alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 36

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 16 سبتمبر 2026
تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 14 سبتمبر 2026
السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

21 يوليو 2026 , 11:14م

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. 
فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا البلد من وطنٍ يبحث عن الاستقرار إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية، بينما يبقى شعبه الحلقة الأضعف والأقوى في آن معاً، فهو يدفع من حياته وأمنه واقتصاده ومستقبله فاتورة صراع يتجاوز حدوده وإرادته، لكنه مع ذلك يُعطي للآخرين درساً إنسانياً في تحويل الألم إلى طاقة، والجرح إلى ندبة إصرار على الحياة. 
لقد أصبح لبنان، منذ عقود، أسيراً لصراع مشروعين متنافسين، لا ينظر أي منهما إليه باعتباره دولة ذات سيادة تستحق الاستقرار والازدهار. فمن جهة، يواصل المشروع الإسرائيلي التعامل مع لبنان من منظور أمني وعسكري، باعتباره جبهة مفتوحة ينبغي إخضاعها بالقوة ومنع تحولها إلى مصدر تهديد دائم. ومن جهة أخرى، حوّل المشروع الإيراني لبنان إلى إحدى أهم ساحات نفوذه الإقليمي، عبر بناء منظومة نفوذ تتجاوز مؤسسات الدولة، وربط مصير البلاد بحسابات الصراع الممتد من طهران إلى شرق المتوسط. 
وبين هذين المشروعين، أصبحت الدولة اللبنانية نفسها رهينة لسلاح خارج مؤسساتها ولحسابات لا يصنعها اللبنانيون. كلا المشروعين يتحدث بلغته الخاصة، لكن كليهما يترك خلفه مدينة مدمرة، واقتصاداً منهاراً، وشعباً يزداد فقراً وهجرةً وتعباً. 
والمأساة الكبرى ليست في الانهيار وحده، بل في ضياع الفرصة التاريخية. فهذا البلد الصغير كان يمتلك من الطاقات البشرية والإبداع والاقتصاد والتعليم ما يؤهله ليكون سنغافورة الشرق الأوسط، ولكنه يتحول إلى صندوق بريد لإرسال الرسائل السياسية في الصراعات الإقليمية، وإلى مختبر دائم لقدرة الآخرين على إشعال الحروب وتوجيه مسارها أو إخمادها. فكل صاروخ يُطلق، وكل جبهة تُفتح، وكل رسالة ردع بين القوى الكبرى، يدفع ثمنها شعب لم يعد يبحث عن انتصار سياسي، بل عن حدّ أدنى من حقوق الكرامة الإنسانية من كهرباء وتعليم وطبابة وفرصة للبقاء في وطنه.
لقد اختُطفت فكرة الدولة من القاموس السياسي والاجتماعي اللبناني، واستسلمت أطيافه لمنطق الساحة، ونُقل من مشروع بناء الوطن بعد حرب أهلية دامية إلى مشروع المحاور.
ولعل أكثر ما يبعث على الحزن أن بيروت لم تعد تُعرف بهندسة الأبراج الشاهقة التي تبنيها، ولا بعدد الجامعات العالمية التي تؤسسها، ولا بعدد الكتب التي تطبعها، بل بعدد المرات التي أُجبرت فيها على إعادة بناء نفسها. فمن حرب مزقت نسيجها الوطني الداخلي، فاجتياحات عسكرية، ووصاية سياسية، إلى اغتيالات وتصفيات دموية، ثم حرب تموز وما تلاها من اعتداءات اسرائيلية، إلى انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى الانهيار المالي والاقتصادي، يعيش اللبناني دورةً تكاد تكون أبدية من الانكسار ثم النهوض، ومن الخسارة إلى ترميم الذات، حتى أصبح الصمود جزءاً من الشخصية الوطنية، لا بطولة استثنائية، بل أسلوباً يومياً للحياة.
والسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بالحرب والسياسة بقدر ما يتعلق بالإنسان نفسه. كيف استطاع شعب يعيش على وقع الزلازل السياسية والعسكرية أن ينتج كل هذا الابداع في مختلف المجالات؟ وكيف استطاع بلد عهد الموت أكثر مما ألف الاستقرار أن يهب الإنسانية بعضاً من أجمل تجلياتها الثقافية والفنية على مدار التاريخ؟ 
كيف خرج من قلب هذه الجغرافيا القلقة رُسلاً للثقافة، كجبران خليل جبران، الذي جعل الإنسان أسمى من الطائفة وأوسع من الحدود، وميخائيل نعيمة الذي بحث عن الحرية بوصفها حالةً داخلية قبل أن تكون نظاماً سياسياً، والأخوان رحباني اللذان حوّلا القرية اللبنانية إلى أسطورة جمالية خالدة، وفيروز التي أصبحت صوت الصباح العربي، وكيف ظهر زكي ناصيف ووديع الصافي ومارسيل خليفة وعشرات المبدعين الذين جعلوا من الفن لغةً لمقاومة الدمار؟
إنها مفارقة تستحق التأمل والتفكير. فالأمم التي اختبرت الألم بعمق، كثيراً ما تصبح أكثر قدرة على إنتاج المعنى. وحين يتحول الموت إلى احتمال يومي، تصبح الحياة نفسها فعلاً من أفعال المقاومة. عندها لا يعود الفن ترفاً، بل ضرورة وجودية، ولا تصبح الموسيقى مجرد ألحان، بل إعلاناً عن انتصار الروح على العنف، ويغدو الأدب محاولةً لإنقاذ الإنسان من السقوط في العبث، وتتحول القصيدة إلى وطن مؤقت حين يضيق الوطن الحقيقي.
لم يكن الإبداع اللبناني صدفة تاريخية، بل كان استجابة حضارية للألم. فكلما اشتدت الأزمات، ازداد إصرار الشعب اللبناني على أن يثبت أن الإنسان لا يُختزل في الحرب، وأن الحضارة لا تُقاس بعدد الجيوش، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والجمال. لهذا بقيت أغاني فيروز حاضرة في الوجدان العربي بعد عقود طويلة، فهي لم تكن أغنيات عابرة، بل كانت تعبيراً عن وطن يتجاوز حدوده الجغرافية، وعن ذاكرة جماعية لا تستطيع المعارك والعنف والحروب أن تمحوها.
يحتاج لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة فكرة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً فحسب، بل باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع من منطق الميليشيات، ومنطق الوصايات، ومنطق تحويل الوطن إلى ساحة نفوذ. ليس المطلوب انتصار فريق على آخر، بل انتصار الدولة على شبكات النفوذ، والمواطنة على العصبيات الطائفية، والسيادة على كل أشكال الارتهان، مهما تبدلت مصادره أو تلونت شعاراته. فلبنان لن يستعيد عافيته ما دام القرار موزعاً بين قوى تتجاوز مؤسساته، وما دامت الولاءات الضيقة تتقدم على الانتماء الوطني، وما دامت السيادة تُجزّأ باسم المقاومة تارة، أو الحماية والمصالح الخارجية تارة أخرى.
لقد أثبت تاريخ المنطقة أن الدول لا تُبنى بالشعارات الثورية، ولا بسياسات القوة المجردة، وإنما تُبنى بالمؤسسات، وسيادة القانون، والاقتصاد المنتج، والتعليم، والثقافة، والعدالة. وكل تجربة تجاوزت هذه الحقائق انتهت إلى دولة ضعيفة ومجتمع منقسم واقتصاد منهار. أما لبنان، فإن خلاصه الحقيقي لن يأتي من انتصار محور على آخر، بل من استعادة العقد الوطني الذي يجعل اللبناني شريكاً في الدولة، لا تابعاً لمحور، ولا وقوداً لحرب.
ومع ذلك، ورغم كل ما أصابه، يبقى لبنان أكبر من جراحه، وأوسع من حروبه، وأعمق من الانقسامات التي مزقته. فالأوطان لا تُقاس بعدد المرات التي سقطت فيها، بل بعدد المرات التي استطاعت أن تنهض من جديد. ولهذا ستبقى فيروز تغني «من قلبي سلام لبيروت» مهما تعالت أصوات المدافع، وسيبقى جبران يذكّر العالم بأن الإنسان أكبر من الكراهية، وسيظل الرحابنة يثبتون أن الموسيقى تستطيع أن تبني وطناً حين تعجز السياسة عن ذلك.
ولهذا كله، فإن لبنان ليس مجرد دولة تواجه أزمة عابرة، بل مشروع حضاري يرفض الموت. قد يتعب، وقد ينزف، وقد يطول ليله، لكنه يستعصي على الفناء. ففي كل مرة يظن العالم أن الحكاية انتهت، ينهض من تحت الركام كما ينهض طائر الفينيق من رماده؛ لا لأن النار لم تحرقه، بل لأنه تعلّم عبر تاريخه الطويل أن يحوّل الرماد إلى بداية جديدة، وأن يجعل من الألم طاقةً للخلق، ومن الخراب بذرةً للأمل. 
 سيبقى لبنان، مهما اشتدت به المحن، ليس وطناً يقاوم الموت فحسب، بل شاهداً على حقيقة إنسانية خالدة: أن الحياة، مهما حاصرها الخراب، قادرة دائماً على الانتصار.

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...