


عدد المقالات 326
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد تنقلب معه موازين القوى.
لقد انشغل صناع القرار في أوروبا لأكثر من نصف قرن بسؤالٍ أساسي: كيف نؤمّن الطاقة للتدفئة؟ لكن مع موجات الحر غير المسبوقة التي أودت بحياة أكثر من عشرة آلاف شخص، يبرز سؤال جديد لا يقل إلحاحًا: كيف نُبرّد المدن؟.
هنا تتبدل الأدوار على نحو لافت. فبينما تسعى أوروبا إلى التكيّف مع واقع مناخي جديد، تمتلك دول الخليج خبرة تراكمت عبر عقود من التعايش مع الحرارة الشديدة، وهي خبرة قد تتحول من استجابة محلية إلى ميزة تنافسية استراتيجية ذات قيمة عالمية، في وقتٍ يكاد يكون فيه الخليج أحوج ما يكون إلى الاستثمار فيها، وهو يواجه عثرات جيو-سياسية وأمنية تخنق صادراته النفطية، وتعرقل خططه في تحقيق التنوع الاقتصادي.
فهل يُمكن للخليج أن يُحول خبرته في تبريد المدن إلى صناعة تصدير استراتيجية؟
لقد احتاجت أوروبا إلى النفط الخليجي خلال القرن العشرين لتشغيل اقتصادها، وستحتاج في المستقبل القريب إلى الخبرة في التكيّف مع الحرارة الشديدة، لا سيّما مع ارتفاع الطلب على التبريد بصورة كبيرة، وذلك بحسب الوكالة الدولية للطاقة، التي أشارت بنفسها إلى أن التبريد في كثير من الدول الأوروبية لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة اقتصادية وصحية.
ما تعيشه أوروبا اليوم، عاشه الخليج منذ عقود. فالدوحة والرياض وأبو ظبي ودبي لم تكن أمام خيارات كثيرة في التعامل مع قسوة المناخ، فاضطرت إلى ابتكار حلول هندسية لمواجهة حرارة تصل أحياناً إلى خمسين درجة مئوية.
ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر يقتصر على تركيب أجهزة التكييف، بل تطوّر إلى بناء منظومة متكاملة تشمل تصميم المدن، وإدارة الأحمال الكهربائية، وأنظمة تبريد المناطق، وتقنيات تخزين الطاقة الحرارية، ورفع كفاءة المباني، والتحكم الذكي في استهلاك الطاقة.
وفي قطر، تحولت تقنيات التبريد إلى جزء من البنية التحتية الوطنية. فمشروعات مثل مشيرب قلب الدوحة، ومدينة لوسيل أصبحت نموذجًا متقدمًا في إدارة التبريد الحضاري وأمن الطاقة. أما التجربة التي لفتت أنظار العالم، فكانت بلا منازع نجاح المهندسين العرب في تطوير أنظمة تبريد مبتكرة لملاعب كأس العالم قطر 2022 المفتوحة. كذلك، لا تقلّ المشروعات العملاقة طموحاً في السعودية، مثل نيوم، وذا لاين، والمطارات الجديدة، والمدن الصناعية، وما تستخدمه من أنظمة تبريد ذكية تجمع بين الرقمنة والطاقة النظيفة وتقليل استهلاك الموارد. ولو فكرنا ملياً لوجدنا أن الفرق شاسع بين تصدير برميل نفط الخام، وبين تصدير منظومة متكاملة من المعرفة الهندسية، والبنية التحتية، وإدارة الطاقة، والتصميم، والاستشارات، والخبرات التشغيلية، والحلول المتكاملة التي تمنع انهيار شبكات الكهرباء وتنسجم مع أهداف الاستدامة.
فارتفاع درجات الحرارة في أوروبا يعني زيادة هائلة في الطلب على التبريد، وزيادة الطلب تعني ضغطًا أكبرَ على أنظمة الطاقة. ومن هنا، قد تصبح كفاءة التبريد قضية مرتبطة بأمن الطاقة الأوروبي، تمامًا كما ارتبطت به إمدادات النفط والغاز لعقود طويلة.
لقد اعتاد العالم أن ينظر إلى الخليج باعتباره مصدرًا للطاقة، وإذا كان النفط قد منح دول الخليج مكانة استراتيجية في القرن العشرين، فإن تقنيات التبريد قد تمنحه دورًا جديدًا مغايرًا في القرن الحادي والعشرين، وذلك في حال استثمرت هذه الدول في هذا المجال، وربّما لتقود واحدة من أسرع الصناعات نموًا في العالم.
في عالم يزداد حرارة، وتتحكم فيه المضائق الجغرافية، تنكشف القيمة التنافسية الاستراتيجية التي تمتلكها الدول، وإذا أرادت دول الخليج أن تتجاوز حدود الجغرافيا ومخاطر الممرات البحرية وتقلبات أسواق الطاقة، عليها أن تُدرك أنّ أكبر أصولها المستقبلية لن تكون في باطن الأرض، بل في الخبرة التي راكمتها فوقها. فهل ستنجح قطر والسعودية والإمارات في تحويل صناعة التبريد إلى الرافعة الاقتصادية الخليجية التالية كما كان نفطها وغازها في القرن الماضي؟.
@snasser24
ثمة مؤشر قد يكشف الوجه الحقيقي للنظام العالمي الجديد أكثر من الأسئلة التقليدية التي تدور حول مَن سيحكمه: الولايات المتحدة أم الصين أم مجموعة من الأقطاب المتنافسة؟ وهو مدى استعداد العالم، بدوله ومنظماته وأفراده، لقبول...
مع العودة إلى المدارس، يعود موسم مألوف من الفيروسات. تبدأ العدوى من الحالة صفر بأول طفل يُصاب في الصفّ، ثم تنتقل إلى زملائه ويحملها كلٌّ منهم إلى أسرته، ومنها إلى أماكن عمل الوالدين. وخلال أيام...
تأسست إسرائيل عام 1948 على احتلال الأرض وتهجير أصحابها بالقوة، ثم تحويل هذه القوة إلى واقع دائم لتُكرّس معادلة واضحة لا تحتاج إلى فقهاء في السياسة لإدراكها، ولا إلى تصريحات رسمية للتأكد منها: فالتغيير الديموغرافي...
صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه مؤخرًا بوصف قطر بأنها «دولة معادية»، فيما ذهب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الذي يسعى للعودة إلى السلطة أبعد من ذلك، داعيًا إلى التعامل معها كعدو وإطلاق حملة...
من الغريب أن يعيش الإنسان اليوم في عصر التقدّم العلمي والذكاء الاصطناعي، والطبّ الدقيق، والثورة الرقمية، ثم يجد نفسه أمام ظواهر اجتماعية يُفترض أنها قد انتهت منذ زمن، مثل: التنجيم، وقراءة الطالع، والتعاويذ، والطلاسم. ففي...
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي...
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...