


عدد المقالات 195
يأتي هذا المقال استكمالاً للمقال السابق الذي تحدثنا فيه عن «تحديات تحفيز الموظفين في الألفية الجديدة». هل سمعت من قبل عن «العامل المجهول»؟ حيث بذلت مراكز الأبحاث جهودا مضنية في الوصول إلى سر تفاوت الموظفين في أدائهم، وما الذي يحفزهم للقيام بالمزيد، ومنها ما قام به مستشارون في أوائل الخمسينيات حول سر إنتاج السيارات الألمانية والتي كانت تفوق مثيلاتها البريطانية بأربعة أضعاف جودةً وفعاليةً رغم تشابه ظروف العمل والتقنية والجوانب الفنية الأخرى. في البداية، بدا الموضوع واضحاً ومباشراً والذي كان حول حقيقة أن المصانع الألمانية حديثة، بينما غالبية المصانع البريطانية قديمة. ولتأكيد الدراسة تمت المقارنة بين المصانع الحديثة في كل من ألمانيا وبريطانيا والتي تنتج كل منهما سيارات بنفس الحجم تقريبا ونفس التقنية والمواد المستخدمة ونفس نوعية القوى العاملة المنتمية للنقابات العمالية. رغم هذه المقاربة، لا زال الفارق في الجودة أربعة أضعاف؛ والذي لا يمكن إيعازه إلى المواد المستخدمة أو التقنية أو العوامل الفنية كونهم يشتركون فيها جميعاً، وإنما إلى العامل النفسي أو التحفيز الداخلي لدى العاملين لتقديم أفضل ما لديهم. وهنا بدأت تظهر في الأفق شفرة العامل المجهول أو «التحفيز الداخلي» والذي تم تحديده بالتالي: «إن جميع التغييرات التي تحدث في العالم الخارجي للفرد تبدأ بالتغييرات التي تحدث في العالم الداخلي، فعندما يكون العامل متحفزا من الداخل تظهر نتائج هذا التحفيز على أدائه، وبالتالي قدرته على تحقيق نتائج مبهرة على مستوى الإنتاج». وإذا عدنا إلى كيفية تطور مفهوم التحفيز في المؤسسات إلى أن وصل إلى صيغته ومفهومه الحالي؛ فإننا نحتاج إلى فهم المراحل التي مر بها هذا المفهوم والذي تعرض إلى عدة تغييرات: ﻣﺭﺣﻠﺔ ﺍﻟﻧﻅﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺗﻘﻠﻳﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻛﻼﺳﻳﻛﻳﺔ؛ ﻭﺍﻟﺗﻲ ﺍﻋﺗﺑﺭﺕ ﻓﻳﻬﺎ ﺍﻟﻣﻧﻅﻣﺔ أو المؤسسة ﻭﺣﺩﺓ ﺍﻗﺗﺻﺎﺩﻳﺔ ﻣﺛﺎﻟﻳﺔ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻟﺑﻳﺋﺔ ﺍﻟﺧﺎﺭﺟﻳﺔ ﻭﺃﻥ ﺃﻫﺩﺍﻓﻬﺎ ﻫﻲ ﺗﻌﻅﻳﻡ ﺍﻷﺭﺑﺎﺡ، ﻭﺗﻌﺗﺑﺭ الموظف ﺃﺩﺍﺓ ﺇﻧﺗﺎﺝ ﻭﺟﺯءاً ﻣﻥ ﺍﻵﻟﺔ ﺍﻟﺗﻲ ﻳﻌﻣﻝ ﻋﻠﻳﻬﺎ. ﻓﻣﺣﻭﺭ ﺍﻫﺗﻣﺎﻡ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻣﺭﺣﻠﺔ ﻭﻧﻅﺭﻳﺎﺗﻬﺎ ﻛﺎﻥ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺍﻹﻧﺗﺎﺟﻳﺔ ﻋﻥ ﻁﺭﻳﻕ ﻣﺎ أُﺻﻁﻠﺢ ﻋﻠﻳه ﺑﺎﻹﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻌﻠﻣﻳﺔ ﻭﺗﺭﺷﻳﺩ ﺍﻷﺩﺍء؛ ﻟﺫﺍ ﻓﻘﺩ ﺃﺧﺫﺕ ﺍﻟﺣﻭﺍﻓﺯ ﺧﻼﻝ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻣﺭﺣﻠﺔ ﺷﻛﻼ ﻣﺎﺩﻳﺎ ﺗُﻣّﺛﻝ ﺑﺎﻷﺟﺭ ﻭﻣﻠﺣﻘﺎﺗﻪ، بينما جاءت ﻣﺭﺣﻠﺔ ﻧﻅﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻹﻧﺳﺎﻧﻳﺔ بنظرة متمايزة للموظف، حيث ﺍﻣﺗﺎﺯﺕ ﺑﺗﻁﻭﺭ ﻭﺍﺿﺢ ﻓﻲ ﻣﺟﺎﻝ ﺍﻟﻧﻅﺭﺓ ﻟﻺﻧﺳﺎﻥ ﻭﻛﻳﻔﻳﺔ ﺍﻟﺗﻌﺎﻣﻝ ﻣﻌﻪ. ﻓﺎﻟﻣﻧﻅﻣﺔ -ﻭﻓقاً لمدرسة ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻹﻧﺳﺎﻧﻳﺔ- ﺗﻣﺛﻝ ﻧﻅﺎﻣﺎً ﻣﻌﻘﺩﺍً ﻳﺗﻛﻭﻥ ﻣﻥ ﻣﺟﻣﻭﻋﺔ ﻣﺗﺑﺎﻳﻧﺔ من الأجزاء أبرزها الجانب الإنساني. ﻓﺎﻟﻔﺭﺩ ﻋﺿﻭ ﻓﻲ ﺟﻣﺎﻋﺎﺕ ﺭﺳﻣﻳﺔ ﻭﻏﻳﺭ ﺭﺳﻣﻳﺔ ﺩﺍﺧﻝ ﺍﻟﻣﻧﻅﻣﺔ ﻭﻫﻭ ﻧﺷﻳﻁ ﻭﻁﻣﻭﺡ ﻭﺗﺗﻭﻗﻊ ﻣﻧﻪ ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ ﺃﻥ ﻳﺣﺎﻓﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﺳﺟﺎﻡ ﺑﻳﻥ ﻣﺟﻣﻭﻋﺎﺕ ﺍﻟﻌﻣﻝ ﻭﺍﻻﻟﺗﺯﺍﻡ ﺑﺎﻟﺗﻌﻠﻳﻣﺎﺕ؛ لذا ﺭﻛﺯﺕ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻣﺭﺣﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺣﻭﺍﻓﺯ ﺍﻟﻣﻌﻧﻭﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺏ ﺍﻟﺣﻭﺍﻓﺯ ﺍﻟﻣﺎﺩﻳﺔ. وصلنا بعد ذلك إلى ﻣﺭﺣﻠﺔ ﺍﻟﻧﻅﺭﻳﺎﺕ ﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ ﺍﻟﺣﺩﻳﺛﺔ، ﻭﺍﻟﺗﻲ ﺍﺳﺗﻔﺎﺩﺕ ﻣﻥ ﺗﺟﺎﺭﺏ ﺍﻟﻣﺭﺣﻠﺗﻳﻥ ﺍﻟﺳﺎﺑﻘﺗﻳﻥ ﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﻓﻠﺳﻔﺗﻬﺎ. ﻓﻧﻅﺭﺕ ﺗﻠﻙ ﺍﻟﻧﻅﺭﻳﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻣﻧﻅﻣﺔ ﺑﺎﻋﺗﺑﺎﺭﻫﺎ ﻧﻅﺎﻣﺎ ﻣﻔﺗﻭﺣﺎ ﻭﺃﻧﻬﺎ ﻭﺣﺩﺓ ﺍﺟﺗﻣﺎﻋﻳﺔ ﺗﺗﻛﻭﻥ ﻣﻥ ﺃﺟﺯﺍء ﻣﺗﺩﺍﺧﻠﺔ ﻣﺗﻔﺎﻋﻠﺔ ﻳﺅﺛﺭ ﺑﻌﺿﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺑﻌﺽ ﺍﻵﺧﺭ، ﻭﺗﻌﻳﺵ ﺍﻟﻣﻧﻅﻣﺔ ﻓﻲ ﻣﺟﺗﻣﻊ ﻛﺑﻳﺭ ﻟﻪ ﻅﺭﻭﻓﻪ ﻭﺑﻳﺋﺗﻪ ﺳﻭﺍء ﻛﺎﻧﺕ ﺍﻗﺗﺻﺎﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﺟﺗﻣﺎﻋﻳﺔ ﺃﻭ ﺗﻌﻠﻳﻣﻳﺔ، ﻭﻫﻧﺎﻙ ﺗﻔﺎﻋﻝ ﻭﺗﺄﺛﻳﺭ ﻣﺗﺑﺎﺩﻝ ﺑﻳﻥ ﺍﻟﻣﻧﻅﻣﺔ ﻭﺍﻟﻣﺟﺗﻣﻊ ﺍﻟﺫﻱ ﺗﻌﻣﻝ ﺑﻪ. ﻭﻗﺩ ﻗﺩﻣﺕ ﻧﻅﺭﻳﺎﺕ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻣﺭﺣﻠﺔ ﺗﻭﻟﻳﻔﺔ ﻣﻥ ﺍﻟﺣﻭﺍﻓﺯ ﻭﺃﻛﺩﺕ ﻋﻠﻰ ﺿﺭﻭﺭﺓ ﺍﻟﺭﺑﻁ ﺑﻳﻥ ﺍﻟﺣﻭﺍﻓﺯ ﻭﺍﻟﻧﺗﺎﺋﺞ ﺍﻟﻣﺗﺣﻘﻘﺔ ﺍﻟﺗﻲ ﺗﻌﺗﺑﺭ ﻣﻌﻳﺎﺭﺍً مهماً ﻟﺗﺣﺩﻳﺩ ﻣﺎ ﻳﺳﺗﺣﻘﻪ ﺍﻟﻔﺭﺩ ﻣﻥ ﻣﺣﻔﺯﺍﺕ ﻣﺎﺩﻳﺔ ﻭﻣﻌﻧﻭﻳﺔ. وتأتي هذه النظرة المتكاملة لتحل لغز (العامل المجهول) وتُقدم تفسيرات عملية حول كيف لنا أن نحفز موظفينا للعمل بأقصى طاقاتهم في بيئة تغلب عليها الإيجابية والحماس والرغبة في الإنجاز. بعد أن أسسنا لمفهوم التحفيز؛ يأتي السؤال التالي: «ما هو دور القائد في تحفيز الموظفين»؟ والذي سنتطرق إليه في المقال القادم.
بعد أن تحدثنا في مقالنا السابق عن مظاهر ثقافة نعم وتأثيرها على المؤسسات، اليوم نسلط الضوء على كيف نوازن بين احترام القيادة وتشجيع النقد الصريح دون أن يتحول الأمر إلى فوضى؟ تعد الموازنة بين الهيبة...
تعتبر بيئة العمل التي تسود فيها ثقافة «نعم سيدي» واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة؛ فهي ليست مجرد مظهر من مظاهر الاحترام أو الولاء المغشوشة، بل هي صمت تنظيمي مقنّع يغتال الإبداع ويحجب...
تحدثنا في مقال سابق عن الإدارة التفصيلية وأهم مزاياها وعيوبها، واليوم نتطرق إلى تطبيقات هذه الإدارة في بيئة الأعمال العربية. فعندما نرغب في فهم الإدارة التفصيلية في السياق العربي ونحاول إسقاط هذا المفهوم على بيئة...
تُعد الإدارة التفصيلية (Micromanagement) واحدة من أكثر المفاهيم الجدلية في عالم الإدارة والقيادة الحديثة. فبينما يراها البعض صمام أمان لضمان الجودة، يصفها خبراء التطوير المؤسسي بأنها مرض تنظيمي يستنزف الطاقات ويبدد المواهب. في هذا المقال...
تحدثنا في مقالات سابقة حول القيادة التحويلية، وفي هذا المقال سوف نتطرق إلى تأثير القيادة التحويلية على سياق الإدارة العربية، فعند تطبيق هذا النموذج في البيئة العربية، يجب مراعاة عدة نقاط جوهرية لضمان النجاح: 1....
تحدثنا في مقال سابق عن القيادة التحويلية من حيث النشأة والجذور في محاولة لفهم تأثيرها على نمط الإدارة والقيادة في سياق بيئة العمل العربية. واليوم حديثنا عن أبعادها الأربعة وربطها مع البيئات المحلية. تعد القيادة...
تعد القيادة التحويلية (Transformational Leadership) واحدة من أكثر النماذج القيادية فاعلية في العصر الحديث، خاصة في ظل التحولات المتسارعة والبيئات المعقدة التي نعيشها اليوم. فهي لا تكتفي بإدارة المهام اليومية، بل تسعى إلى إحداث تغيير...
في أوقات الأزمات الكبرى، وتحديداً حين تتصاعد طبول الحرب وتتشابك الخيوط السياسية كما نرى في التصعيد الراهن، يجد المواطن البسيط نفسه محاصراً داخل «إعصار معلوماتي»لا يرحم. بين شاشات الهواتف التي لا تتوقف عن الاهتزاز وبين...
في مقال سابق، أخذنا نظرة خاطفة في عالم جديد من الأعمال «باني». السؤال المنطقي التالي هو: كيف يتعامل القادة داخل المؤسسات مع هذا العالم ؟ هذا السؤال الذي نجيب عنه في هذا المقال. بداية فك...
لسنوات طويلة، شكّل مفهوم فوكا (VUCA ): وهو التقلب، عدم اليقين، التعقيد، الغموض الإطار الذهني الأكثر شيوعاً لفهم بيئة الأعمال الحديثة. وقد ساعد هذا المفهوم القادة والمؤسسات على إدراك طبيعة العالم المتغير والاستعداد له بدرجة...
في عالمنا المعاصر، لم يعد التخطيط التقليدي المبني على الأرقام التاريخية كافياً. نحن نعيش في عصر اللا يقين، حيث يمكن لحدث واحد في زاوية من الأرض أن يغير مسار البشرية بالكامل، ولعلنا نتذكر ما حدث...
بعد أن تناولنا في المقالين السابقين مفهوم بيئة فوكا للأعمال (VUCA) وتأثيره العميق على القيادات والاستراتيجيات، وكيفية مواجهته عبر إطار الإيجابية والذي صاغه بوب جوهانسن وذكرناه تفصيلا في مقالنا السابق، يبرز سؤال أكثر جوهرية اليوم:كيف...