alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 41

علي حسين عبدالله 29 سبتمبر 2026
..حين تعجز الأدلة يبدأ الاتهام
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 28 سبتمبر 2026
حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 أكتوبر 2026
قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

26 يوليو 2026 , 12:35ص

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك التي وسمت خطابها تجاه العدوان الإيراني في الحرب الحالية، لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد حسابات تكتيكية أو استجابة لاعتبارات ظرفية عابرة، بل تعكس نمطًا بنيويًا متجذرًا في طريقة إدراك الواقع وملابساته.
ولعل أكثر ما كشف هذا الارتباك بوضوح تصريحات رئيس حركة حماس الجديد، التي أثارت جدلًا واسعًا بعد إشادته بالنظام الإيراني ووكلائه الإقليميين، بينما تواصل طهران ومليشياتها استهداف دول الخليج والأردن بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ويعكس هذا الموقف مفارقة لافتة؛ إذ يرفع خطاب المقاومة في مواجهة الاحتلال، لكنه يتجاهل أو يبرر مشروعًا إقليميًا لا يتردد في الاعتداء على الدول العربية وتهديد أمنها وسيادتها.

أزمة موقف أم أزمة منهج
للإنصاف، برز انقسام واضح بين التيارات الدينية حيث اتخذ البعض منها موقفًا أكثر وضوحًا وحزمًا في إدانة استهداف العواصم العربية ومنشآتها الحيوية والمطارات وقطاع الطاقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، انطلاقًا من إدراكها المباشر لخطورة التهديد على أمن الدول التي يعيش ويعمل فيها.
في مقابل، تيار آخر منتشر في العالم العربي، إضافة إلى شخصيات تقيم في أوروبا وعواصم غربية، اتجه نحو خطاب ملتبس اتسم بالتبرير ومحاولة إيجاد مسوغات للعدوان الإيراني، بل بدا في بعض الأحيان منحازًا إلى الطرف المعتدي أكثر من تضامنه مع الدول المستهدفة. وهو ما كشف عن حالة من الارتباك الفكري والأخلاقي، حيث تغلّبت الاعتبارات الأيديولوجية والتحالفات الرمزية على مبادئ واضحة تتعلق بسيادة الدول ورفض الاعتداء على أمنها واستقرارها.
يعيد هذا الموقف إلى الأذهان التداعيات العميقة التي خلّفها موقف جماعة الإخوان المسلمين من الغزو العراقي للكويت مطلع التسعينيات، وهي الأزمة التي شكّلت نقطة تحول مفصلية في علاقة الجماعة بدول الخليج، وكشفت مبكرًا عن التناقض بين الخطاب الأيديولوجي ومتطلبات الدولة الوطنية ومفهوم الأمن القومي العربي.
وهو ما دفع الجماعة في الكويت، عقب التداعيات السياسية والشعبية التي خلّفها موقف الإخوان المسلمين من الاحتلال الغاشم، إلى إعادة تموضعها ضمن إطار أكثر محلية وواقعية، عبر تأسيس «الحركة الدستورية الإسلامية» عام 1992، حيث حرصت على تقديم نفسها ككيان سياسي كويتي مستقل يشارك في الحياة الدستورية والبرلمانية ويتفاعل مع القضايا المحلية، في محاولة لاحتواء أزمة الثقة التي ولّدتها المرحلة السابقة، والتكيف مع حساسية الدولة الوطنية الخليجية تجاه التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود.

إشكالية دمج السياسي في الديني
من هذا المنظور، تبدو الأزمة اليوم أقرب إلى كونها معضلة إبستمولوجية منها مجرد خلل تنظيمي. فالإشكالية تتعلق بكيفية تعريف «السياسي» ذاته داخل هذه الحركات: هل هو مجال مستقل تحكمه اعتبارات المصلحة والقوة والتوازن، أم امتداد لمنظومة عقدية وأخلاقية مغلقة؟ تاريخيًا، مالت جماعات التيارات الدينية إلى الخيار الثاني، حيث جرى دمج السياسي في الديني، بما يجعل الموقف السياسي انعكاسًا مباشرًا لرؤية أيديولوجية كلية، لا نتيجة عملية تحليل واقعي متعدد المستويات.
هذا الدمج أفضى إلى ما يمكن تسميته «الوعي الأيديولوجي المغلق»، وهو نمط من التفكير يقوم على تفسير العالم من خلال ثنائيات حادة ومبسطة: إسلام مقابل جاهلية، مقاومة مقابل خضوع، مشروع إسلامي مقابل مشروع غربي. ورغم ما توفره هذه الثنائية من تعبئة للخطاب الجماهيري، فإنها في المقابل تقوّض إمكانية إنتاج وعي ومعرفة دقيقة، لأنها تستبدل تعقيد الواقع بتصنيفات معيارية جاهزة.
ضمن هذا الإطار، تصبح القدرة على قراءة الظواهر المركبة مثل السلوك الإيراني محدودة ومشروطة بالانحياز الفكري المسبق. فبدل تحليل إيران بوصفها دولة قومية ذات مشروع نفوذ إقليمي، تُعاد صياغتها في المخيال الحركي باعتبارها «قوة مقاومة»، وهو توصيف يتجاوز الوصف السياسي إلى مستوى القيمة الرمزية. وهنا يكمن جوهر الخلل: حين تتحول «المقاومة» من مفهوم سياسي قابل للتقييم إلى قيمة مطلقة، تصبح أداة لتعليق النقد، لا لتوجيهه.
هذا ما يفسر، جزئيًا، التردد في إدانة السلوك الإيراني في الخليج. فالمسألة لا تتعلق فقط بحسابات سياسية أو اصطفافات مرحلية، بل بصعوبة تفكيك الصورة الذهنية التي تربط إيران بمحور «الممانعة». وداخل هذه الصورة، يجري تقليل أو إعادة تفسير الأفعال التي تتعارض مع هذا التصنيف، حتى لو كانت تمس بشكل مباشر أمن دول عربية أو استقرارها.

إيران في المخيال الحركي
إن هذا النمط من الإدراك يطرح إشكالية منهجية حادة: هل يمكن اختزال شرعية الفاعل الإقليمي في موقفه من إسرائيل أو الولايات المتحدة؟ وإذا كان معيار «المقاومة» كافيًا لمنح الشرعية، فكيف يمكن تفسير السياسات الإيرانية في سياقات متعددة أظهرت نتائج تفكيكية على مستوى الدولة الوطنية؟
في سوريا، ارتبط الحضور الإيراني بدعم نظام سياسي في سياق حرب أهلية معقدة، أسهمت في إنتاج واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. وفي العراق، تداخل النفوذ الإيراني مع بنية الدولة، بما عزز منطق المحاصصة الطائفية وأضعف مركزية المؤسسات. أما في لبنان، فقد تجسد هذا النفوذ في نموذج «الفاعل المسلح خارج إطار الدولة»، بينما في اليمن اتخذ شكل دعم مباشر لجماعة مسلحة في نزاع ذي أبعاد إقليمية. هذه الوقائع، بمعزل عن توصيفاتها السياسية، تشير إلى نمط سلوك قائم على توسيع النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، تتجاوز منطق الدولة الوطنية.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة تأطير السلوك الإيراني ضمن مفهوم «الدولة الساعية إلى تعظيم القوة والسيطرة وبسط النفوذ»، وهي مقاربة راسخة في نظريات العلاقات الدولية. وفق هذا المنظور، لا تتحرك الدول بدوافع نفعية خالصة، بل توظف الأيديولوجيا كأداة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ وضمان الأمن وتعزيز المكانة الإقليمية. إيران، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل نموذجًا لدولة تستخدم الخطاب الديني كوسيلة تعبئة وتبرير ضمن مشروع جيوسياسي واضح المعالم.

التناقض في المعايير
المفارقة أن الحركات الدينية، التي تبدي نقدًا حادًا للنماذج القومية العربية بوصفها سلطوية أو إقصائية، تتعامل بقدر من التساهل مع نموذج ذي طابع قومي فارسي مغطى بشرعية دينية. هذا التناقض يكشف عن خلل في معايير التقييم، حيث يتم تغليب الانتماء الرمزي إلى خطاب «المقاومة» على حساب تحليل النتائج الفعلية للسياسات.
يُضاف إلى ذلك بُعد آخر يتعلق بإشكالية «الانتماء العابر للدولة». فالجماعات الدينية التي تنشط في الحقل السياسي، بحكم نشأتها، تُعلي من مفهوم الأمة بوصفه إطارًا جامعًا يتجاوز الحدود الوطنية. ورغم ما يحمله هذا المفهوم من بعد ثقافي أو حضاري، فإنه حين يُترجم واقعيا بشكل غير نقدي، يؤدي إلى تهميش اعتبارات السيادة الوطنية والمصلحة القومية. وفي حالة التوتر مع إيران، يبدو أن هذا التصور أسهم في إضعاف حساسية بعض هذه الحركات تجاه التهديدات التي تواجهها دول عربية بعينها.
وتتجلى المفارقة بوضوح في العلاقة مع دول الخليج، التي شكلت لعقود حاضنة سياسية واجتماعية لكثير من كوادر هذه الجماعات. فبدل أن ينعكس هذا التاريخ في مواقف سياسية أكثر وضوحًا تجاه التهديدات التي تواجه هذه الدول، برز خطاب متردد يعكس ارتباكًا في ترتيب الأولويات بين الانتماء الأيديولوجي والاعتبارات السياسية الواقعية.
في المقابل، تكشف تجارب أخرى مثل التجربة التركية عن إمكانية إعادة تعريف العلاقة بين الأيديولوجيا والسياسة. فحزب العدالة والتنمية، رغم جذوره الإسلامية، أعاد صياغة خطابه وممارساته ضمن إطار الدولة القومية، حيث أصبحت المصلحة الوطنية المرجعية النهائية. لا يعني ذلك غياب الأيديولوجيا، بل إعادة توظيفها ضمن حدود يفرضها منطق الدولة ومقتضياتها.

غياب النقد والمراجعة 
هذا التباين يسلط الضوء على جوهر الأزمة: ليس في وجود الأيديولوجيا بحد ذاته، بل في غياب القدرة على إخضاعها للنقد والمراجعة في ضوء الواقع المتغير. فالحركات التي تظل أسيرة سردياتها المؤسسة تجد صعوبة في التكيف مع التحولات، بينما تلك التي تطور «عقلًا سياسيًا نقديًا» تكون أكثر قدرة على إعادة التموضع.
إن أزمة التيار الديني تجاه إيران ليست مجرد إخفاق في اتخاذ موقف واضح من نزاع إقليمي، بل هي تعبير عن خلل أعمق في منهج إنتاج المعرفة. ويتمثل هذا الخلل في ثلاثة مستويات مترابطة: أولها اختزال الواقع في ثنائيات أيديولوجية حادة؛ وثانيها منح بعض الشعارات، مثل «المقاومة»، قيمة فوق نقدية تعطل المساءلة؛ وثالثها ضعف التمييز بين المجال الدعوي الرمزي ومجال السياسة بوصفه حقلًا تحكمه المصالح والتوازنات والنتائج.
تقود هذه المستويات إلى نمط مزمن من التناقض بين الخطاب والممارسة. فحين ترفع الحركة شعارات العدالة والسيادة وكرامة الأمة، لكنها تتردد في نقد تدخلات تؤدي إلى إضعاف دول عربية وتفكيك مجتمعاتها، فإن الإشكال لا يعود أخلاقيًا فحسب، بل يصبح دليلًا على قصور في أدوات الفهم ذاتها. أي إن الأزمة لا تكمن فقط في «ماذا تقول» هذه الحركات، بل في «كيف تفكر» قبل أن تقول.
وعليه، فإن أي مراجعة جادة داخل الجماعات الدينية لا بد أن تبدأ من مرحلة المستوى المعرفي في إعادة فصل السياسة بوصفها مجالًا مستقلًا عن التعبئة العقدية، والاعتراف بأن الدولة الوطنية والسيادة والاستقرار ليست مفاهيم ثانوية أو «قُطرية» بالمعنى السلبي، بل شروط لازمة لأي مشروع إصلاح أو نهضة. ومن دون هذا التحول، ستظل هذه الحركات أسيرة سردياتها الكبرى، عاجزة عن إنتاج موقف متماسك من أزمات إقليمية ودولية معقدة، وسيبقى التناقض بين شعاراتها النظرية ومخرجاتها العملية سمة بنيوية لا استثناءً عابرًا.

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...