الإثنين 7 رمضان / 19 أبريل 2021
 / 
03:18 ص بتوقيت الدوحة

درس الصيام

د. زينب المحمود
أخي الصائم، يحمل الله عباده في الحج على صعيد واحد من العبودية، تساوت مظاهرهم ومواطئ أقدامهم، وما ارتدوا، وما انتعلوا، ومشوا معًا وسعوا وهللوا بصوت واحدٍ. وأما في نهار الصيام فيحملهم على صعيد واحد من الجوع والظمأ وانعدام الرفث إلى النساء، فهل يمرّ هذا من دون أن يلقي ظلاله على قلب المؤمن؟ وهل يتخطى هذه الأهلة المباركة من دون أن توقظ شعوره إلى ما حوله من العالة والمساكين الذين لا يجدون قوت يومهم، ومن دون أن ينتبه إلى الشباب الذين لا يملكون الباءة ليكملوا شطر دينهم، فيكونُ الصيام وِجاءً لهم؟ إن فات هذا الخيرُ حفيظة الصائم فقد فاته أعظمُ درسٍ يُستخلصُ من شهر الخير، وأفلت منه رمضانُ النفحات والهدى، وبقي لهم رمضانُ التعب والضنى والحمية عن الطعام إن لم يفسدها بموائد الإفطار الباذخة. إن أعظم ما يمكن تحصيله من دروس الجوع الرمضانية هو أن نحارب الجوع المجتمعي، ونتكاتف لنهض الغارقين في الفقر المدقع إلى سويّة العيش الكريم، والرضا بعدالة العيش في ظل مجتمع متراحم متعاطف، يحب المرء فيه لأخيه ما يحب لنفسه. وما أجمل ما قال أمير الشعراء في هذا:
يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اشتِراكًـــــــــــــا **** وَإِن يَكُ خَصَّ أَقوامًا وَحابــــــــى
فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنـــــى يَدَيــــــــــهِ **** وَلا نَسِـــــي الشَقِي وَلا المُصابـا
وَلَولا البُخلُ لَــــــم يَهلِكْ فَريــــــقٌ **** عَلى الأَقدارِ تَلقاهُمْ غِضابــــــــا
تَعِبتُ بِأَهلِهِ لَومًا وَقَبلــــــــــــــــــــي **** دُعاة البِرِّ قَد سئموا الخِطابـــا
لقد سلسل شوقي -رحمه الله- نتائج الفقر الوخيمة التي تنتهي إلى غضب الفقراء على المجتمع، وحقدهم على الأغنياء، ليس هذا فحسب، بل قد يغضب أحد على قضاء الله وعلى قدره، كونه إنسانًا فقيرًا لم يكن ليُنقصَ شيئًا من رزق الله لو كان غنيًا! وقبل النتائج فقد سلسل شوقي الأسباب فكان سيدها البخل، فإذا شحّت أكفُ الأغنياء، وغُلّت إلى أَعناقهم، نتج الفقر ثم السخط وقلة الرضا ثم الهلاك!
أيها الصائمون، لا عبادة من دون درس نتعلمه من عليم خبير، فالدرس والعظة والأثر... هي مقاصد العبادة، لا الفعل في حد ذاته، والحصيلة المرتجاة من الصيام هي التقوى «لعلكم تتقون». فأحسنوا خاتمة شهر الله رمضان، وأدركوا ما فاتكم، ولو بسجدة، أو تلاوة آية، أو صدقة، أو صلة، فربكم كريم، يعطي على قدره لا على قدرنا، فاقصدوه جلّ في علاه، تجدوا خيركم، وجدّوا لعلكم تتقون.

اقرأ ايضا

نونيّة الرندي

01 مارس 2020

«جامع الكلم»

26 مايو 2019

يا صديق العمر

23 أبريل 2018

برّوا أبناءكم.. تُبَرّوا

20 نوفمبر 2016

كن ظافراً

24 يونيو 2018