


عدد المقالات 206
في مقالنا السابق، تحدثنا عن ثلاث مدارس للتفكير الإبداعي واليوم نستكمل الحديث حول باقي المدارس ونتوقف قليلاً حول الابداع الفردي والمؤسسي ودور كل واحد منهم في إثراء الإبداع في المؤسسات.
4. تفكير الأنظمة (SYSTEMS THINKING)
يقول سيتف جوبز: «الإبداع هو مجرد ربط الأشياء. عندما تسأل المبدعين كيف فعلوا ذلك، يشعرون بالذنب قليلاً لأنهم لم يفعلوا ذلك حقًا، لقد رأوا شيئًا ما، بدا واضحا لهم بعد حين».
يمكن وصف التفكير بالأنظمة بأنه القدرة على رؤية كيفية ترابط الأشياء وتشكيل شيء أكبر من خلالها. يبدو أن بعض الناس قادرون على إدراك هذه الروابط بسهولة أكبر من الآخرين، القدرة على ربط النقاط المتناثرة وتأثيرها على النظام بأكمله؛ أي إذا تم تغيير شيء واحد، فإن النظام بأكمله سيتغير.
هناك عدة المبادئ للتفكير بالأنظمة:
• الصورة الكلية: الخصائص الناشئة للصورة الشاملة التي لا يمكن اكتشافها عن طريق التجزيء.
• الربط: ويقصد به الترابط بين الأشياء المتناثرة.
• الهيكلية: تتكون الأركان المعقدة من أنظمة فرعية أصغر.
أحد الجوانب التأسيسية للتفكير بالأنظمة هو تجميع عدة عناصر في عنصر واحد، والذي يتجاوز أهمية مجموع العناصر المستقلة. يرتبط التفكير بالأنظمة ارتباطًا وثيقًا بالتفكير الجمالي، في هذا التوليف وجعل الأشياء «كاملة» ومثالية، بطريقة ما ترتبط بالأناقة والجمال. كما أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنوع التالي من التفكير - التفكير الملهم.
5. التفكير الملهم (INSPIRATIONAL THINKING):
يتعلق هذا النوع من التفكير الإبداعي بتصور تلقي رؤى من مكان ما أو من شخص آخر. غالبًا ما يحدث في الأحلام أو حالات أخرى ملهمة، ولكن في بعض الأحيان يحدث على شكل دفقات قوية للغاية من الوضوح والتركيز، تعرف باسم لحظات الإلهام أو تجارب الذروة ؛ وقد تكون كلمة فيثاغورث المشهورة «وجدتها، وجدتها» كانت في لحظة إلهام. وتوجد مئات القصص والشواهد عبر التاريخ تؤكد على حدوث هذا الإلهام لعلماء وباحثين ومخترعين وفنانين في لحظة انعطف لهم الزمن وكشف لهم ما لم يكن لغيرهم.
يصف بعض الباحثين هذه الأفكار الخارقة بأنها «إبداع أعلى». بالمقارنة مع المخرجات الإبداعية العادية، يبدو أن هذه تحدث نقلة نوعية تتجاوز ما يمكن تحقيقه مع أنواع أخرى من التفكير. هذه التجارب غير العادية، عندما يبدو أن كل شيء يبدو منطقيًا في لحظة واحدة، سُميت “الخيال الشعري»، «الوحي» وأحيانًا «التوجيه» ؛ وهذا ما يسميه العرب في جاهليتهم شيطان الشعر مثلا. فقد كتب الكثير من الشعراء أشعارهم الخالدة في لحظة إلهام ؛ وكانوا ينسبون ذلك لشيطانهم الشعري.
الإبداع الفردي أم المؤسسي.. أيهما أهم ويسبق الآخر؟ في مقابل مدارس التفكير السابقة؛ يُطرح السؤال التالي؛ هل الإبداع فردي أم مؤسسي؟ وهل نشجع الإبداع الفردي أم المؤسسي ؟ وما هو الفرق بينهما؟ اذن في هذه الجزئية فإننا نتحدث هنا عن مدرسة فكرية أخرى تتناول موضوع الإبداع من جانب أخر مختلف عما سبق.
الإبداع الفردي مقابل الإبداع المؤسسي؛ فالاثنان متصلان، ولكنهما بعيدان في الوقت ذاته. هي ليست احجية ولكن تصوراتنا حولها. فالإبداع الفردي «Little c» هو أفكار أو ابتكارات من قبل فرد مبدع - على سبيل المثال مؤلف يكتب كتابًا أو موسيقي يبدع سنفونية رائعة أو مدير عمليات يفكر في عملية جديدة.
الإبداع المؤسسي «Big C» هو أفكار أو ابتكارات تنسب إلى مجموعة من الناس تعمل جميعها لنفس المنظمة. يمكن أن يكون هذا فريق تطوير لمنتج جديد ؛ أو تقنية جديدة في العمل أو حتى تصميم إجراءات جديدة ومبتكرة.
وبعبارة أخرى، في حين أن جُل الإبداع المؤسسي هو نتيجة للإبداع الفردي، ليس كل إبداع فردي هو مؤسسي. الاثنان متشابهان، لكنهما ليسا متشابهين!
في كثير من الأحيان، يفترض الناس أن مصطلح الإبداع ينطبق فقط على الأفكار الخارقة. لكن خبراء الإبداع يقولون إن هناك بالفعل نوعين مختلفين. شرح جيف ماوزي،المؤلف المشارك لكتاب «شركة الإبداع»، الاختلافات بين هذين النوعين من الإبداع في مقابلة حديثة: «نميل إلى إلقاء نظرة على ما أسميه إبداع الكبير «C»، على سبيل المثال، اخترعنا جهاز G4 الجديد مؤخرًا؛ فالجميع يبحثون عن الإبداع الكبير. في هذه الأثناء، يمضي الناس في حياتهم، وكل يوم أثناء سيرهم، مع تغير السوق، مع تغير بيئة المكتب، مع تغير طبيعة الأعمال يطبقون الإبداع الصغير «c» طوال الوقت وهم لا يدرون. لكنهم ينظرون حولهم إلى الإنجاز الكبير «C» ويفكرون: «لن أفعل ذلك أبدًا؛ أنا لست مبدعًا» وتبدو عليهم الحسرة. بدلاً من ذلك، إذا كان بإمكان الأشخاص تعلم التركيز على الأشياء الصغيرة، فسوف يقرون لأنفسهم كونهم مبدعين. إذا أدركنا أنه، تمامًا مثل اللياقة البدنية، فهي هناك طوال الوقت، تنمو كل يوم بالممارسة، ونحن لا ندري. فعندما يحين الوقت لتطبيق الإبداع تجاه التغيير الكبير، فنحن أكثر لياقة وقدرة على القيام بذلك».
غالبًا ما تكون الإبداعات الصغيرة مستوحاة من محيطنا، والتي قد تشمل الأشخاص الذين نتحدث إليهم، والأماكن التي نذهب إليها، والأشياء التي نقرأها وأشكال المحفزات اليومية. قد تتحدث إلى زميل في العمل، وفجأة يتسبب شيء يقوله في طرح فكرة حول كيفية تحسين عملية أو مهمة تشكل جزءًا من مسؤولياتك الوظيفية. هذا هو الإبداع الصغير في العمل.
الخلاصة
أيها القارئ الكريم؛ آمن بأنك مبدع وركز على الابداعات الصغيرة وستكبر معاك كل يوم حتى تصبح إبداعاً عظيماً.
Hussain.alsayed@illaftrain.co.uk
في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، قطعنا شوطاً مهماً في تفكيك التحولات الهيكلية والنفسية التي تشكل تجربة القيادات الجديدة؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية المهنية من...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. وفي...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. التحدي...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التنفيذية والسيكولوجية التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، واليوم، نصل إلى أعمق هذه التحديات وأكثرها حساسية على الإطلاق: تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. قد يكتشف القائد...
في المقال السابق تحدثنا عن تحديات سنة أولى في المنصب القيادي. وكان التركيز على شرنقة «الإنجاز الفردي» ثم حول «تحول الهوية المهنية: من «أنا» إلى «نحن»، واليوم حديثنا حول «تحقيق إنجازات سريعة». في المقالين السابقين،...
في المقال السابق تحدثنا عن تحديات سنة أولى في المنصب القيادي، وكان التركيز على شرنقة «الإنجاز الفردي»، واليوم حديثنا حول «تحول الهوية المهنية: من «أنا» إلى «نحن». عندما يكون ملف الإنجاز الذاتي هو المحرك الأساسي...
تشهد البيئة المؤسسية في دولة قطر حراكاً تطويرياً متسارعاً، يتزامن مع تمكين كفاءات وطنية واعدة تبوأت مناصبها القيادية بناءً على سجل حافل بالتميز والإنجاز الفردي. هؤلاء القادة الجدد، الذين لا تتجاوز خبرتهم القيادية ثلاث سنوات...
في أروقة المكاتب الفاخرة ذات الإطلالات البانورامية، وراء شاشات العرض التي تضج بالرسوم البيانية والبيانات الصماء، تُولد الكثير من الأفكار، أفكار رائعة، أفكار خلابة، أفكار مثالية. يجتمع القادة والمخططون، يرسمون ملامح المستقبل، ويطلقون استراتيجيات ومبادرات...
في عالم يتسارع فيه كل شيء، وتتراكم فيه الخيارات أمامنا حتى التخمة، يجد الكثيرون أنفسهم عالقين في حالة ذهنية خانقة تُعرف بـشلل القرار. ويقصد به تلك الحالة التي يقف فيها الإنسان عاجزاً عن اختيار بديل،...
في مقالنا السابق، تحدثنا عن ظاهرة النجوم واحتراقها في بيئة العمل، في هذا المقال سوف نتحدث عن محور يمسّ وتراً حساساً جداً في الفكر الإداري الحديث، ويُعرف عالمياً بـ «لعنة الكفاءة». بداية، السؤال المهم لماذا...
اليوم حديثنا عن ظاهرة حديثة نسبياً في بيئات العمل، وبدأ الحديث عنها في الفكر الإداري الحديث. اكتب اليوم عن النجوم في بيئة العمل وظاهرة « احتراق النجوم «. النجوم في بيئة العمل ليس مجرد أشخاص...
بعد أن تحدثنا في مقالنا السابق عن مظاهر ثقافة نعم وتأثيرها على المؤسسات، اليوم نسلط الضوء على كيف نوازن بين احترام القيادة وتشجيع النقد الصريح دون أن يتحول الأمر إلى فوضى؟ تعد الموازنة بين الهيبة...