alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 22

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 29 يوليو 2026
عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟
رأي العرب 31 يوليو 2026
وجهة رائدة للاستثمار الأجنبي

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

21 يوليو 2026 , 11:14م

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. 
فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا البلد من وطنٍ يبحث عن الاستقرار إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية، بينما يبقى شعبه الحلقة الأضعف والأقوى في آن معاً، فهو يدفع من حياته وأمنه واقتصاده ومستقبله فاتورة صراع يتجاوز حدوده وإرادته، لكنه مع ذلك يُعطي للآخرين درساً إنسانياً في تحويل الألم إلى طاقة، والجرح إلى ندبة إصرار على الحياة. 
لقد أصبح لبنان، منذ عقود، أسيراً لصراع مشروعين متنافسين، لا ينظر أي منهما إليه باعتباره دولة ذات سيادة تستحق الاستقرار والازدهار. فمن جهة، يواصل المشروع الإسرائيلي التعامل مع لبنان من منظور أمني وعسكري، باعتباره جبهة مفتوحة ينبغي إخضاعها بالقوة ومنع تحولها إلى مصدر تهديد دائم. ومن جهة أخرى، حوّل المشروع الإيراني لبنان إلى إحدى أهم ساحات نفوذه الإقليمي، عبر بناء منظومة نفوذ تتجاوز مؤسسات الدولة، وربط مصير البلاد بحسابات الصراع الممتد من طهران إلى شرق المتوسط. 
وبين هذين المشروعين، أصبحت الدولة اللبنانية نفسها رهينة لسلاح خارج مؤسساتها ولحسابات لا يصنعها اللبنانيون. كلا المشروعين يتحدث بلغته الخاصة، لكن كليهما يترك خلفه مدينة مدمرة، واقتصاداً منهاراً، وشعباً يزداد فقراً وهجرةً وتعباً. 
والمأساة الكبرى ليست في الانهيار وحده، بل في ضياع الفرصة التاريخية. فهذا البلد الصغير كان يمتلك من الطاقات البشرية والإبداع والاقتصاد والتعليم ما يؤهله ليكون سنغافورة الشرق الأوسط، ولكنه يتحول إلى صندوق بريد لإرسال الرسائل السياسية في الصراعات الإقليمية، وإلى مختبر دائم لقدرة الآخرين على إشعال الحروب وتوجيه مسارها أو إخمادها. فكل صاروخ يُطلق، وكل جبهة تُفتح، وكل رسالة ردع بين القوى الكبرى، يدفع ثمنها شعب لم يعد يبحث عن انتصار سياسي، بل عن حدّ أدنى من حقوق الكرامة الإنسانية من كهرباء وتعليم وطبابة وفرصة للبقاء في وطنه.
لقد اختُطفت فكرة الدولة من القاموس السياسي والاجتماعي اللبناني، واستسلمت أطيافه لمنطق الساحة، ونُقل من مشروع بناء الوطن بعد حرب أهلية دامية إلى مشروع المحاور.
ولعل أكثر ما يبعث على الحزن أن بيروت لم تعد تُعرف بهندسة الأبراج الشاهقة التي تبنيها، ولا بعدد الجامعات العالمية التي تؤسسها، ولا بعدد الكتب التي تطبعها، بل بعدد المرات التي أُجبرت فيها على إعادة بناء نفسها. فمن حرب مزقت نسيجها الوطني الداخلي، فاجتياحات عسكرية، ووصاية سياسية، إلى اغتيالات وتصفيات دموية، ثم حرب تموز وما تلاها من اعتداءات اسرائيلية، إلى انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى الانهيار المالي والاقتصادي، يعيش اللبناني دورةً تكاد تكون أبدية من الانكسار ثم النهوض، ومن الخسارة إلى ترميم الذات، حتى أصبح الصمود جزءاً من الشخصية الوطنية، لا بطولة استثنائية، بل أسلوباً يومياً للحياة.
والسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بالحرب والسياسة بقدر ما يتعلق بالإنسان نفسه. كيف استطاع شعب يعيش على وقع الزلازل السياسية والعسكرية أن ينتج كل هذا الابداع في مختلف المجالات؟ وكيف استطاع بلد عهد الموت أكثر مما ألف الاستقرار أن يهب الإنسانية بعضاً من أجمل تجلياتها الثقافية والفنية على مدار التاريخ؟ 
كيف خرج من قلب هذه الجغرافيا القلقة رُسلاً للثقافة، كجبران خليل جبران، الذي جعل الإنسان أسمى من الطائفة وأوسع من الحدود، وميخائيل نعيمة الذي بحث عن الحرية بوصفها حالةً داخلية قبل أن تكون نظاماً سياسياً، والأخوان رحباني اللذان حوّلا القرية اللبنانية إلى أسطورة جمالية خالدة، وفيروز التي أصبحت صوت الصباح العربي، وكيف ظهر زكي ناصيف ووديع الصافي ومارسيل خليفة وعشرات المبدعين الذين جعلوا من الفن لغةً لمقاومة الدمار؟
إنها مفارقة تستحق التأمل والتفكير. فالأمم التي اختبرت الألم بعمق، كثيراً ما تصبح أكثر قدرة على إنتاج المعنى. وحين يتحول الموت إلى احتمال يومي، تصبح الحياة نفسها فعلاً من أفعال المقاومة. عندها لا يعود الفن ترفاً، بل ضرورة وجودية، ولا تصبح الموسيقى مجرد ألحان، بل إعلاناً عن انتصار الروح على العنف، ويغدو الأدب محاولةً لإنقاذ الإنسان من السقوط في العبث، وتتحول القصيدة إلى وطن مؤقت حين يضيق الوطن الحقيقي.
لم يكن الإبداع اللبناني صدفة تاريخية، بل كان استجابة حضارية للألم. فكلما اشتدت الأزمات، ازداد إصرار الشعب اللبناني على أن يثبت أن الإنسان لا يُختزل في الحرب، وأن الحضارة لا تُقاس بعدد الجيوش، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والجمال. لهذا بقيت أغاني فيروز حاضرة في الوجدان العربي بعد عقود طويلة، فهي لم تكن أغنيات عابرة، بل كانت تعبيراً عن وطن يتجاوز حدوده الجغرافية، وعن ذاكرة جماعية لا تستطيع المعارك والعنف والحروب أن تمحوها.
يحتاج لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة فكرة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً فحسب، بل باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع من منطق الميليشيات، ومنطق الوصايات، ومنطق تحويل الوطن إلى ساحة نفوذ. ليس المطلوب انتصار فريق على آخر، بل انتصار الدولة على شبكات النفوذ، والمواطنة على العصبيات الطائفية، والسيادة على كل أشكال الارتهان، مهما تبدلت مصادره أو تلونت شعاراته. فلبنان لن يستعيد عافيته ما دام القرار موزعاً بين قوى تتجاوز مؤسساته، وما دامت الولاءات الضيقة تتقدم على الانتماء الوطني، وما دامت السيادة تُجزّأ باسم المقاومة تارة، أو الحماية والمصالح الخارجية تارة أخرى.
لقد أثبت تاريخ المنطقة أن الدول لا تُبنى بالشعارات الثورية، ولا بسياسات القوة المجردة، وإنما تُبنى بالمؤسسات، وسيادة القانون، والاقتصاد المنتج، والتعليم، والثقافة، والعدالة. وكل تجربة تجاوزت هذه الحقائق انتهت إلى دولة ضعيفة ومجتمع منقسم واقتصاد منهار. أما لبنان، فإن خلاصه الحقيقي لن يأتي من انتصار محور على آخر، بل من استعادة العقد الوطني الذي يجعل اللبناني شريكاً في الدولة، لا تابعاً لمحور، ولا وقوداً لحرب.
ومع ذلك، ورغم كل ما أصابه، يبقى لبنان أكبر من جراحه، وأوسع من حروبه، وأعمق من الانقسامات التي مزقته. فالأوطان لا تُقاس بعدد المرات التي سقطت فيها، بل بعدد المرات التي استطاعت أن تنهض من جديد. ولهذا ستبقى فيروز تغني «من قلبي سلام لبيروت» مهما تعالت أصوات المدافع، وسيبقى جبران يذكّر العالم بأن الإنسان أكبر من الكراهية، وسيظل الرحابنة يثبتون أن الموسيقى تستطيع أن تبني وطناً حين تعجز السياسة عن ذلك.
ولهذا كله، فإن لبنان ليس مجرد دولة تواجه أزمة عابرة، بل مشروع حضاري يرفض الموت. قد يتعب، وقد ينزف، وقد يطول ليله، لكنه يستعصي على الفناء. ففي كل مرة يظن العالم أن الحكاية انتهت، ينهض من تحت الركام كما ينهض طائر الفينيق من رماده؛ لا لأن النار لم تحرقه، بل لأنه تعلّم عبر تاريخه الطويل أن يحوّل الرماد إلى بداية جديدة، وأن يجعل من الألم طاقةً للخلق، ومن الخراب بذرةً للأمل. 
 سيبقى لبنان، مهما اشتدت به المحن، ليس وطناً يقاوم الموت فحسب، بل شاهداً على حقيقة إنسانية خالدة: أن الحياة، مهما حاصرها الخراب، قادرة دائماً على الانتصار.

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...

العصاب الجماعي العربي.. حينما يتحول العجز إلى ثقافة

ليست الإشكالية في أن يترك التاريخ ندوبًا في جسد الأمم؛ فكل الشعوب تحمل آثار انتصاراتها وهزائمها على حد سواء، وإنما تكمن المأساة حين تتحول تلك الندوب إلى جرح مفتوح لا يكفّ عن النزف، أو إلى...

من يشعل الحرب... ومن يدفع الفاتورة؟

على مدى العقود الأربعة الماضية، تكرّس انطباع متزايد لدى قطاعات واسعة من النخب السياسية والإعلامية بأن الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية لا تنظر إلى دول الخليج باعتبارها شركاء استراتيجيين متكافئين في صنع القرار وتحمل...

الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة

تثير بعض التعليقات التي يكتبها زملاء يشاركوننا الكتابة في صحف عربية قدرًا كبيرًا من الاستغراب والشفقة في آن واحد، عندما يتناولون قضايا بالغة التعقيد بسطحية وسذاجة، متسائلين: ما الذي يخيف العرب من إيران قوية في...