


عدد المقالات 381
هل يمكن أن يلتقي الضدان (المنع والعطاء)؟ وما صفات الفكر الذي يستطيع أن يعيَ التقاءهما؟ الإجابة: نعم يلتقيان. لكن كيف ذلك؟ إن التقاء المنع والعطاء في معناهما كامنٌ في فهم الحكمة الإلهية من خلقنا، ومن خلقه تعالى كلَّ ما يتواءم مع طبيعتنا وفطرتنا، ومن ثمّ، في ثقتنا بتقادير الله، وبأنّ كلّ تدبيره وتقديره خير لنا. إذًا، نقطة التقاء معنيي المنع والعطاء كامنة في الرضا بكل عطاء أو منع.
في سياق تقليب معنيي المنع والعطاء في أفئدتنا، علينا أن نجعل شعارنا قول ابن عطاء في ذلك: «إذا فتح الله لك باب الفهم في المنع، أصبح المنع عين العطاء». وهذا القول يعني أنّنا إن فهمنا الحكمة الإلهية في المنع، فسيصبح هذا المنع هو العطاء؛ لظننا أن الله عزّ وجل لا يريد لنا إلا خيرًا، وأنّ في هذا المنع نفعًا لا نعلمُ حقيقته إلا إن شاء الله لنا ذلك. ويستحضرني هنا قول رَسول الله ﷺ في تسليم المؤمن لأمر الله ورضاه به، وأن هذا التسليم كلّه خيرٌ له: «عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ». فما أجمل الشكر عند العطاء! وما أجمل الصبر عند المنع!
إن صور المنع عديدة، نتعرّض لها كثيرًا في حياتنا، فكثير منّا، على سبيل المثال، ابتلي بمرض، وطال أمده، وتمنت نفسه العجولة شفاءً عاجلًا من هذا المرض، لكنّ الله في تقديره جعل لهذا المرض وقته، ليهذبك وليكسب جسمك مناعة، ونفسك تواضعًا ورضا، فتجد أن الله تعالى في اللحظة التي كشف عنك بها الغمّة، قوّم نفسك بالرضا وجمّلها بالصبر، فخرجتَ من مرضك أقوى وأصلب، وأقدر على المضيّ في حياتك بكل رضا، وتسليم، وثقة بتدبير الله، ويقينٍ بأن الله هو الواهب والمانع وكلّ ذلك عنده بقدر، ولحكمة.
ولمنع الرزق حكمة من الله المعطي الذي لم يمنعك إلا لسبب يعلمه، فربما ليقربك منه، ولتسأله وترجوه، فيجبك في دنياك، أو يؤجل عطاءه إلى يوم العرض ليغفر لك. فكلُّ الأمر عطايا وهبات، وما علينا سوى الصبر والتفكُّر، والثقة بأن الله لطيف بعباده، ينظِّم أمورهم، ويقدّر أقواتهم وأقدارهم من حيث لا يعلمون أو يحتسبون، وفي كلّ الأحوال هي خير لهم، وإن بدا لهم غير ذلك. وصدق الله القائل: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وإنّ هذه الآية تمثّل في جوهرها عين الحقيقة. فلو تأملنا جلَّ أمورنا، لوجدنا أن الله قد أحاطنا برعايته، واحتوانا بعنايته وفق علمه هو، لا وفق رغباتنا، وعلمنا المحدود. وليس لك في هذه الحياة، بكل تجلياتها، سوى همسة في أعماق قلبك تقصد بها الرحمن الذي استوى على عرشه، والذي يسمع همسك، ويعلم ما يختلج صدرك، فارفع شكايتك إليه، واقصده في كلّ أمورك ثمّ اترك له التقدير، وارض بذلك.
وأخيرًا، يا من غمرته المحن بسوادها، وتراكمت فوق كاهله الهموم، وتوالت عليه زفرات الحرمان، وعصفت بروحه أعاصير الابتلاء، تذكّر أن لك ربًا سميعًا بصيرًا، يربط على قلبك وعلى قلوبٍ أَضناها الانتظار، وأَرهقها الاصطبار، ويفتح أبوابه أمام أرواح مكلومة، أتته ضارعة وقد ضاقت بها السبل، وانقطعت عنها حبال الأمل، فيجيبها، ويلبي سؤلها ورجاءها، فيرضيها؛ إنْ بعطاء أو بمنع، فوحده القريب المجيب. وأذكرك بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. ورحم الله القائل:
وَيَكْتُب اللهُ خيرًا أَنْتَ تَجْهلُهُ وَظاهِرُ الأَمْرِ حِرْمانٌ مِنَ النِّعَمِ
وَلَوْ عَلِمْتَ مُرادَ اللهِ مِنْ عِوَضٍ لَقُلْتَ حَمْدًا إِلهى واسِعَ الكَرمِ
فَسَلِّم الأَمْرَ لِلرحمنِ وَارْضَ بِهِ هُو البَصيرُ بِحالِ العَبْدِ مِنْ أَلَمِ.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كثيرٌ من الناس يتجادلون في التربية، وبعلاقتها بالأسرة والمجتمع والمؤسسة التعليمية، فتتعدد الآراء المرتبطة بمفهومها، ويختلف الناس حولها، ويكمن مرجع ذلك إلى الاختلاف حول موضوع التربية من جهة، وحول فهم الطبيعة الإنسانية من جهة ثانية،...
قالوا فيها: إنها هبة ربانية مباركة، وبحرٌ لا تنفدُ كنوزُهُ، أنعم الله بها علينا – نحنُ أمةَ العربِ - وهي معشوقةٌ عجزتْ أبياتُ الغزلِ عن الإيفاء بحق جمالِها، وهي بنتُ عدنانَ، وفخرُ ميراثِ الأَجدادِ، إنها...
كلنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30)، لكّن قلة من الناس من تعي معناه، ومقصد دلالته، وإنّ...
تعد التربية ظاهرة اجتماعية؛ كونها لا تجري في فراغ أو من دون مجتمع، ولا يمكن تصور وجود الإنسان فردًا منعزلًا عن مجتمعه أو جماعته في العصور الحديثة. والتربية في أحوالها كلها، لا تهتم بالفرد منعزلًا...
كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...