


عدد المقالات 255
يُعدّ اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف أكثر من مناسبة ثقافية عابرة؛ فهو محطة سنوية تدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالكتاب بوصفه ركيزة أساسية في بناء الوعي الفردي والجماعي. وفي زمن تتسارع فيه مصادر المعرفة وتتعدد، يبقى الكتاب هو المرجع الأعمق والأكثر تأثيرًا، لأنه لا يقدّم المعلومة فحسب، بل يصوغ الفكر، ويغذّي القيم، ويؤسس لثقافة مستدامة. لقد جاءت مبادرة اليونسكو للاحتفاء بهذا اليوم تأكيدًا على أهمية تعزيز القراءة، ودعم صناعة النشر، وحماية حقوق المؤلفين، باعتبارهم القلب النابض للحراك الثقافي.
فالمجتمعات التي تُعلي من شأن الكتاب، هي مجتمعات أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الحوار، وأشد تماسكًا في مواجهة التحديات. وعند العودة إلى التاريخ، ندرك أن الكتاب كان ولا يزال أساس نهضة الحضارات، فقد شكّلت أعمال مثل جمهورية أفلاطون للفيلسوف أفلاطون نموذجًا مبكرًا للفكر السياسي والفلسفي، بينما أسهم المقدمة لابن خلدون للمفكر ابن خلدون في تأسيس علم الاجتماع وتحليل نشوء الدول والمجتمعات، وفي السياق العلمي كان لكتاب القانون في الطب للعالم ابن سينا دور محوري في تطوير الطب لقرون طويلة، وهذه النماذج تؤكد أن الكتاب لم يكن يومًا مجرد وسيلة معرفة بل كان محركًا للتغيير وبناء الحضارات. ولا يمكن إغفال المكانة العظيمة للكتاب في الحضارة الإسلامية؛ إذ كان أول ما نزل من الوحي على النبي محمد بن عبد الله كلمة «اقرأ»، في دلالة عميقة على أن القراءة والمعرفة هما المدخل الحقيقي لبناء الإنسان، ويُعدّ القرآن الكريم أعظم كتاب رسّخ قيم العلم والتفكر والتدبر، ودعا إلى طلب المعرفة باعتبارها عبادة وسلوكًا حضاريًا.
وقد ازدهرت في ظل هذه الرؤية حركة التأليف والترجمة وبرزت مؤلفات شكلت أساسًا للعلوم المختلفة مثل إحياء علوم الدين للإمام أبو حامد الغزالي التي جمعت بين العلم والسلوك وأسهمت في بناء منظومة أخلاقية وفكرية متكاملة، وهذا يعكس كيف كان الكتاب في الإسلام وسيلة للإصلاح وبناء الإنسان لا مجرد أداة للمعرفة النظرية. فالكتاب ليس مجرد صفحات تُقرأ بل تجربة إنسانية متكاملة تنتقل عبرها الأفكار وتُختصر فيها تجارب الشعوب وتُبنى من خلالها جسور التواصل بين الثقافات، ومن هنا فإن دوره في المجتمعات يتجاوز التعليم إلى التأثير في السلوك وتعزيز الهوية وترسيخ القيم الأخلاقية والمعرفية. غير أن هذا الدور الحيوي لا يمكن أن يستمر دون بيئة تحمي صُنّاعه، فالمؤلف هو أساس العملية الثقافية وحقوقه الفكرية والأدبية تمثل الضمان الحقيقي لاستمرار الإبداع، إن التعدي على هذه الحقوق سواء بالنسخ غير المشروع أو التوزيع غير القانوني لا يضر بالمؤلف وحده بل ينعكس سلبًا على جودة الإنتاج الثقافي واستدامته. وفي هذا السياق وانطلاقًا من مسؤوليتي كمدير عام لـ دار البدع للنشر والتوزيع أؤمن أن الاحتفاء بهذا اليوم يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية تعكس احترامنا للكتاب وتقديرنا للمؤلف، فمن خلال تجربتنا في مجال النشر لمسنا أن دور النشر ليست مجرد حلقة وصل بل شريك فاعل في صناعة الوعي يتحمل مسؤولية اكتشاف المواهب ورعاية الإبداع وتقديم محتوى يليق بالمجتمع، كما ندرك حجم التحديات التي تواجه هذا القطاع وفي مقدمتها قضايا القرصنة وضعف الوعي بحقوق الملكية الفكرية وهو ما يستدعي تكاتف الجهود بين المؤسسات الثقافية والتشريعات والإعلام إلى جانب دور القارئ نفسه في دعم الكتاب الأصلي واحترام حقوق مؤلفيه.
وختامًا، فإن عنواننا «دار البدع:الكلمة تصنع المستقبل» ليس مجرد عبارة بل قناعة راسخة نؤمن بها في دار البدع للنشر والتوزيع؛ فكل كتاب يُنشر هو بذرة وعي، وكل فكرة تُكتب هي خطوة نحو مستقبل أكثر نضجًا وإدراكًا، إن صناعة الكلمة مسؤولية، وحمايتها واجب، ودعم مؤلفيها استثمار حقيقي في الإنسان والمجتمع، ومن هنا نجد أن مستقبل الأجيال لا يُبنى إلا بكتاب يُقرأ، وفكر يُحترم، ومؤلف تُصان حقوقه.
@najat.bint.ali
في زحام الحياة، وكثرة المسؤوليات، وتعدد العلاقات، قد ينشغل الإنسان بكل شيء من حوله وينسى أهم علاقة في حياته؛ علاقته بذاته. نبحث عن السلام في الأماكن، وفي الأشخاص، وفي الظروف، ونظن أن هدوء الحياة من...
في زمن أصبحت فيه الكلمة تُكتب في ثوانٍ، وتنتشر في لحظات، ويستطيع أي شخص أن يبدي رأيه في حياتنا وقراراتنا ومواقفنا، أصبحنا بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مهارة قد تبدو بسيطة، لكنها في...
بين فهم الذات، وقراءة الآخر، وإدارة الاختلاف… مهارة إنسانية تتجاوز العلاقات الاجتماعية ففي عالم تتسارع فيه وسائل التواصل، وتتقارب فيه المسافات، وتتعدد فيه الثقافات ووجهات النظر، لم تعد القدرة على التواصل مع الآخرين كافية؛ بل...
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتزداد فيه الضغوط، أصبح الإنسان بحاجة إلى ما يُعيد إليه توازنه النفسي والإنساني أكثر من أي وقت مضى. وبينما يبحث الكثيرون عن السعادة في الإنجازات أو الممتلكات، يغفلون عن كنوزٍ...
في فصل الصيف تتفتح أبواب الضوء، وتغمرنا أشعة الشمس بدفءٍ يلامس الروح قبل الجسد، وكأن الطبيعة تدعونا لالتقاط أنفاسنا من جديد. إنه موسم الطاقة الإيجابية، حيث تمتزج السعادة بنسيم البحر، وتنعكس زرقة المحيط على قلوبنا...
هناك قادة يمرون في صفحات التاريخ، وهناك قادة يصنعون التاريخ نفسه. ومن هذا الطراز كان سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي لم يكن قائدًا لمرحلة زمنية فحسب، بل مهندسًا...
في حياتنا نلتقي بالكثير من الأشخاص، ونستمع إلى العديد من الكلمات والوعود، ونبني أحيانًا ثقتنا على ما نسمعه من عبارات جميلة عن الوفاء والدعم والاهتمام. لكن مع مرور الوقت ندرك حقيقة لا يختلف عليها اثنان،...
النجاح ليس ضربة حظ، ولا هبة تمنحها الظروف لمن تشاء، بل هو قرار واعٍ يتخذه الإنسان، ثم يحوله إلى عمل واجتهاد ومثابرة. فالإنجاز الذي نراه اليوم ما هو إلا ثمرة قرار اتُّخذ بالأمس، وإرادة لم...
هل يولد الإنسان ناجحًا، أم يصنع نجاحه بنفسه؟ سؤال يتكرر كثيرًا، لكنني أعتقد أن الإجابة لا تكمن في الظروف ولا في الحظ، وإنما في قدرة الإنسان على اكتشاف ذاته. فمن يعرف نفسه جيدًا، يدرك رسالته،...
في عالم تتسارع فيه وسائل التعبير وتتعدد منصات النشر، تبقى الكتابة واحدة من أسمى الوسائل التي يترك بها الإنسان بصمته وأثره في الحياة. فالكتاب ليس مجرد كلمات تُسطر على الورق، بل هو تجربة إنسانية ورسالة...
بعد عودتي من رحلة الحج، غمرتني مشاعر لا يمكن للكلمات أن تصفها؛ فقد كان حضور الأحبة والأصدقاء لتهنئتي، من جنسيات وثقافات مختلفة، مشهدًا يعكس أجمل معاني الإنسانية والمحبة الصادقة. أدركت حينها أن القلوب الطيبة لا...
من وجهة نظري، فإن الحديث عن الحضارة الإسلامية لا ينبغي أن يقتصر على استذكار الماضي أو الاحتفاء بالإنجازات التاريخية، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره قضية حضارية وثقافية تمس حاضر الأمة ومستقبلها. فالأمة العربية والإسلامية...