


عدد المقالات 230
يشهد العالم تحولا غير مسبوق في طبيعة المخاطر التي يواجهها الصحفيون داخل مناطق النزاعات. لم تعد التهديدات مرتبطة بالصدفة أو بخطأ في حسابات الميدان، وإنما أصبحت جزءا من استراتيجية تسعى إلى التحكم بالرواية وإدارة الذاكرة.
تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو تشير إلى أن أكثر من 85٪ من جرائم قتل الصحفيين منذ عام 2006 لم تصل إلى أي حكم قضائي، وهي نسبة كفيلة بالكشف عن ظاهرة أعمق: الجريمة تستمر لأن العقوبة غائبة. هذا الحجم منا للإفلات من المحاسبة، وفق التقرير الدولي الصادر في نوفمبر 2024، خلق بيئة تشعر فيها الأطراف المتورطة بأن استهداف الصحفيين خيار متاح دون ثمن حقيقي.
في غزة، سجلت لجنة حماية الصحفيين CPJ خلال الحرب الأخيرة أكبر عدد من الصحفيين المستهدفين في نزاع واحد خلال فترة زمنية قصيرة، وهو رقم لم يسبق تسجيله في أي حرب أخرى خلال العقدين الماضيين. التحليل الوارد في تقارير اللجنة يوضح أن أماكن الاستهداف شملت سيارات تحمل شعار “صحافة”، ومقرات سكنية معروفة مسبقا، ما يدل على أن عملية القتل لم ترتبط بالصدفة أو الجهل، وإنما بقرار يهدف إلى تعطيل وظيفة الشاهد ومنع وصول الصورة إلى الجمهور.
حماية حق المجتمع في المعرفة
هذا الواقع يعيد تعريف معنى وجود الصحفي في أرض النزاع، وظيفته لم تعد نقل خبر أو التقاط صورة، بل حماية حق المجتمع في المعرفة، كل مشهد يوثقه، وكل شهادة يدونها تصنع ذاكرة قد تتحول في لحظة ما إلى وقائع قانونية ضد الجهة التي ارتكبت الانتهاك. الرؤية هنا ليست تقنية فقط بقدر ما هي سياسية. فالقوة التي تحتكر الرؤية تستطيع فرض تفسير واحد للواقع، وتلك التي تُفتح أمامها كاميرا مستقلة تفقد السيطرة على التأويل وعلى النتائج. التحكم في المعلومة أصبح جزءا من إدارة المعارك.
استهداف الصحفيين يدخل ضمن الهدف الأعم وهو كسر الحلقة التي تربط الحقيقة بالمساءلة، إذ يدرك منفذ الجريمة أن غياب الشاهد يعني غياب الدليل، وأن الصورة التي لا تصل للجمهور تتحول إلى حدث لم يقع. لهذا باتت الكاميرا تُعامل في كثير من مناطق النزاع باعتبارها سلاحا، والصحفي باعتباره صاحب قدرة على قلب ميزان القوة رغم عدم امتلاكه لأي أدوات عسكرية.
مقاربات جديدة للحماية
أمام هذا التحول ظهرت مقاربات جديدة للحماية، لم تعد المؤسسات الإعلامية تكتفي بإصدار بيانات أو شجب الانتهاكات، لأن الاعتداء لا يتوقف عند حدود الإدانة، بدأت تُعتمد مقاربات تعتمد على تحويل الصحفي من شاهد فرد إلى منظومة مؤسسية تستمر حتى عندما يغيب، مبادرات دولية مثل Forbidden Stories تبني هذا المبدأ: كل تحقيق يباشره صحفي ثم يُستهدف، يتسلمه فريق دولي ويُكمل نشره، ما يعني أن الجريمة تفقد وظيفتها، وبذلك يتحول الاستهداف إلى نتيجة عكسية، ويصبح نشر العمل استمرارا لذاكرة لا نهاية لها.
ويتجاوز الأمر حماية الأشخاص إلى حماية الذاكرة نفسها، التجارب الميدانية أظهرت أن أكبر خسارة لا تتمثل في فقدان الصحفي، وإنما في ضياع المادة التي كان يعمل عليها، لذلك انتقلت المؤسسات الإعلامية إلى إنشاء أرشيفات رقمية موزعة خارج نطاق السيطرة، تُحفظ فيها الصور والفيديوهات في خوادم متعددة داخل دول مختلفة، مما يمنع محوها أو الوصول إليها، هذا النوع من الأرشفة يجعل الذاكرة مستقلة عن الجغرافيا، فلا ترتبط المعلومات بسلامة مقر إعلامي أو بوجود معدات مادية في منطقة النزاع.
غير أن التحول الأكثر تأثيرا يحدث عندما يتعامل الإعلام مع استهداف الصحفي ليس كحادث عابر، وإنما كملف مفتوح. المؤسسات الإعلامية الرصينة التي تبني مقاربة مهنية في مواجهة الاعتداءات لا تكتفي بنشر خبر مقتل الصحفي، بل توثق وتتابع وتطرح الأسئلة التي تحاصر الجريمة سياسيا وقانونيا. هنا يتغير معنى التغطية من رواية حدث إلى دفاع عن قيمة مهنة الصحافة نفسها، هذا النهج يرفع تكلفة الاعتداء على الصحفي، ويخلق ديناميكية إعلامية تشكل ضغطا على الحكومات والجيوش والمنظمات المسلحة.
المؤشر العلني للمساءلة
وفي سياق متصل، أصبح “المؤشر العلني للمساءلة” إحدى الأدوات المركزية التي يجري تطويرها عالميا. الفكرة تقوم على عرض سجلات الدول سنويا: عدد الصحفيين المستهدفين، مستوى تعاون السلطات، مراحل التحقيق، وأسماء الملفات التي بقيت مجمدة، عندما تُحول الأرقام إلى شاشات مفتوحة يفقد الصمت صلاحيته، وتصبح الدولة التي تمتنع عن تقديم المعلومات في مواجهة سجل معروض أمام المجتمع الدولي.
كما ظهرت فكرة أوسع لحماية الذاكرة، تقوم على إشراك الجمهور نفسه في عملية التوثيق. في غزة خلال الأشهر الماضية تحولت كاميرات المدنيين إلى امتداد لدور الصحفيين عندما طالت الاستهدافات شبكة المراسلين. هذا التوسع في مصادر الشهادة يكسر فكرة “إسكات الشاهد”، لأن الشاهد لم يعد فردا، بل شبكة مجتمعية تمتد في كل الاتجاهات، كلما تعددت زوايا التصوير، أصبحت الذاكرة أصعب في المحو.
كل هذه المبادرات، سواء كانت مؤسسية أو مجتمعية، تشترك في نقطة مركزية: حماية الصحفي ليست غاية في ذاتها، الهدف الحقيقي هو حماية الحقيقة من الاحتكار، فالمسألة تتعلق بحماية الحق في المعرفة، وحماية وعي الناس من أن يتحول إلى وعي تمت صياغته برواية واحدة لا منافس لها.
مداخلة في ندوة
وفي مداخلة لي أمس خلال ندوة «إفلات قتلة الصحفيين من العقاب.. حجب الحقيقة وإمعان في الصمت» التي نظمها مركز الجزيرة للحريات وحقوق الإنسان بالشراكة مع قناة الجزيرة مباشر، أكدت أهمية المتابعة المستمرة لجرائم استهداف الصحفيين وعدم الاكتفاء بإصدار البيانات، ونوهت بأن هذا الحدث يحظى باهتمام بالغ لما يحمله من دلالات إنسانية في ظل ما يشهده العالم من مآسٍ وإسكاتٍ لصوت الحقيقة، بعد سقوط شهداء الكلمة والحقيقة من قناة الجزيرة ومن إعلاميين كثر في مختلف الدول.
كما أكدت في المداخلة على ضرورة تواصل المتابعة الجادة من الجهات المعنية، خاصة أن المنظمات الدولية أدت دورها عبر إصدار تقارير وإدانة الجرائم والتواصل مع عائلات الضحايا، إلا أن الدور الأكبر يقع على المؤسسات الإعلامية وهيئات حقوق الإنسان ونقابات الصحفيين والمؤسسات الحقوقية.
وفي نهاية المداخلة شددت على أهمية تفعيل منظومة متكاملة تضم وسائل الإعلام والدول والأسر ومراكز حقوق الإنسان، إلى جانب الجهات القانونية والاقتصادية، لضمان حماية الصحفيين ومحاسبة الجناة وصون حرية الصحافة.
الخلاصة التي يمكن تأكيدها اليوم هي أن حماية الصحفيين تبدأ من إلغاء الجدوى الاستراتيجية من استهدافهم، حين يدرك الفاعل أن إسكات الصحفي لن يوقف القصة، وأن نشر التحقيق سيستمر حتى بعد غياب صاحبه، تتراجع الرغبة في ارتكاب الجريمة، وحين تصبح الذاكرة مستقلة عن الجسد الذي يحملها، يفقد القاتل القدرة على التحكم بالنتيجة.
في عالم تتصارع فيه السرديات تصبح الحقيقة جزءا من معادلة القوة، والصحفي ليس حامل كاميرا فقط، بل عنصر من عناصر توازن القوى في إدارة الوعي العام، لذلك، فإن الدفاع عن الصحافة ليس موقفا مهنيا فقط وإنما دفاع عن المجتمع نفسه وعن حقه في أن يرى ويسأل، ويفكّر.
@FalehalhajeriQa
في حياة الدول لحظات تكشف قيمة ما أُنجز طوال سنوات، وتضع المؤسسات والسياسات أمام اختبار لا تمنح فيه الظروف وقتا طويلا للتردد أو الارتجال. كان خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني،...
حضرت حفل تدشين المنصات القانونية الرقمية الجديدة لوزارة العدل، يوم أمس الأحد، وفي ذهني أنني مقبل على مناسبة رسمية تتعلق بتطوير الجريدة الرسمية وبوابة «الميزان». وبحكم ابتعادي عن التخصص القانوني، لم أتوقع أن أجد في...
حين انتقل علم دورة الألعاب الآسيوية إلى الدوحة استعدادا لاستضافة نسخة 2030، لم يكن المشهد مجرد إجراء بروتوكولي في ختام دورة رياضية. كان يحمل في طياته ذاكرة مدينة عرفت هذه الألعاب قبل أكثر من عقدين،...
يعكس خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى (حفظه الله)، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، جملة من المرتكزات التي استقرت في السياسة الخارجية لدولة قطر، وفي...
اكتسبت مراكز الفكر خلال العقود الأخيرة موقعا متقدما في عملية صنع القرار، بعد أن أصبحت إحدى المؤسسات التي تربط البحث الأكاديمي بالسياسات العامة والإعلام والنقاش المجتمعي، وتعمل على تحويل الكم الكبير من المعلومات والبيانات إلى...
تثير الحملة الإسرائيلية المتصاعدة على دولة قطر سؤالا يتجاوز التصريحات التي يطلقها بنيامين نتنياهو ومنافسوه في الأسابيع الأخيرة: ماذا يريد الاحتلال من الوسيط؟ السؤال يمس جوهر الحملة أكثر مما تمسه تفاصيل الاتهامات المتداولة. فقد اختارت...
تتضاعف الحاجة إلى الدبلوماسية كلما اتسعت رقعة الحرب، وضاقت فرص التفاهم. وفي ظل الحرب الأخيرة في المنطقة، وما أحدثته من اضطراب أمني واقتصادي امتدت آثاره إلى الشرق الأوسط والعالم، تواصل دولة قطر مساعيها لوقف التصعيد...
ثمة لحظة تختبر فيها الكوارث معنى التضامن أكثر مما تختبر قدرة الدول على التعبير عنه. حين يضرب زلزال مدينة، أو تحاصر الحرب ملايين المدنيين، أو تلتهم الحرائق مساحات واسعة، يصبح الفارق كبيراً بين التعاطف والاستجابة....
في أيام العزاء، لم تكن الدوحة تستقبل وفودا جاءت لأداء واجب رسمي عابر؛ كانت تستقبل شهادات حيّة على مكانة رجل امتد أثره من وطنه الصغير في الجغرافيا إلى دوائر واسعة من العالم. تعاقب الملوك والرؤساء...
نعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي وافته المنية صباح أمس الأحد، السابع والعشرين من المحرم 1448هـ، الموافق الثاني عشر من...
جاء حضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان لي بان الفرنسية، في لحظة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد على نحو مباشر. فالشرق الأوسط يقف أمام...
في عالم كرة القدم، تصنع الثواني الأخيرة ذاكرة الشعوب، وتمنح المباريات معناها الأعمق حين تتحول من مجرد اختبار كروي عابر إلى درس بليغ في الشخصية والصمود، ومن نتيجة رقمية على الشاشة إلى علامة فارقة في...