوَّر كأنها تواطؤ مع العدو. بمعنى آخر، لم تعد المعركة مع من يحمل السلاح وحده، بل مع من يمنع اتساع الحرب. وهي مفارقة خطيرة، إذ كلما نجحت الوساطة في تقليل الخسائر الإنسانية، ارتفعت الأصوات المطالبة بإسكاتها، وكأن المطلوب ليس إنهاء الحرب، بل احتكار روايتها.
وهنا تكمن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون، وهي أن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس الحرب ذاتها، بل محاولة تحويل الحرب إلى نظام دائم، وتحويل القوة إلى المصدر الوحيد للشرعية، وإقناع العالم بأن تدمير المدن وتهجير سكانها وإعادة رسم الخرائط بالقوة يمكن أن يصبح سياسة طبيعية. والتاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات قد تربح معاركها بالقوة، لكنها تخسر مستقبلها عندما تعتقد أن الأمن يمكن أن يُبنى فوق أنقاض الشعوب، وأن الاستقرار يمكن أن يولد من الركام.
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...
حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...
ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...
ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...
ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...
بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...
كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...