alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 31

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 31 أغسطس 2026
تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!
نجاة علي 29 أغسطس 2026
حين نعود... لا نعود كما كنا
خالد محمد مفتاح 29 أغسطس 2026
إدارة المؤسسات الأكاديمية

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

23 يوليو 2026 , 12:35ص

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك.
 وما إن يظهر اختلاف في تقدير موقف أو ملف إقليمي، حتى يُعاد تصديره للرأي العام في صورة «تحليلات» و«تسريبات» و«مصادر مطلعة» مجهولة الهوية، في محاولة لترسيخ صورة خليج منقسم يعيش على حافة الصراع، بينما تكشف الوقائع أن ما يجمع دوله من مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية يفوق بكثير أي تباينات طبيعية في الرؤى أو الأولويات.
تبدو بعض هذه التقارير وكأنها لا تحاول قراءة الخليج كما هو في واقعه وتعقيداته، بل كما ترغب في أن تراه: فضاءً منقسمًا، وتحالفات هشّة، ودولًا تتنافس بصورة دائمة، بحيث يمكن تفسير كل تباين سياسي على أنه مقدمة لأزمة جديدة، وكل اختلاف في الأولويات على أنه بداية لانهيار وشيك. إنها مقاربة تختزل المنطقة في الصراع، وتتجاهل قدرتها على إدارة التباينات، وبناء التفاهمات، وحماية المصالح المشتركة. وكأن العلاقات بين الدول لا تعرف سوى حالتين: التطابق الكامل أو القطيعة الشاملة.
وقد تجلّى هذا النهج بوضوح قبل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وأثناءها وبعدها، في الطريقة التي تناولت بها بعض وسائل الإعلام أدوار سلطنة عُمان ودولة قطر في تفعيل الوساطة والدبلوماسية بوصفهما الخيار الأكثر مسؤولية وعقلانية لاحتواء الأزمة، ووقف الحرب، ومنع اتساع رقعتها، وتجنيب المنطقة الانزلاق إلى صراع إقليمي طويل الأمد تكون دول الخليج أول المتضررين منه، ويدفع أمنها واستقرارها واقتصاداتها وشعوبها كلفته المباشرة. 
لكن بدلًا من قراءة هذه التحركات باعتبارها جهودًا تهدف إلى حماية الخليج وصون استقراره، جرى اختزالها في تفسيرات سياسية ضيقة، وإحاطتها بسيل من الشكوك والاتهامات، بل وتحويلها في بعض المنابر إلى مادة للهجوم والتشكيك، وكأن السعي إلى إطفاء الحرب أصبح موضع إدانة، بينما كان البديل الحقيقي هو اتساع دائرة النار لتشمل المنطقة بأسرها.
وفي الأسابيع الأخيرة، أصبحت العلاقات السعودية–الإماراتية النموذج الأبرز لهذه المقاربة. فقد جرى تحويل تباينات طبيعية في بعض الملفات إلى رواية إعلامية واسعة عن خلاف يتسع، وشراكة تتآكل. ووقع الخلط، عمدًا أو بفعل قراءة سطحية، بين اختلاف الأولويات السياسية، وهو أمر طبيعي بين أي دولتين ذواتي سيادة.
ثم جاءت الصورة التي جمعت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بنائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد، لتقدم ردًا أكثر بلاغة من عشرات التقارير والتحليلات المتعجلة. ولم تكن مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل اكتسبت دلالتها الإضافية من التفاعل الرسمي والإعلامي معها، ومن تعليقات المسؤولين في الإعلام في البلدين التي أكدت عمق العلاقة واستمرار التنسيق.
 وكانت الصورة، في جوهرها، تذكيرًا بحقيقة كثيرًا ما تتجاهلها بعض وسائل الإعلام، وهي أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف أو الانطباعات العابرة، بل بالمصالح الاستراتيجية، وتشابك الأمن، وعمق الروابط الاقتصادية، والقدرة على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى قطيعة أو صراع.
إن وجود اختلافات بين دول الخليج ليس ظاهرة تستدعي الاستغراب أصلًا. فمن الخطأ الاعتقاد أن نجاح مجلس التعاون يعني تطابقًا كاملًا في السياسات الخارجية أو الاقتصادية أو الأمنية. فلا يوجد في العالم تحالف يضم دولًا ذات سيادة تتفق في كل شيء، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو أو مجموعة السبع. إن قوة التحالف لا تُقاس بغياب الاختلاف، وإنما بقدرته على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى صراع.
لكن الخطأ الحقيقي يبدأ عندما تُنقل هذه التباينات الطبيعية من غرف القرار إلى ساحات الاستقطاب الجماهيري، لتتحول إلى وقود يومي في المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي. وهنا تصبح المشكلة أخطر، لأن بعض الحسابات والأصوات، المحسوبة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أطراف داخل الخليج، تنجر وراء خطاب لا يخدم سوى من يسعى إلى إضعاف المنظومة الخليجية. وما يبدأ أحيانًا كمنافسة إعلامية أو سجال سياسي محدود، يتحول سريعًا إلى مادة تستثمرها وسائل إعلام خارجية لتأكيد روايتها عن «الخليج المنقسم».
والمفارقة أن أكبر المستفيدين من هذه السرديات ليسوا أبناء الخليج، بل بعض القوى الإقليمية والدولية التي لطالما راهنت على تفكيك الموقف الخليجي الموحد. فكل عنوان يتحدث عن «انهيار العلاقة»، وكل تغريدة تؤجج الخلاف، وكل تسريب غير موثق، يتحول إلى مادة دعائية مجانية تمنح خصوم المنطقة انطباعًا بأن البيت الخليجي يعيش أزمة بنيوية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتوازنًا بكثير.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن مجلس التعاون لم يستمر لأنه خالٍ من الخلافات، بل لأنه امتلك القدرة على احتوائها داخل الأطر السياسية والدبلوماسية. فالعلاقات بين الدول تُبنى على المصالح طويلة الأمد، لا على ردود الفعل الآنية، والاختلافات تُناقش داخل المؤسسات، لا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول السياسة إلى انفعالات، والوقائع إلى شائعات، والتباينات إلى معارك مفتوحة.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس وجود اختلاف في وجهات النظر بين دول الخليج، وإنما السماح بتحويله إلى حرب إعلامية يستثمرها الآخرون أكثر مما يستثمرها أصحابها. فالتحالفات لا تنهار بسبب اختلاف في موقف سياسي، وإنما عندما تفقد القدرة على إدارة هذا الاختلاف بعقلانية. وحتى الآن، أثبتت دول الخليج مرارًا أن مصالحها الاستراتيجية أكبر من أن تختزلها خلافات عابرة.
والدرس الأهم هو أن أمن الخليج لم يعد شأنًا محليًا فحسب، بل أصبح ركيزة للاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. ولذلك، فإن حماية هذا التماسك ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية الإعلام والنخب والرأي العام أيضًا. فالكلمة غير المسؤولة قد تُحدث من الضرر ما لا تُحدثه أزمة سياسية، والسردية المضللة قد تمنح خصوم المنطقة ما عجزوا عن تحقيقه بالسياسة أو بالقوة.
 ولهذا، فإن قراءة العلاقات الخليجية ينبغي أن تنطلق من المصالح الاستراتيجية والحقائق الميدانية، لا من عناوين مثيرة، ولا من تسريبات مجهولة، ولا من أمنيات من يعتقد أن استقرار الخليج مجرد مرحلة عابرة، بينما أثبتت الوقائع أنه خيار استراتيجي راسخ يتجدد مع كل أزمة.

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...