الثلاثاء 13 جمادى الآخرة / 26 يناير 2021
 / 
03:37 م بتوقيت الدوحة

عدسةُ الخنساءِ

د. زينب المحمود

جميل من عدسة متقنة عند الخنساء أن تتهرب من عالم النساء الرقيق إلى عالم الرجال الخشن، وأن تتفلت من ردهات المنزل وواجبات الأمومة والزوجية، لتسترق النظر إلى عالم الحروب والغارات والثارات والخيل المسرجة والسيوف المشرعة، حيث إغراء البيان وجو الشعراء.
عنيت الخنساء بالحمية والفروسية والتقاليد القبلية في الجاهلية، على نحو ما عنيت بقضية الإِسلام وصارت مثلاً يُحتذى به في التضحية والفداء بأغلى ما ملكت، وبين هذا وذاك تراث أدبي قلّ نظيره، وتصاوير قلّ مثيل رونقها، وأكثر ما تجلت في وصفها مناقب أخيها صخر ومآثره، إلا أنها لم تبخس أخاها معاوية حقه من الشيم والقيم، ومصداق ذلك قولها فيه:
أَلا لا أَرى في الناس مثل مُعاوِيَةْ
إِذا طَرَقَت إِحدى اللَيالي بِداهِيَةْ
بِداهِيَةٍ يَصغى الكِلابُ حَسيسَها
وَتَخرُجُ مِن سِرِّ النَجِيِّ عَلانِيَةْ

ولروعة ما صورت فطنته ونباهته، يلتبس على السامع أي معاوية عنت، وتقفز حفيظة السامع إلى معاوية ابن أبي سفيان الذي يصدق فيه القول، وبعيداً عن كليهما، فالوصف كان للداهية التي تتفتق من جنح الغيب، وتدبّ دبيب النمل لتحلّ بالقوم وهم في غفلة عنها، إلا أن معاوية يتحسسها قبل أوان انبلاجها ويطفئها قبل اندلاعها، وتقع على مدى إِدراكه وفي نطاق وعيه، وهي لا تزال بعيدة عن إدراك الكلاب، على ما خُصّت به من نباهة، وما زاد الوصف روعة وأَلقاً، أن فيه كلمة قرآنية مضيئة، وأن التناصّ محكم، والشاهد مطابق، فالمؤمنون بعيدون عن النار على نحو «لا يسمعون حسيسها» البعيد، والداهية بعيدة عن القوم بمقدار ما تصيخ الكلاب فيه السمع لتسمع حسيسها، وهنا يبرق الناموس العلمي حول تنبُّه الحيوان لمتغيرات الطبيعة من حيث تكون محل تنبؤ عن البشر.

اقرأ ايضا

«جامع الكلم»

26 مايو 2019

أبو أُذينة اللخميّ

14 يونيو 2020

أمرٌ عجيب!

24 يوليو 2016

فضيلة

03 سبتمبر 2017

كن ظافراً

24 يونيو 2018

مفاتيح المعرفة

14 يوليو 2019