alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 51

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 04 نوفمبر 2026
إيران بين منطق الدولة وعقلية المواجهة
رأي العرب 03 نوفمبر 2026
«أنتم ذخر الوطن»

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

30 يونيو 2026 , 12:35ص

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما يقرر النظام الإيراني نقل كلفة هذه المواجهات إلى دول الخليج، وتحويل المدن وبقية العواصم الخليجية إلى ساحات لتصفية الحسابات ورسائل الضغط السياسي. عندها لا يعود الأمر متعلقاً بالحرب، بل بطبيعة المشروع الإيراني نفسه.
فالاعتداءات التي لا تزال مستمرة وطالت مؤخرا الكويت والبحرين، سواء خلال الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران أو في ظل الحديث عن هدنة ومذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، تكشف حقيقة لا ينبغي تجاهلها: النظام الإيراني لم يغيّر سلوكه، ولم يراجع عقيدته الأمنية، ولم يتخلَّ عن سياسة استخدام أمن الخليج كورقة تفاوض كلما تعقدت علاقته بالقوى الكبرى. وهذه ليست قراءة انفعالية، بل استنتاج تؤيده التجربة.
فمنذ الساعات الأولى للحرب، لم تقتصر المواجهة على أطرافها المباشرين، بل امتدت تداعياتها إلى الخليج. تعرضت المنشآت الحيوية، والبنية التحتية، والمجال الجوي، والملاحة البحرية، لمستويات غير مسبوقة من المخاطر. وبينما كانت طهران تبرر أفعالها بأنها تستهدف قواعد عسكرية أمريكية، كانت الوقائع تثبت أن الدول الخليجية أصبحت تدفع ثمن حرب لم تكن طرفاً فيها، وأن أمن المدنيين والمنشآت الاقتصادية تحول إلى جزء من معادلة الضغط الإيرانية.
والأكثر خطورة أن هذا السلوك استمر حتى مع الحديث عن وقف الحرب والتوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة. فمن كان يعتقد أن توقيع مذكرة تفاهم سيقود إلى تغيير في السلوك الإيراني، وجد نفسه أمام اعتداءات جديدة تطال الكويت والبحرين، وكأن الرسالة الإيرانية واضحة: الاتفاق مع واشنطن لا يعني احترام أمن الخليج، بل قد يمنح طهران مساحة لإعادة ترتيب أدوات الضغط دون التخلي عنها.

أين تكمن المعضلة الكبرى
لقد انشغل العالم سنوات طويلة بالملف النووي الإيراني، وبنسب التخصيب، وأجهزة الطرد المركزي، وآليات رفع العقوبات، لكنه أهمل السؤال الأكثر أهمية: ماذا عن السلوك الإقليمي الإيراني؟ ماذا عن الصواريخ والطائرات المسيّرة؟ ماذا عن استهداف المنشآت المدنية؟ ماذا عن الميليشيات العابرة للحدود؟ وماذا عن أمن دول الخليج التي تجد نفسها في كل أزمة بين واشنطن وطهران في مرمى النيران؟
إن اختزال الأزمة الإيرانية في الملف النووي كان أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية للمجتمع الدولي. فالمشكلة الحقيقية ليست في التكنولوجيا النووية وحدها، بل في العقلية السياسية التي ترى في القوة وسيلة لفرض الإرادة، وفي الفوضى أداة للتفاوض، وفي استقرار الجوار ورقة يمكن التضحية بها لتحقيق مكاسب أكبر.
ولهذا لم يكن استهداف الدول الخليجية مجرد حادث أمني، بل تعبير عن فلسفة سياسية كاملة تعتبر أن أمن الخليج ليس حقاً سيادياً لدوله، وإنما متغير يمكن التحكم به وفقاً لمصالح طهران.
إن أخطر ما في هذه الاعتداءات أنها تنسف بالكامل الخطاب الإيراني المتكرر عن حسن الجوار. فلا يمكن لدولة أن تتحدث عن بناء منظومة أمن إقليمي جديدة، بينما تسمح في الوقت نفسه باستمرار التهديدات التي تطال جيرانها. ولا يمكن الجمع بين الدعوة إلى الحوار، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وسيلة للضغط السياسي.

الدول تحكم بأفعالها 
لو كانت إيران جادة في فتح صفحة جديدة مع دول الخليج، لكان أول اختبار لذلك هو الالتزام الصارم بعدم تعريض الكويت والبحرين أو أي دولة خليجية للخطر، واحترام سيادتها، ومنع استخدام أراضي المنطقة ومياهها وأجوائها كساحة للصراع. لكن ما حدث يؤكد أن طهران لا تزال تفكر بعقلية إدارة الأزمات لا حلها، وبمنطق تصدير الصراع لا احتوائه.
إن استهداف المنشآت المدنية، أو تعريضها للخطر، يمثل انتهاكاً خطيراً لمبادئ القانون الدولي الإنساني. فاتفاقيات جنيف قامت على قاعدة أساسية هي التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ومنع توجيه الهجمات ضد المدنيين أو المنشآت المدنية أو شن هجمات عشوائية لا تميز بينهما. وإذا ثبت أن هذه الهجمات كانت متعمدة أو نُفذت مع تجاهل واضح لهذه المبادئ، فإنها قد تدخل ضمن الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة القانونية الدولية.
لكن المشكلة لم تعد قانونية فقط، بل أصبحت سياسية أيضاً. فكل مرة يكتفي فيها المجتمع الدولي ببيانات الإدانة التقليدية، يبعث برسالة خاطئة مفادها أن أمن الخليج يمكن تجاوزه دون ثمن حقيقي. وهذا ما يفسر استمرار تكرار هذه الأنماط من السلوك. فالإفلات من المحاسبة لا يوقف الاعتداءات، بل يشجع على إعادة إنتاجها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة ضبط النفس التي انتهجتها دول الخليج كانت خياراً مسؤولاً يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي، لكنها لم تُقابل حتى الآن بتغيير مماثل في السلوك الإيراني. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الجمع بين الدبلوماسية والردع، وبين الحوار وبناء القوة، لأن السلام الحقيقي لا يتحقق بالرغبات وحدها، وإنما بإقناع الطرف الآخر بأن تكلفة العدوان أعلى بكثير من أي مكسب سياسي يمكن أن يجنيه.

موقف خليجي موحد
كما أن ما تعرضت له الكويت والبحرين يجب أن يدفع دول مجلس التعاون بلا تردد إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء منظومة أمنية خليجية أكثر تكاملاً، تقوم على توحيد الدفاعات الجوية، وتعزيز الاستخبارات المشتركة، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، وتنسيق المواقف السياسية والقانونية والدبلوماسية. فالتهديد لم يعد يستهدف دولة بعينها، بل يمس الأمن الجماعي الخليجي بأكمله.
ومن جهة أخرى، ينبغي أن يكون أي حوار مستقبلي مع إيران مشروطاً بتغيير ملموس في سلوكها الإقليمي، لا بمجرد تعهدات سياسية عامة. فالثقة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بالأفعال. وأي إطار أمني جديد في الخليج لن يكون قابلاً للحياة إذا ظل أمن الكويت والبحرين وبقية دول المجلس ورقة تستخدمها طهران كلما دخلت في أزمة مع واشنطن.
إن الدرس الأكبر الذي كشفت عنه الحرب الأخيرة هو أن الاتفاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران قد توقف المواجهة المباشرة بين الطرفين، لكنها لا توفر بالضرورة الأمن لدول الخليج. فالاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عندما تدرك طهران أن سيادة الكويت والبحرين والسعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان ليست أوراقاً تفاوضية، بل خطوط حمراء يحميها القانون الدولي والإرادة الخليجية الجماعية.
 هل نجحت الهدنة بين واشنطن وطهران؟ وهل غيّرت إيران سلوكها تجاه جيرانها؟ حتى الآن، تشير الوقائع إلى أن الإجابة لا تزال بالنفي. وما دام أمن الكويت والبحرين يبقى عرضة للتهديد كلما تعثرت مفاوضات طهران مع القوى الكبرى، فإن المشكلة ليست في الاتفاقات، بل في طبيعة المشروع الذي ما زال يرى في أمن الخليج أداة ضغط، لا أساساً لشراكة إقليمية مستقرة.

إيران بين منطق الدولة وعقلية المواجهة

من أبرز المفارقات في الأزمة الإقليمية الراهنة أن الدولة التي تبذل جهودًا استثنائية لمعالجة الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، تجد نفسها مضطرة للدفاع عن سيادتها وأمنها في مواجهة الطرف الذي تسعى إلى تجنيبه...

الجزيرة بعد ثلاثين عاماً: صعود الوعي في زمن الانكسار العربي

لم تكن مأساة العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية أنه خسر معارك سياسية وعسكرية فحسب، بل إنه كاد يخسر حقه في رواية ما حدث له. كانت الحروب تدور على أرضه، والقرارات تُتخذ بشأن مستقبله، بينما...

الشرق الأوسط بين فرصة السلام وكارثة الحرب الطويلة..

لم تعد منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الخليج تواجه مجرد احتمال اندلاع حرب جديدة، بل تواجه خطراً أعمق يتمثل في تحول الحرب إلى حالة دائمة، تتخللها هدن قصيرة لا تعالج أسباب الصراع. لذلك وفي هذه...

الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة

لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...