


عدد المقالات 354
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ والكتابةِ، ندرك أنَّ الكتابةَ عنصرٌ مهمٌّ في الحياة الإنسانيةِ، وإِنَّ بقاءَها وتطوُّرَها وازدهارَها في عصرنا الراهن، عصرِ الرقمنةِ، دليلٌ واضحٌ على أهمِّيَتها ومكانَتِها. وقد سعتِ الحضاراتُ القديمةُ وشعوبُها دائمًا إلى إيجادِ وسيلةِ تواصلٍ بصريَّةٍ، فكانت الرسوم والأشكالُ أُولى محاولاتهم، ثُمَّ تطوَّرَتْ هذه الرسومُ والأشكالُ لتصبحَ حروفًا وكلماتٍ وجملاً، ثُمَّ كتبًا ومؤلفاتٍ وموسوعاتٍ. ونحن في هذا السياق نقول: لولا الكتابةُ، وما خُطُّ من نقوشٍ ورسومٍ ورموزٍ وأشكالٍ، لما عرفنا شيئًا عن السابقين إِلا قليلًا، فلِلهِ دَرُّ الكتابةِ التي قَرَّبَتْ إلينا عصورًا مضتْ، وحضاراتٍ درسَتْ، وشخوصًا طحنَهُمُ الثَّرى بِكَلْكَلِهِ، ولولاها لما انتفَعَ اللاحقونَ مِنْ علومِ السابقين. ولابنِ خُلدونَ قولٌ جميلٌ في الكتابة، أورَدَهُ في مقدِّمَتِهِ، جاءَ فيه: «إنّ الكتابةَ من الصنائعِ الإنسانية، وهي رسومٌ وأشكالٌ حرفية، تدلّ على الكلمات المسموعة الدالّة على ما في النفسِ، فهي ثاني رتبةٍ من الدلالة اللغوية، وهي صناعةٌ شريفةٌ؛ إِذ إِنَّ الكتابةَ من خواصّ الإنسانِ التي يتميَّزُ بها مِنَ الحيوانِ، وأَيضًا فهي تطَّلِعُ على ما في الضمائرِ، وتتأَدّى بها الأغراضُ إلى البلدِ البعيدِ، فتُقضى الحاجاتُ، وقد دَفَعَتْ مؤونةَ المباشرةِ لَها، ويُطَّلَعُ بها على العلومِ والمعارفِ وصحُفِ الأوَّلين، وما كتبوهُ مِنْ علومِهِم وأخبارِهم؛ فهي شريفةٌ بهذهِ الوجوهِ والمنافعِ، وخروجُها مِنَ الإنسانِ مِنَ القول إِلى الفعلِ، إنما يكون بالتعليمِ». لكن كيف نظرَ العربُ وحضارتُهم إلى الكتابةِ؟ ليس هناك من يجزمُ بوجودِ تاريخٍ معيّنٍ للبداياتٍ الأولى المرتبطةِ بالكتابةِ العربيةِ، لكن ما يمكن أن يُجمعَ عليه المؤرخون أنَّ الكتابةَ العربية مرّت بعصورٍ مبهمةٍ قبل أن تصلَنا بصورتِها التي تلقّفَها العرب في العصر الجاهلي، ثُمَّ المسلمون من بعدهم. وللمؤرخينَ في نشأةِ الكتابةِ أقوالٌ عديدةٌ: 1) إنّ أوَّلَ من وضع الكتاباتِ كلَّها آدمُ عليه السلام، كتبها في طينٍ، ثمّ طَبَخَهُ (أي حرقَهُ لِيَجِفَّ) قبلَ وفاته بثلاثِمِئَةِ سنةٍ، فلمّا أظلّ الأرضَ الغرقُ، أصابَ كلُّ قومٍ كتاباتِهم. وقيل إنها أُنزلَت على آدمَ عليه السلام في إِحدى وعشرين صحيفةً. وإنَّ مَنْ اعتَدَّ بهذا الرأي رأى أنَّ أمرَ الكتابة المرتبطَ بآدمَ توقيفيٌ، (أي أن الله خلق لآدم علمًا ضروريًا بمعرفة الألفاظ والمعاني، وإن الكتابةَ وُضِعَتْ لحفظِ تلك المعاني، ويصدِّقُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدمَ الأَسْماءَ كُلَّهَا﴾[البقرة: 31]. الذي قيل فيه: إن الله علّم آدم سبعمئة ألف لغة، فلما أكل من الشجرة، سُلبَتْ منه اللغات جميعًا إلا العربيةَ، ولما اصطفاه اللهُ للنبوَّةِ رَدَّ إِليه اللغاتِ جميعًا». فكان من معجزاتِهِ عليه السلام، حديثُه باللغاتِ المختلفةِ جميعًا التي يتحدّثُ بها أولادُه إلى يومِ القيامةِ». 2) إنَّ أولَ من وضعَ الكتابةَ بعدَ آدمَ، إدريسُ عليه السلام، فقد وردَ «أنَّ أول مَنْ خطّ بالقلمِ بعدَ آدمَ، إدريسُ عليه السلام». 3) إنَّ أول من وضع الكتابةَ العربيةَ ثلاثةٌ من طَيِّئ، هم مُرامِر بن مُرّة، وأَسلَمُ بن سِدرَة، وعامر بن جَدْرة، ثم علّموها أهلَ الأنبارِ، فتعلَّمها بشرُ بن عبد الملكِ الكندي صاحبُ دومةِ الجَنْدَل، وخرج إلى مكةَ، فتزوَّجَ الصهباءَ بنتَ حرب بن أميةَ أختَ أبي سفيان، فعلَّم جماعةً من أهلِ مكةَ، لذلك، كثُرَ مَنْ يكتبُ بمكةَ مِنْ قريش. وقد ذكر السيوطي نفرًا كانوا يكتبون قبلَ الإسلامِ، منهم: بشرُ بنُ عبد الملك، وسفيانُ بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأبو قيس بن عبد مناف». بناءً عليه، فالكتابة من أعظم إنجازات البشرية، بها حُفظ تاريخ البشرية، وبها انتقلت العلوم والمعارف من جيل إلى جيل، فكانت الكتابة بحق، خير بريد يصل الحضارات الإنسانية ببعضها. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com
في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...
اسم الله الحميد، اسم عظيم، تلهج به الألسنة في الغدو والإبكار، ويتسيَّدُ التسابيح والأَذكار، وإذا كان قوله تعالى «اِقْرَأ» هو الكلمة الأولى وحيًا وتنزيلًا، فإنَّ كلمة «الحمد» هي الأولى تلاوةً وترتيلًا، فنحن على موعد لا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأة شاهدة على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعة أحداثها، ورافعة عمادها، بمشاركة الرجل، وهي سر الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدت نصفه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...