alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 47

سحر ناصر 19 أكتوبر 2026
حرب عالمية دون إعلان
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 19 أكتوبر 2026
إدارة التحالف جزء من المعركة
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 أكتوبر 2026
لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا
د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين 22 أكتوبر 2026
تأملات في إعجاز القرآن: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ»

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

23 يوليو 2026 , 12:35ص

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك.
 وما إن يظهر اختلاف في تقدير موقف أو ملف إقليمي، حتى يُعاد تصديره للرأي العام في صورة «تحليلات» و«تسريبات» و«مصادر مطلعة» مجهولة الهوية، في محاولة لترسيخ صورة خليج منقسم يعيش على حافة الصراع، بينما تكشف الوقائع أن ما يجمع دوله من مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية يفوق بكثير أي تباينات طبيعية في الرؤى أو الأولويات.
تبدو بعض هذه التقارير وكأنها لا تحاول قراءة الخليج كما هو في واقعه وتعقيداته، بل كما ترغب في أن تراه: فضاءً منقسمًا، وتحالفات هشّة، ودولًا تتنافس بصورة دائمة، بحيث يمكن تفسير كل تباين سياسي على أنه مقدمة لأزمة جديدة، وكل اختلاف في الأولويات على أنه بداية لانهيار وشيك. إنها مقاربة تختزل المنطقة في الصراع، وتتجاهل قدرتها على إدارة التباينات، وبناء التفاهمات، وحماية المصالح المشتركة. وكأن العلاقات بين الدول لا تعرف سوى حالتين: التطابق الكامل أو القطيعة الشاملة.
وقد تجلّى هذا النهج بوضوح قبل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وأثناءها وبعدها، في الطريقة التي تناولت بها بعض وسائل الإعلام أدوار سلطنة عُمان ودولة قطر في تفعيل الوساطة والدبلوماسية بوصفهما الخيار الأكثر مسؤولية وعقلانية لاحتواء الأزمة، ووقف الحرب، ومنع اتساع رقعتها، وتجنيب المنطقة الانزلاق إلى صراع إقليمي طويل الأمد تكون دول الخليج أول المتضررين منه، ويدفع أمنها واستقرارها واقتصاداتها وشعوبها كلفته المباشرة. 
لكن بدلًا من قراءة هذه التحركات باعتبارها جهودًا تهدف إلى حماية الخليج وصون استقراره، جرى اختزالها في تفسيرات سياسية ضيقة، وإحاطتها بسيل من الشكوك والاتهامات، بل وتحويلها في بعض المنابر إلى مادة للهجوم والتشكيك، وكأن السعي إلى إطفاء الحرب أصبح موضع إدانة، بينما كان البديل الحقيقي هو اتساع دائرة النار لتشمل المنطقة بأسرها.
وفي الأسابيع الأخيرة، أصبحت العلاقات السعودية–الإماراتية النموذج الأبرز لهذه المقاربة. فقد جرى تحويل تباينات طبيعية في بعض الملفات إلى رواية إعلامية واسعة عن خلاف يتسع، وشراكة تتآكل. ووقع الخلط، عمدًا أو بفعل قراءة سطحية، بين اختلاف الأولويات السياسية، وهو أمر طبيعي بين أي دولتين ذواتي سيادة.
ثم جاءت الصورة التي جمعت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بنائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد، لتقدم ردًا أكثر بلاغة من عشرات التقارير والتحليلات المتعجلة. ولم تكن مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل اكتسبت دلالتها الإضافية من التفاعل الرسمي والإعلامي معها، ومن تعليقات المسؤولين في الإعلام في البلدين التي أكدت عمق العلاقة واستمرار التنسيق.
 وكانت الصورة، في جوهرها، تذكيرًا بحقيقة كثيرًا ما تتجاهلها بعض وسائل الإعلام، وهي أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف أو الانطباعات العابرة، بل بالمصالح الاستراتيجية، وتشابك الأمن، وعمق الروابط الاقتصادية، والقدرة على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى قطيعة أو صراع.
إن وجود اختلافات بين دول الخليج ليس ظاهرة تستدعي الاستغراب أصلًا. فمن الخطأ الاعتقاد أن نجاح مجلس التعاون يعني تطابقًا كاملًا في السياسات الخارجية أو الاقتصادية أو الأمنية. فلا يوجد في العالم تحالف يضم دولًا ذات سيادة تتفق في كل شيء، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو أو مجموعة السبع. إن قوة التحالف لا تُقاس بغياب الاختلاف، وإنما بقدرته على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى صراع.
لكن الخطأ الحقيقي يبدأ عندما تُنقل هذه التباينات الطبيعية من غرف القرار إلى ساحات الاستقطاب الجماهيري، لتتحول إلى وقود يومي في المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي. وهنا تصبح المشكلة أخطر، لأن بعض الحسابات والأصوات، المحسوبة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أطراف داخل الخليج، تنجر وراء خطاب لا يخدم سوى من يسعى إلى إضعاف المنظومة الخليجية. وما يبدأ أحيانًا كمنافسة إعلامية أو سجال سياسي محدود، يتحول سريعًا إلى مادة تستثمرها وسائل إعلام خارجية لتأكيد روايتها عن «الخليج المنقسم».
والمفارقة أن أكبر المستفيدين من هذه السرديات ليسوا أبناء الخليج، بل بعض القوى الإقليمية والدولية التي لطالما راهنت على تفكيك الموقف الخليجي الموحد. فكل عنوان يتحدث عن «انهيار العلاقة»، وكل تغريدة تؤجج الخلاف، وكل تسريب غير موثق، يتحول إلى مادة دعائية مجانية تمنح خصوم المنطقة انطباعًا بأن البيت الخليجي يعيش أزمة بنيوية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتوازنًا بكثير.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن مجلس التعاون لم يستمر لأنه خالٍ من الخلافات، بل لأنه امتلك القدرة على احتوائها داخل الأطر السياسية والدبلوماسية. فالعلاقات بين الدول تُبنى على المصالح طويلة الأمد، لا على ردود الفعل الآنية، والاختلافات تُناقش داخل المؤسسات، لا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول السياسة إلى انفعالات، والوقائع إلى شائعات، والتباينات إلى معارك مفتوحة.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس وجود اختلاف في وجهات النظر بين دول الخليج، وإنما السماح بتحويله إلى حرب إعلامية يستثمرها الآخرون أكثر مما يستثمرها أصحابها. فالتحالفات لا تنهار بسبب اختلاف في موقف سياسي، وإنما عندما تفقد القدرة على إدارة هذا الاختلاف بعقلانية. وحتى الآن، أثبتت دول الخليج مرارًا أن مصالحها الاستراتيجية أكبر من أن تختزلها خلافات عابرة.
والدرس الأهم هو أن أمن الخليج لم يعد شأنًا محليًا فحسب، بل أصبح ركيزة للاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. ولذلك، فإن حماية هذا التماسك ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية الإعلام والنخب والرأي العام أيضًا. فالكلمة غير المسؤولة قد تُحدث من الضرر ما لا تُحدثه أزمة سياسية، والسردية المضللة قد تمنح خصوم المنطقة ما عجزوا عن تحقيقه بالسياسة أو بالقوة.
 ولهذا، فإن قراءة العلاقات الخليجية ينبغي أن تنطلق من المصالح الاستراتيجية والحقائق الميدانية، لا من عناوين مثيرة، ولا من تسريبات مجهولة، ولا من أمنيات من يعتقد أن استقرار الخليج مجرد مرحلة عابرة، بينما أثبتت الوقائع أنه خيار استراتيجي راسخ يتجدد مع كل أزمة.

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...