

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة.
فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا البلد من وطنٍ يبحث عن الاستقرار إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية، بينما يبقى شعبه الحلقة الأضعف والأقوى في آن معاً، فهو يدفع من حياته وأمنه واقتصاده ومستقبله فاتورة صراع يتجاوز حدوده وإرادته، لكنه مع ذلك يُعطي للآخرين درساً إنسانياً في تحويل الألم إلى طاقة، والجرح إلى ندبة إصرار على الحياة.
لقد أصبح لبنان، منذ عقود، أسيراً لصراع مشروعين متنافسين، لا ينظر أي منهما إليه باعتباره دولة ذات سيادة تستحق الاستقرار والازدهار. فمن جهة، يواصل المشروع الإسرائيلي التعامل مع لبنان من منظور أمني وعسكري، باعتباره جبهة مفتوحة ينبغي إخضاعها بالقوة ومنع تحولها إلى مصدر تهديد دائم. ومن جهة أخرى، حوّل المشروع الإيراني لبنان إلى إحدى أهم ساحات نفوذه الإقليمي، عبر بناء منظومة نفوذ تتجاوز مؤسسات الدولة، وربط مصير البلاد بحسابات الصراع الممتد من طهران إلى شرق المتوسط.
وبين هذين المشروعين، أصبحت الدولة اللبنانية نفسها رهينة لسلاح خارج مؤسساتها ولحسابات لا يصنعها اللبنانيون. كلا المشروعين يتحدث بلغته الخاصة، لكن كليهما يترك خلفه مدينة مدمرة، واقتصاداً منهاراً، وشعباً يزداد فقراً وهجرةً وتعباً.
والمأساة الكبرى ليست في الانهيار وحده، بل في ضياع الفرصة التاريخية. فهذا البلد الصغير كان يمتلك من الطاقات البشرية والإبداع والاقتصاد والتعليم ما يؤهله ليكون سنغافورة الشرق الأوسط، ولكنه يتحول إلى صندوق بريد لإرسال الرسائل السياسية في الصراعات الإقليمية، وإلى مختبر دائم لقدرة الآخرين على إشعال الحروب وتوجيه مسارها أو إخمادها. فكل صاروخ يُطلق، وكل جبهة تُفتح، وكل رسالة ردع بين القوى الكبرى، يدفع ثمنها شعب لم يعد يبحث عن انتصار سياسي، بل عن حدّ أدنى من حقوق الكرامة الإنسانية من كهرباء وتعليم وطبابة وفرصة للبقاء في وطنه.
لقد اختُطفت فكرة الدولة من القاموس السياسي والاجتماعي اللبناني، واستسلمت أطيافه لمنطق الساحة، ونُقل من مشروع بناء الوطن بعد حرب أهلية دامية إلى مشروع المحاور.
ولعل أكثر ما يبعث على الحزن أن بيروت لم تعد تُعرف بهندسة الأبراج الشاهقة التي تبنيها، ولا بعدد الجامعات العالمية التي تؤسسها، ولا بعدد الكتب التي تطبعها، بل بعدد المرات التي أُجبرت فيها على إعادة بناء نفسها. فمن حرب مزقت نسيجها الوطني الداخلي، فاجتياحات عسكرية، ووصاية سياسية، إلى اغتيالات وتصفيات دموية، ثم حرب تموز وما تلاها من اعتداءات اسرائيلية، إلى انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى الانهيار المالي والاقتصادي، يعيش اللبناني دورةً تكاد تكون أبدية من الانكسار ثم النهوض، ومن الخسارة إلى ترميم الذات، حتى أصبح الصمود جزءاً من الشخصية الوطنية، لا بطولة استثنائية، بل أسلوباً يومياً للحياة.
والسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بالحرب والسياسة بقدر ما يتعلق بالإنسان نفسه. كيف استطاع شعب يعيش على وقع الزلازل السياسية والعسكرية أن ينتج كل هذا الابداع في مختلف المجالات؟ وكيف استطاع بلد عهد الموت أكثر مما ألف الاستقرار أن يهب الإنسانية بعضاً من أجمل تجلياتها الثقافية والفنية على مدار التاريخ؟
كيف خرج من قلب هذه الجغرافيا القلقة رُسلاً للثقافة، كجبران خليل جبران، الذي جعل الإنسان أسمى من الطائفة وأوسع من الحدود، وميخائيل نعيمة الذي بحث عن الحرية بوصفها حالةً داخلية قبل أن تكون نظاماً سياسياً، والأخوان رحباني اللذان حوّلا القرية اللبنانية إلى أسطورة جمالية خالدة، وفيروز التي أصبحت صوت الصباح العربي، وكيف ظهر زكي ناصيف ووديع الصافي ومارسيل خليفة وعشرات المبدعين الذين جعلوا من الفن لغةً لمقاومة الدمار؟
إنها مفارقة تستحق التأمل والتفكير. فالأمم التي اختبرت الألم بعمق، كثيراً ما تصبح أكثر قدرة على إنتاج المعنى. وحين يتحول الموت إلى احتمال يومي، تصبح الحياة نفسها فعلاً من أفعال المقاومة. عندها لا يعود الفن ترفاً، بل ضرورة وجودية، ولا تصبح الموسيقى مجرد ألحان، بل إعلاناً عن انتصار الروح على العنف، ويغدو الأدب محاولةً لإنقاذ الإنسان من السقوط في العبث، وتتحول القصيدة إلى وطن مؤقت حين يضيق الوطن الحقيقي.
لم يكن الإبداع اللبناني صدفة تاريخية، بل كان استجابة حضارية للألم. فكلما اشتدت الأزمات، ازداد إصرار الشعب اللبناني على أن يثبت أن الإنسان لا يُختزل في الحرب، وأن الحضارة لا تُقاس بعدد الجيوش، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والجمال. لهذا بقيت أغاني فيروز حاضرة في الوجدان العربي بعد عقود طويلة، فهي لم تكن أغنيات عابرة، بل كانت تعبيراً عن وطن يتجاوز حدوده الجغرافية، وعن ذاكرة جماعية لا تستطيع المعارك والعنف والحروب أن تمحوها.
يحتاج لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة فكرة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً فحسب، بل باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع من منطق الميليشيات، ومنطق الوصايات، ومنطق تحويل الوطن إلى ساحة نفوذ. ليس المطلوب انتصار فريق على آخر، بل انتصار الدولة على شبكات النفوذ، والمواطنة على العصبيات الطائفية، والسيادة على كل أشكال الارتهان، مهما تبدلت مصادره أو تلونت شعاراته. فلبنان لن يستعيد عافيته ما دام القرار موزعاً بين قوى تتجاوز مؤسساته، وما دامت الولاءات الضيقة تتقدم على الانتماء الوطني، وما دامت السيادة تُجزّأ باسم المقاومة تارة، أو الحماية والمصالح الخارجية تارة أخرى.
لقد أثبت تاريخ المنطقة أن الدول لا تُبنى بالشعارات الثورية، ولا بسياسات القوة المجردة، وإنما تُبنى بالمؤسسات، وسيادة القانون، والاقتصاد المنتج، والتعليم، والثقافة، والعدالة. وكل تجربة تجاوزت هذه الحقائق انتهت إلى دولة ضعيفة ومجتمع منقسم واقتصاد منهار. أما لبنان، فإن خلاصه الحقيقي لن يأتي من انتصار محور على آخر، بل من استعادة العقد الوطني الذي يجعل اللبناني شريكاً في الدولة، لا تابعاً لمحور، ولا وقوداً لحرب.
ومع ذلك، ورغم كل ما أصابه، يبقى لبنان أكبر من جراحه، وأوسع من حروبه، وأعمق من الانقسامات التي مزقته. فالأوطان لا تُقاس بعدد المرات التي سقطت فيها، بل بعدد المرات التي استطاعت أن تنهض من جديد. ولهذا ستبقى فيروز تغني «من قلبي سلام لبيروت» مهما تعالت أصوات المدافع، وسيبقى جبران يذكّر العالم بأن الإنسان أكبر من الكراهية، وسيظل الرحابنة يثبتون أن الموسيقى تستطيع أن تبني وطناً حين تعجز السياسة عن ذلك.
ولهذا كله، فإن لبنان ليس مجرد دولة تواجه أزمة عابرة، بل مشروع حضاري يرفض الموت. قد يتعب، وقد ينزف، وقد يطول ليله، لكنه يستعصي على الفناء. ففي كل مرة يظن العالم أن الحكاية انتهت، ينهض من تحت الركام كما ينهض طائر الفينيق من رماده؛ لا لأن النار لم تحرقه، بل لأنه تعلّم عبر تاريخه الطويل أن يحوّل الرماد إلى بداية جديدة، وأن يجعل من الألم طاقةً للخلق، ومن الخراب بذرةً للأمل.
سيبقى لبنان، مهما اشتدت به المحن، ليس وطناً يقاوم الموت فحسب، بل شاهداً على حقيقة إنسانية خالدة: أن الحياة، مهما حاصرها الخراب، قادرة دائماً على الانتصار.
من أبرز المفارقات في الأزمة الإقليمية الراهنة أن الدولة التي تبذل جهودًا استثنائية لمعالجة الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، تجد نفسها مضطرة للدفاع عن سيادتها وأمنها في مواجهة الطرف الذي تسعى إلى تجنيبه...
لم تكن مأساة العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية أنه خسر معارك سياسية وعسكرية فحسب، بل إنه كاد يخسر حقه في رواية ما حدث له. كانت الحروب تدور على أرضه، والقرارات تُتخذ بشأن مستقبله، بينما...
لم تعد منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الخليج تواجه مجرد احتمال اندلاع حرب جديدة، بل تواجه خطراً أعمق يتمثل في تحول الحرب إلى حالة دائمة، تتخللها هدن قصيرة لا تعالج أسباب الصراع. لذلك وفي هذه...
لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...
حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...
ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...