


عدد المقالات 374
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء! فالقدوس اسم من أسماء الله الخاصة التي لا يشركه فيها أحد سبحانه، فلا يتسمى بها العبد إلا بقرينة العبودية التي تضاف وتلحق إلى القدسية والربوبية. وقد يتبادر إلى السامع أن يقول: وأي الأسماء يتسمى بها الخلق كفاحًا من دون أن يتخذوا العبودية سترًا ووشاحًا؟ والحال أن هناك من الأسماء والصفات الدرية ما تسمى به الناس ورب الناس، نحو أسماء العلي والمتين والماجد، ومراعاة للتأدب مع الجناب الإلهي السامي الرفيع، والتزاما بالمقام البشري الوضيع، فقد تسمى بها الناس بحذف التعريف، فإن قيل ماجد وعليّ ومجيد، عُلِم أنهم من العبيد، وإن قيل العليّ والماجد عُلِم أنه ربّ العباد. وحريٌّ بالذكر في هذا المقام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تناول عليًّا كرم الله وجهه في المهد صبيًا، وكانت أمه سمّته حيدرة، أملًا أن يكون شجاعًا كالقسورة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها: بل هو عليّ.
أذكر ما ذكرتُ لدفع مظنة الشطط والغلط في التسمي ببعض أسماء الله، وكي لا يظن بعض الناس أنّها من تهور المتأخرين وتدهورهم، وأنّها ضرْبٌ من التجديف والإلحاد في الأسماء المقدسة، سوّغتها وسوّقتها الفِطَر المنكّسة. لكن الصواب في ذلك أن يكون التسمّي بها في حدود المباح، وألّا يتخطّ الحدود ويخلع القيود، كما فعل مسيلمة الكذاب الذي سمّى نفسه غلوًا وتعاليًا «رحمان اليمامة»، فباء بلقب «الكذاب» إلى يوم القيامة.
ولا بّد لنا أن نعلم أن القدوس جلَّ جلاله، وعظمت آلاؤه، وتقدَّستْ أسماؤه، اسم جاء في ذروة سنام القدسية، عرّفنا عليه ربُّ البريّة بصيغة صرفية نادرة، فلا نكاد نجد في العربية على وزنه من الكلمات إلا عدد أصابع اليد لا اليدين، ولو تأملنا ما في هذا الوزن من الفرادة وخلاف العادة، لعلمنا أنه وحده مصدر كم هائل من الإيحاء والإلهام بالمعاني العظام، منها ما نعلمه من الجذر اللغوي المعجمي، ومنها ما يعلمه الله وحده ويعلمه الصفوة ممن شاء الله لهم العلم به من الأنبياء والأصفياء من عباده. فجدير بنا أن نتفقه في قدسية أسماء الله ومرامي معانيها ومبانيها.
والقداسة في العربية هي الطهارة والبراءة من الدناسة، وهي الخلوّ من الشوائب والأكدار والطهور من الأرجاس والأقذار، ومن الطهارة ما هو محسوس مادي، ومنها ما هو مجرد معنوي، والأرض المقدسة هي التي تطهر العبد من الأوزار والخطايا، كالمساجد والكنائس والتكايا والزوايا، وبيت المقدس بؤرة من القداسة والطهر، وعاصمة للديانات والنبيين، ومسرى خير المرسلين. قال امرؤ القيس:
فأَدْرَكْنَه يأْخُذْنَ بالسَّاق والنَّسا،... كَمَا شَبْرَقَ الوِلْدانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِي
وكان يصف مشهد المطاردة بين الثور والكلاب البرية، والتي أدركته وأنشبت فيه الأنياب والمخالب كما يتعلق الأطفال بثوب الراهب، لا سيما إن كان قادما من بلاد المقدس، فينسلون من ثوبه الخيوط تبرّكا وتنسّكا.
فإذا كان في أرض الله وفي خلقه هذا التفاوت في القداسة والنفاسة، فكيف تكون قداسة القدوس جل وعلا، وإذا عرّفنا القداسة بلغتنا المحلية الأرضية أنها النزاهة من النقائص والعيوب، والطهارة من الأوزار والذنوب، فإن هذه اللغة تنقلب معلولة مشلولة لا يمكنها أداء التعبير الحاذق والمعنى اللائق بجناب الله. وليس من مقتضى الثناء والإعلاء للذات الإلهية أن نقول أن الله مبرّأ ومنزه عن كل نقص!
قد يكون من تجليات اسم القدوس علينا أن ندين له بفرادة القدسية ونزاهة الكنه والماهية، لا بالقياس ولا بإزاء ما تعارف عليه الناس، حاشا وجل وعلا، ولكن قدسية خالصة له، أصيلة به، لا نتعرف عليها إلا بمقدار ما عرفنا هو جل وعلا، بوحي يوحى، لنبي لا ينطق عن الهوى. وهو القائل عن ذاته العلية «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» الشورى 11. من قداسة القدوس أن ننفي ونستبعد كل الخيالات والصور، وكل الأوهام والفِكر، وكل محاولات التجسيم والتجسيد وتوهم الأشكال والهيئات التي تتأتى لمداركنا القاصرة وخواطرنا الواهمة الخائرة.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...
قد يظنُّ ظانٌّ أنَّ الغني هو كثير المال والعقار، أو من يمتلك ذهبًا وفضةً ولؤلؤًا. لكن الحقيقة غير ذلك، فإلى أي معنى ينتمي الغنى؟ ومَنْ الغني في عُرف الله وعُرف اللغة والعرب؟ ورد اسم «الغني»...
قالها لي أحدهم يومًا عندما وصلنا في النقاش إلى طريق مسدود، لكن من دون علمي بما يعنيه الصفر في أسفار العلم والأدب، والقيم والأخلاق، فالصفر هو أنت عندما تقرر أن تكون متجددًا، وعندما تريد أن...
كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...
وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...
كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...
لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...