alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 32

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 31 أغسطس 2026
تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 02 سبتمبر 2026
العرب ومعركة الحاضر والمستقبل
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 31 أغسطس 2026
التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

02 سبتمبر 2026 , 12:30ص

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض عواصم الخليج، تحول من منطقة تستهلك ما ينتجه الآخرون إلى منطقة تحاول أن تحجز لنفسها موقعًا في صناعة المستقبل، من الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة إلى الحكومات الرقمية والمنصات والتقنيات التي ستعيد تشكيل الدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والبشر.
لكن في عالمٍ موازٍ تمامًا، يكفي أن نجتمع مع بعض الزملاء والأصدقاء ممن يُصنَّفون ضمن النخب الثقافية والفكرية حتى يعود بنا النقاش، كأن شيئًا لم يتغير، إلى الأسئلة القديمة نفسها، الأصالة والمعاصرة، التحديث والحداثة، الهوية والتراث، والشرق والغرب. أسئلة مهمة في سياقها التاريخي، لكنها تحولت عند البعض من أدوات للفهم إلى أقفاص ذهنية نعيد إنتاجها كل مرة، حتى بدا وكأننا لا نناقش المستقبل بقدر ما نعيد تدوير خلافات القرون الماضية.
ربما لم يعد السؤال الأهم: لماذا ظلّ العالم العربي متأخرًا؟ فقد استُهلك هذا السؤال طويلًا حتى كاد يفقد قدرته على الصدمة. السؤال الأكثر إيلامًا اليوم هو: لماذا لا يزال جزء كبير من هذا العالم، ومعه نخبه المحسوبة عليه، يخوض معارك فكرية تجاوزها الآخرون، في اللحظة نفسها التي يشهد فيها الكوكب ثورة حضارية غير مسبوقة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعيد تعريف المعرفة والعمل والسلطة ومستقبل الإنسان نفسه؟
إن أخطر ما يواجه العالم العربي اليوم ليس إسرائيل، ولا إيران، ولا حتى التدخلات الدولية، على فداحة كل ذلك وجسامة أثره. الخطر الأكبر أن المنطقة صارت تستهلك مستقبلها في إعادة إنتاج ماضيها، وتُنفق طاقتها الرمزية والمادية على تسوية حسابات قديمة بدلاً من فتح حساب جديد في بنك المعرفة العالمي.
فبينما تستثمر الدول الكبرى مئات المليارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية واقتصاد الفضاء، لا تزال مساحات واسعة من الشرق الأوسط تستثمر في الخطابات الطائفية، والانقسامات المذهبية، وصناعة الكراهية كسلعة سياسية رائجة. وبينما تتنافس الجامعات العالمية على استقطاب أفضل العقول، تتنافس بعض مجتمعاتنا على احتكار الحقيقة وإقصاء المختلف، أي مفارقة أشد قسوة من هذه؟
تعريف القوة تغيَّر جذرياً
لقد انقلب معنى القوة رأساً على عقب. لم تعد الدولة القوية هي التي تمتلك أكبر جيش، بل التي تمتلك أضخم قاعدة بيانات، وأفضل جامعات، وأقوى منظومة ابتكار، وأكثر العقول جسارةً على التجريب. ولم تعد السيادة تُحمى على الحدود وحدها، بل داخل الخوادم الرقمية، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، وسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية التي تكفي عرقلتها لتعطيل اقتصاد دولة كاملة دون طلقة واحدة.
لقد دخل العالم عصر «حروب الخوارزميات»، بينما لا يزال الشرق الأوسط عالقاً في «حروب القبائل السياسية». وهذه ليست مبالغة بلاغية، بل توصيف لواقع جديد صار من الترف تجاهله.
القرن الحادي والعشرون لا ينتظر أحداً. التكنولوجيا لا تؤجّل نفسها حتى تنتهي الحروب الأهلية والإقليمية، والاقتصاد الرقمي لا يتوقف حتى تُحلّ النزاعات الأيديولوجية، والذكاء الاصطناعي لا يسأل عمّن انتصر في معركة تعود إلى ألف عام، الزمن نفسه أصبح طرفاً في الصراع، ومن يخسره لا يستعيده بالخطابة ولا بالتعويضات.
ولهذا صار الحديث المتكرر عن «اللحاق بالغرب» حديثاً متجاوزاً. فالغرب نفسه لم يبقَ مركز المنافسة الوحيد؛ إذ تُثبت الصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة أن المستقبل يُصنع بالاستثمار في الإنسان، لا بالإقامة الدائمة داخل عقدة الماضي. لقد انتقلت هذه الدول من سؤال الهوية إلى سؤال القدرة، ومن مساءلة التاريخ إلى مساءلة الأداء.
هنا تكمن المفارقة الكبرى: الشرق الأوسط يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لم يعرف مثلها منذ قرنين. فهناك بعض الدول بدأت التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد المعرفة، ومن الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية التكنولوجيا، ومن استيراد الابتكار إلى محاولة إنتاجه محلياً. لكن هذه التحولات ستبقى جزراً معزولة ما دام الإقليم بمجموعه يعيش بمنطق الدولة الهشة، والميليشيا، والاقتصاد السياسي للحروب.
فلا يمكن بناء «وادي سيليكون» عربي وسط جغرافيا تتغذى على الفوضى، إذ إن رأس المال المعرفي أكثر جبناً من رأس المال المالي؛ يهاجر عند أول إشارة خطر. ولا يمكن أن تزدهر الجامعات ومراكز الأبحاث في بيئة يُعدّ فيها التفكير الحر تهديداً لا ثروة. ولا يمكن الحديث عن اقتصاد المستقبل بينما معارك الهوية تلتهم الحاضر بالكامل.
من صراع حضارتين إلى صراع زمنين
إن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نواجه الغرب؟ بل: كيف نواجه التخلف الذي استوطن مؤسساتنا، ومناهجنا التعليمية، وثقافتنا السياسية؟ لقد تحوّلت المعركة من صراع بين حضارتين إلى صراع بين زمنين: زمن يراكم المعرفة، وزمن يراكم الأحقاد؛ زمن يبني الإنسان، وزمن يستهلكه؛ زمن يصنع المستقبل، وزمن يحاكمه بمنطق الماضي.
وهنا يجب أن تكون المراجعة أكثر جرأة. فالنهضة العربية لم تفشل لأنها واجهت الاستعمار فقط، بل لأنها لم تنتج ثورة معرفية تحرّر العقل قبل أن تحرّر الأرض. وبعد الاستقلال كرّرت الدولة العربية الخطأ ذاته: بنت الجيوش قبل الجامعات، وأعلت الولاء على الكفاءة، ورأت في السيطرة على المجتمع مهمة أهم من إطلاق طاقاته. وكانت النتيجة أنها دخلت الثورة الرقمية بمؤسسات تعمل بعقلية القرن الماضي وبيروقراطية تخشى السؤال أكثر مما تخشى الفشل.
إن الذكاء الاصطناعي لا يهدد الوظائف وحدها، بل يهدد نموذج الدولة التقليدية ذاته. فالدول التي لا تملك القدرة على إنتاج المعرفة ستتحول تدريجياً إلى أسواق تستهلك ما ينتجه الآخرون، وإلى مجتمعات تتلقى القرارات التكنولوجية بدلاً من المشاركة في صناعتها، ثم تكتشف متأخرة أن قيمها ولغتها وحتى ذاكرتها الجماعية باتت تُبرمَج خارج حدودها.
ولهذا فإن معركة الشرق الأوسط المقبلة لن تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل في الجامعات، ومختبرات البحث، وشركات التكنولوجيا، ومدارس البرمجة، ومراكز الابتكار. هناك تُرسم خرائط النفوذ الجديدة، وهناك تتحدد مكانة الأمم في النظام العالمي القادم.

أن تربح السياسة وتخسر الحضارة
إن أخطر ما يمكن أن يفعله العالم العربي اليوم هو أن يربح معركة سياسية ويخسر معركة الحضارة. فالتاريخ مليء بإمبراطوريات انتصرت عسكرياً ثم اندثرت لأنها عجزت عن مواكبة التحولات الكبرى في المعرفة والإنتاج، فبقيت أسماؤها في الكتب وغابت آثارها عن الحياة.
العالم لا ينتظر المترددين، والتاريخ لا يكافئ من يكرّر الأسئلة القديمة، بل من يجرؤ على طرح أسئلة جديدة. ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس أن نعيد تفسير صدمة نابليون، بل أن نستوعب صدمة الذكاء الاصطناعي قبل أن تتحول هي الأخرى إلى فصل جديد في كتاب طويل من الفرص الضائعة. فالأمم لا تسقط عندما تُهزم في الحرب، بل عندما تُصرّ على إدارة المستقبل بعقلٍ صاغه الماضي.

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...