


عدد المقالات 264
يُعدّ اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف أكثر من مناسبة ثقافية عابرة؛ فهو محطة سنوية تدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالكتاب بوصفه ركيزة أساسية في بناء الوعي الفردي والجماعي. وفي زمن تتسارع فيه مصادر المعرفة وتتعدد، يبقى الكتاب هو المرجع الأعمق والأكثر تأثيرًا، لأنه لا يقدّم المعلومة فحسب، بل يصوغ الفكر، ويغذّي القيم، ويؤسس لثقافة مستدامة. لقد جاءت مبادرة اليونسكو للاحتفاء بهذا اليوم تأكيدًا على أهمية تعزيز القراءة، ودعم صناعة النشر، وحماية حقوق المؤلفين، باعتبارهم القلب النابض للحراك الثقافي.
فالمجتمعات التي تُعلي من شأن الكتاب، هي مجتمعات أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الحوار، وأشد تماسكًا في مواجهة التحديات. وعند العودة إلى التاريخ، ندرك أن الكتاب كان ولا يزال أساس نهضة الحضارات، فقد شكّلت أعمال مثل جمهورية أفلاطون للفيلسوف أفلاطون نموذجًا مبكرًا للفكر السياسي والفلسفي، بينما أسهم المقدمة لابن خلدون للمفكر ابن خلدون في تأسيس علم الاجتماع وتحليل نشوء الدول والمجتمعات، وفي السياق العلمي كان لكتاب القانون في الطب للعالم ابن سينا دور محوري في تطوير الطب لقرون طويلة، وهذه النماذج تؤكد أن الكتاب لم يكن يومًا مجرد وسيلة معرفة بل كان محركًا للتغيير وبناء الحضارات. ولا يمكن إغفال المكانة العظيمة للكتاب في الحضارة الإسلامية؛ إذ كان أول ما نزل من الوحي على النبي محمد بن عبد الله كلمة «اقرأ»، في دلالة عميقة على أن القراءة والمعرفة هما المدخل الحقيقي لبناء الإنسان، ويُعدّ القرآن الكريم أعظم كتاب رسّخ قيم العلم والتفكر والتدبر، ودعا إلى طلب المعرفة باعتبارها عبادة وسلوكًا حضاريًا.
وقد ازدهرت في ظل هذه الرؤية حركة التأليف والترجمة وبرزت مؤلفات شكلت أساسًا للعلوم المختلفة مثل إحياء علوم الدين للإمام أبو حامد الغزالي التي جمعت بين العلم والسلوك وأسهمت في بناء منظومة أخلاقية وفكرية متكاملة، وهذا يعكس كيف كان الكتاب في الإسلام وسيلة للإصلاح وبناء الإنسان لا مجرد أداة للمعرفة النظرية. فالكتاب ليس مجرد صفحات تُقرأ بل تجربة إنسانية متكاملة تنتقل عبرها الأفكار وتُختصر فيها تجارب الشعوب وتُبنى من خلالها جسور التواصل بين الثقافات، ومن هنا فإن دوره في المجتمعات يتجاوز التعليم إلى التأثير في السلوك وتعزيز الهوية وترسيخ القيم الأخلاقية والمعرفية. غير أن هذا الدور الحيوي لا يمكن أن يستمر دون بيئة تحمي صُنّاعه، فالمؤلف هو أساس العملية الثقافية وحقوقه الفكرية والأدبية تمثل الضمان الحقيقي لاستمرار الإبداع، إن التعدي على هذه الحقوق سواء بالنسخ غير المشروع أو التوزيع غير القانوني لا يضر بالمؤلف وحده بل ينعكس سلبًا على جودة الإنتاج الثقافي واستدامته. وفي هذا السياق وانطلاقًا من مسؤوليتي كمدير عام لـ دار البدع للنشر والتوزيع أؤمن أن الاحتفاء بهذا اليوم يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية تعكس احترامنا للكتاب وتقديرنا للمؤلف، فمن خلال تجربتنا في مجال النشر لمسنا أن دور النشر ليست مجرد حلقة وصل بل شريك فاعل في صناعة الوعي يتحمل مسؤولية اكتشاف المواهب ورعاية الإبداع وتقديم محتوى يليق بالمجتمع، كما ندرك حجم التحديات التي تواجه هذا القطاع وفي مقدمتها قضايا القرصنة وضعف الوعي بحقوق الملكية الفكرية وهو ما يستدعي تكاتف الجهود بين المؤسسات الثقافية والتشريعات والإعلام إلى جانب دور القارئ نفسه في دعم الكتاب الأصلي واحترام حقوق مؤلفيه.
وختامًا، فإن عنواننا «دار البدع:الكلمة تصنع المستقبل» ليس مجرد عبارة بل قناعة راسخة نؤمن بها في دار البدع للنشر والتوزيع؛ فكل كتاب يُنشر هو بذرة وعي، وكل فكرة تُكتب هي خطوة نحو مستقبل أكثر نضجًا وإدراكًا، إن صناعة الكلمة مسؤولية، وحمايتها واجب، ودعم مؤلفيها استثمار حقيقي في الإنسان والمجتمع، ومن هنا نجد أن مستقبل الأجيال لا يُبنى إلا بكتاب يُقرأ، وفكر يُحترم، ومؤلف تُصان حقوقه.
@najat.bint.ali
نعيش اليوم في عالم لا يتوقف عن الركض؛ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم المسؤوليات، وتتقلص المساحات المخصصة للراحة والتأمل والتواصل الإنساني. نستيقظ على إشعارات الهواتف، ونمضي ساعاتنا بين الأعمال والالتزامات، وننتقل من مهمة إلى أخرى، حتى...
في لحظة صامتة، تمتد عصا بيضاء أمام صاحبها، تلامس الأرض بحذر، ثم تعود إليه بإشارة صغيرة تقول: هنا طريق، وهنا خطوة آمنة. وبين كل لمسة وأخرى، يولد معنى عميق للامتنان؛ امتنان للقدرة على مواصلة السير،...
نعيش اليوم في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا وتتطور وسائل التواصل بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح العالم بين أيدينا، وأصبحت المسافات مهما ابتعدت لا تتطلب سوى ضغطة زر لنرى من نحب ونتحدث إليهم. لكن وسط هذا...
عندما نتحدث عن نجاح الأبناء، غالبًا ما تتجه أنظارنا إلى النتائج والشهادات والإنجازات، وننسى أن وراء كل نجاح إنسانًا صغيرًا أو شابًا يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأنه محبوب، ومقبول، ومسانَد. فالأبناء لا...
حيث يجتمع العالم تحت مظلة الأمم المتحدة، جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملاً رسائل تتجاوز حدود السياسة إلى...
في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي بصورة غير مسبوقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة، بل أصبح تحولًا يعيد تشكيل طريقة تفكيرنا وعملنا وتواصلنا، ويفتح آفاقًا جديدة أمام المؤسسات والمجتمعات. ومن هذا المنطلق، جاءت...
يمثل تدشين وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي سياسة إدارة سلوك الطلبة خطوة وطنية وتربوية مهمة، تعكس وعيًا بأهمية بناء الإنسان قبل بناء المعرفة، وترسيخ القيم والسلوك الإيجابي في شخصية أبنائنا، خاصة أن السياسة تحمل شعارًا...
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتعدد فيه المنصات، وتتسع فيه مساحة التأثير، لم يعد الإعلام مجرد مهنة تقوم على نقل الأخبار والمعلومات، بل أصبح مسؤولية حقيقية تتعلق بصناعة الوعي، وتوجيه الرأي العام، وبناء جسور التواصل...
ليست كل عودة مجرد عودة إلى المكان، فبعض العودة عودة إلى الذات. بعد أيام من الابتعاد عن ضغوط العمل وروتين الحياة، تأتي لحظة العودة من الإجازة، تلك اللحظة التي نغادر فيها أجواء الراحة والسفر واللقاءات...
في زحام الحياة، وكثرة المسؤوليات، وتعدد العلاقات، قد ينشغل الإنسان بكل شيء من حوله وينسى أهم علاقة في حياته؛ علاقته بذاته. نبحث عن السلام في الأماكن، وفي الأشخاص، وفي الظروف، ونظن أن هدوء الحياة من...
في زمن أصبحت فيه الكلمة تُكتب في ثوانٍ، وتنتشر في لحظات، ويستطيع أي شخص أن يبدي رأيه في حياتنا وقراراتنا ومواقفنا، أصبحنا بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مهارة قد تبدو بسيطة، لكنها في...
بين فهم الذات، وقراءة الآخر، وإدارة الاختلاف… مهارة إنسانية تتجاوز العلاقات الاجتماعية ففي عالم تتسارع فيه وسائل التواصل، وتتقارب فيه المسافات، وتتعدد فيه الثقافات ووجهات النظر، لم تعد القدرة على التواصل مع الآخرين كافية؛ بل...