

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل حاضرًا في الوعي، يكون قد انتقل من السيطرة الخارجية إلى الهيمنة الداخلية.
لذلك، عندما نسمع اليوم من بعض النخب وبعض المحطات والمنابر الإعلامية في الخليج ومصر ولبنان والمغرب العربي تستعيد زمن الاستعمار بنبرة من الحنين، أو تقدّمه بوصفه أكثر كفاءة وتنظيمًا وقدرة على إدارة المجتمعات، فإننا لا نكون أمام مجرد اختلاف في قراءة الماضي، بل أمام أثر متأخر لمنظومة فكرية نجحت في إعادة تعريف الهيمنة باعتبارها عقلانية، والقوة باعتبارها معيارًا، والوصاية باعتبارها نظامًا. عندها لا يعود المستعمِر بحاجة إلى أن يبرر نفسه، لأن منطقه يكون قد تسلل إلى لغة المستعمَر السابق، فأصبح يحاكم ذاته بالأدوات والمفاهيم التي صاغها له المستعمِر نفسه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من محطة تاريخية؛ إنه سؤال في الوعي عن كيف لمجتمعات تحرّرت من الاستعمار أن تعيد تخيّله، بعد أجيال، بوصفه فرصة ضائعة، وفردوسا مفقودا!
الدول المستعمرة لم تكن جمعيات خيرية
أشهر الحجج في هذا السياق أن الدول الاستعمارية، رغم كل شيء، بنت الطرق والسكك والموانئ والمدارس والمستشفيات، وأنشأت مؤسسات حديثة لم تكن قائمة. المشكلة ليست في الإنكار، بل في الوظيفة التي أدّتها هذه البنية والمشروع الذي خدمته. فالاستعمار لم يكن مؤسسة تنموية أبحرت لتحديث المجتمعات الفقيرة، ولم تكن الدول المستعمرة جمعيات خيرية تضع ميزانياتها في خدمة شعوب آسيا وأفريقيا. فهي جاءت باحثةً عن القوة والنفوذ والثروة والأسواق والمواقع الاستراتيجية، فبنَت ما تحتاجه لتجعل سيطرتها أكثر فاعلية واستدامة.
الطرق لحركة الجنود والإدارة، والسكك لنقل المواد الخام والمحاصيل من مناطق الإنتاج إلى الموانئ، والموانئ لربط المستعمرات باقتصادات المراكز الإمبراطورية، وشبكات الاتصال والإدارة لمراقبة السكان وجمع الضرائب وتنظيم السيطرة ذاتها. فالطريق الذي يُقدَّم اليوم دليلًا على فضل المستعمِر كان في أصله جزءًا من البنية التي سهّلت حكمه، والميناء الذي يُحتفى به إنجازًا حضاريًا هو نفسه البوابة التي خرجت منها ثروات البلاد.
وهنا تبرز أهمية ما كتبه والتر رودني في كتابه الشهير «كيف أفقرت أوروبا أفريقيا». فرودني لم ينظر إلى التخلف بوصفه حالة أصلية وجدت عليها المجتمعات الأفريقية ثم جاء الاستعمار ليخفف منها، بل رأى أن التخلف نفسه كان، في جانب مهم منه، نتيجة لعلاقة اقتصادية غير متكافئة ربطت ازدهار المركز بإفقار الأطراف. وبحسب هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الطريق أو الميناء بمعزل عن الاقتصاد الذي يخدمانه، لأن البنية التحتية قد تكون متطورة في ذاتها، لكنها تعمل داخل نظام يعيد توجيه الثروة إلى الخارج.
أدوات السيطرة كشهادة براءة
من أغرب مفارقات الذاكرة الاستعمارية أن تتحوّل أدوات إحكام السيطرة إلى أدلة لاحقة على أخلاقية السيطرة، ويصبح ما بُني لخدمة الإمبراطورية شاهدًا على فضلها، بينما تُنسى الوظيفة السياسية والاقتصادية التي أدّاها.
يعتبر فرانز فانون من أكثر من فكك مفهوم الاستعمار وعدم ارتباطه حصرا بإخضاع الأرض، بل بإعادة تشكيل نفسية الإنسان الذي يعيش تحت الاحتلال. ففي «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» و«معذبو الأرض» حلل الكيفية التي يمكن أن تتحول بها علاقة القوة الخارجية إلى شعور داخلي بالدونية، بحيث يبدأ المستعمَر في رؤية نفسه بعين المستعمِر، ويقيس قيمته وفق معاييره، ويبحث عن اعترافه.
أن بعض الخطابات العربية المعاصرة تذهب أبعد من الدفاع عن الإرث الاستعماري، فتقارن كفاءة المستعمِر بفشل الدولة الوطنية، كأن الكفاءة الإدارية تمنح حقًا سياسيًا في الحكم. لكن هذا المنطق يختزل الدولة في شركة خدمات، ويختزل الإنسان في مستهلك يبحث عمّن يقدّم له الكهرباء والنظافة والطرق. الدولة ليست خدمة، والسيادة ليست امتيازًا يُمنح للشعوب بعد أن تُثبت جدارتها في إدارة الشوارع.
الحرية لا تصبح أقل قيمة لأن الإدارة سيئة، والسيادة لا تفقد مشروعيتها لأن الدولة الوطنية فشلت. وإلا لأمكن تبرير أي احتلال يقدّم خدمات أفضل من الحكومة المحلية، وهو استنتاج يكشف هشاشة الحجة من أساسها.
الخطاب الذي يحتفي بما بناه الاستعمار انتقائيّ بوضوح؛ يسأل دائمًا ماذا ترك، ولا يسأل بالقدر نفسه ماذا أخذ. يرى السكك ولا يسأل ماذا كانت تنقل وإلى أين، ويرى الموانئ ولا يسأل عن الثروات التي خرجت منها، ويرى المؤسسات ولا يسأل من كان يمارس السلطة عبرها، ويرى المدارس ولا يسأل عن طبيعة المعرفة التي أنتجتها وحدود التعليم المسموح به.
الشعوب لم تكن خارج التاريخ
من جوهر الخلل أيضا في القول إن الاستعمار «أدخلنا إلى الحداثة». العبارة تفترض أن الحداثة ملك طرف واحد، وأن على الآخرين انتظار من يحملها إليهم. لكنها تتجاهل أن المجتمعات تتعلم من بعضها عبر التجارة والتعليم والترجمة ونقل التكنولوجيا والإصلاح الداخلي، وأن انتقال المعرفة لا يستلزم احتلالًا ولا فقدانًا للسيادة.
يتجاهل هذا الخطاب حقيقة بديهية أن الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية لم تكن تعيش خارج التاريخ قبل الاستعمار، كانت لها مدن وأسواق وتجارب حكم وشبكات تجارة ومؤسسات معرفة ومسارات إصلاح، لم تكن مشابهة للنموذج الأوروبي، لكنها لم تكن فراغًا تاريخيًا ينتظر وصول الإمبراطورية ليبدأ الزمن.
ومع ذلك، ما تزال بعض النخب تنظر إلى التاريخ من منظور يجعل أوروبا أصلًا وما عداها هوامش تتفاوت في قدرتها على اللحاق بالمركز، وهكذا يتحوّل الاستعمار من مشروع سيطرة إلى «جسر حضاري»، ويصبح الاحتلال حادثًا مؤلمًا لكنه ضروري. وهذا بالضبط ما ينبغي مساءلته؛ فإذا قبلنا أن فقدان السيادة شرط للتقدم، فتحنا الباب مجددًا لفكرة الوصاية بكل أشكالها الجديدة.
فشل الدولة ومسؤولية النخب
فشل الدولة الوطنية حقيقي في تجارب كثيرة، ولا ينبغي إنكاره ولا تجميله، لكنه لا يشكّل في ذاته دفاعًا عن الاستعمار. أخفقت أنظمة عربية في بناء مؤسسات قوية، وأهدرت فرصًا تاريخية، ومارست الاستبداد والفساد؛ لكن هذه الإخفاقات مدخل لنقد الدولة الوطنية وإصلاحها، لا مناسبة للحنين إلى الاحتلال.
المشكلة لم تكن يومًا في المطالبة بالاستقلال، بل في الإخفاق في بناء الدولة التي كان ينبغي أن تتبعه. والفرق جوهري، وبدل أن نسأل هل كان الأفضل البقاء تحت الاستعمار، ينبغي أن يكون لماذا لم يتحول الاستقلال السياسي إلى استقلال اقتصادي ومعرفي ومؤسسي كامل.
هنا تتحمل النخب العربية جزءًا من المسؤولية، من السهل على المثقف أن يعلن يأسه من المجتمع وأن ينسب كل أزمة إلى «العقلية» أو «الثقافة» أو «عدم القابلية للحداثة»؛ والأصعب أن يفكّك بنية المؤسسات والسياسات والاقتصاد والتعليم وعلاقات القوة التي تنتج الفشل. وحين تتحول المشكلات المركّبة إلى أحكام جوهرانية على المجتمع، يصير جلد الذات بديلًا عن التحليل، ويصبح الاستعمار حلًا خياليًا لمشكلة لم نكلّف أنفسنا عناء فهمها.
التحرر حق لا شهادة تفوّق
المجتمع الذي يريد التحرّر فعلًا لا يحتاج إلى اختراع تاريخ بطولي مزيّف، ولا إلى إنكار أخطائه، لكنه يحتاج ألا يسمح لفشله بأن يتحول إلى دليل على عدم أهليته للحرية. فالاستقلال ليس شهادة تُمنح للشعوب المتفوقة، بل حق؛ والقدرة على الحكم لا تنشأ كاملة لحظة خروج المستعمِر، بل تُبنى عبر المؤسسات والتجربة والخطأ والمساءلة.
لذلك لا ينبغي قراءة الحنين إلى الاستعمار حنينًا إلى النظام والكفاءة فحسب، بل عرضًا لأزمة أعمق في الوعي؛ إنه يكشف فقدان الثقة في القدرة على الفعل، واستعدادًا لتحويل الإحباط من الحاضر إلى رفض للذات.
المطلوب ليس أن نكره الغرب ولا أن نرفض التعلم منه، ولا أن نحوّل الاستعمار إلى تفسير جاهز لكل مشكلة معاصرة. المطلوب علاقة أكثر نضجًا بالتاريخ وبالذات: أن نتعلم من الآخرين دون أن نبحث عن سيد، وأن نعترف بإخفاقاتنا دون أن نحوّلها إلى عقدة نقص، وأن ننتقد مجتمعاتنا دون أن نحتقرها.
فأخطر ما يفعله الاستعمار ليس أن يبني طريقًا فوق أرضك، بل أن يبني داخل وعيك فكرة أنك لم تكن قادرًا على بناء الطريق من دونه. وعندما يقتنع بعض أبناء المستعمرات السابقة بأن حريتهم كانت خطأ، وأن الوصاية كانت أحكم من الاستقلال، فعلينا أن ندرك أن المعركة مع الاستعمار لم تنتهِ بخروج آخر جندي.
حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...
ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...