

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض عواصم الخليج، تحول من منطقة تستهلك ما ينتجه الآخرون إلى منطقة تحاول أن تحجز لنفسها موقعًا في صناعة المستقبل، من الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة إلى الحكومات الرقمية والمنصات والتقنيات التي ستعيد تشكيل الدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والبشر.
لكن في عالمٍ موازٍ تمامًا، يكفي أن نجتمع مع بعض الزملاء والأصدقاء ممن يُصنَّفون ضمن النخب الثقافية والفكرية حتى يعود بنا النقاش، كأن شيئًا لم يتغير، إلى الأسئلة القديمة نفسها، الأصالة والمعاصرة، التحديث والحداثة، الهوية والتراث، والشرق والغرب. أسئلة مهمة في سياقها التاريخي، لكنها تحولت عند البعض من أدوات للفهم إلى أقفاص ذهنية نعيد إنتاجها كل مرة، حتى بدا وكأننا لا نناقش المستقبل بقدر ما نعيد تدوير خلافات القرون الماضية.
ربما لم يعد السؤال الأهم: لماذا ظلّ العالم العربي متأخرًا؟ فقد استُهلك هذا السؤال طويلًا حتى كاد يفقد قدرته على الصدمة. السؤال الأكثر إيلامًا اليوم هو: لماذا لا يزال جزء كبير من هذا العالم، ومعه نخبه المحسوبة عليه، يخوض معارك فكرية تجاوزها الآخرون، في اللحظة نفسها التي يشهد فيها الكوكب ثورة حضارية غير مسبوقة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعيد تعريف المعرفة والعمل والسلطة ومستقبل الإنسان نفسه؟
إن أخطر ما يواجه العالم العربي اليوم ليس إسرائيل، ولا إيران، ولا حتى التدخلات الدولية، على فداحة كل ذلك وجسامة أثره. الخطر الأكبر أن المنطقة صارت تستهلك مستقبلها في إعادة إنتاج ماضيها، وتُنفق طاقتها الرمزية والمادية على تسوية حسابات قديمة بدلاً من فتح حساب جديد في بنك المعرفة العالمي.
فبينما تستثمر الدول الكبرى مئات المليارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية واقتصاد الفضاء، لا تزال مساحات واسعة من الشرق الأوسط تستثمر في الخطابات الطائفية، والانقسامات المذهبية، وصناعة الكراهية كسلعة سياسية رائجة. وبينما تتنافس الجامعات العالمية على استقطاب أفضل العقول، تتنافس بعض مجتمعاتنا على احتكار الحقيقة وإقصاء المختلف، أي مفارقة أشد قسوة من هذه؟
تعريف القوة تغيَّر جذرياً
لقد انقلب معنى القوة رأساً على عقب. لم تعد الدولة القوية هي التي تمتلك أكبر جيش، بل التي تمتلك أضخم قاعدة بيانات، وأفضل جامعات، وأقوى منظومة ابتكار، وأكثر العقول جسارةً على التجريب. ولم تعد السيادة تُحمى على الحدود وحدها، بل داخل الخوادم الرقمية، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، وسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية التي تكفي عرقلتها لتعطيل اقتصاد دولة كاملة دون طلقة واحدة.
لقد دخل العالم عصر «حروب الخوارزميات»، بينما لا يزال الشرق الأوسط عالقاً في «حروب القبائل السياسية». وهذه ليست مبالغة بلاغية، بل توصيف لواقع جديد صار من الترف تجاهله.
القرن الحادي والعشرون لا ينتظر أحداً. التكنولوجيا لا تؤجّل نفسها حتى تنتهي الحروب الأهلية والإقليمية، والاقتصاد الرقمي لا يتوقف حتى تُحلّ النزاعات الأيديولوجية، والذكاء الاصطناعي لا يسأل عمّن انتصر في معركة تعود إلى ألف عام، الزمن نفسه أصبح طرفاً في الصراع، ومن يخسره لا يستعيده بالخطابة ولا بالتعويضات.
ولهذا صار الحديث المتكرر عن «اللحاق بالغرب» حديثاً متجاوزاً. فالغرب نفسه لم يبقَ مركز المنافسة الوحيد؛ إذ تُثبت الصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة أن المستقبل يُصنع بالاستثمار في الإنسان، لا بالإقامة الدائمة داخل عقدة الماضي. لقد انتقلت هذه الدول من سؤال الهوية إلى سؤال القدرة، ومن مساءلة التاريخ إلى مساءلة الأداء.
هنا تكمن المفارقة الكبرى: الشرق الأوسط يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لم يعرف مثلها منذ قرنين. فهناك بعض الدول بدأت التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد المعرفة، ومن الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية التكنولوجيا، ومن استيراد الابتكار إلى محاولة إنتاجه محلياً. لكن هذه التحولات ستبقى جزراً معزولة ما دام الإقليم بمجموعه يعيش بمنطق الدولة الهشة، والميليشيا، والاقتصاد السياسي للحروب.
فلا يمكن بناء «وادي سيليكون» عربي وسط جغرافيا تتغذى على الفوضى، إذ إن رأس المال المعرفي أكثر جبناً من رأس المال المالي؛ يهاجر عند أول إشارة خطر. ولا يمكن أن تزدهر الجامعات ومراكز الأبحاث في بيئة يُعدّ فيها التفكير الحر تهديداً لا ثروة. ولا يمكن الحديث عن اقتصاد المستقبل بينما معارك الهوية تلتهم الحاضر بالكامل.
من صراع حضارتين إلى صراع زمنين
إن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نواجه الغرب؟ بل: كيف نواجه التخلف الذي استوطن مؤسساتنا، ومناهجنا التعليمية، وثقافتنا السياسية؟ لقد تحوّلت المعركة من صراع بين حضارتين إلى صراع بين زمنين: زمن يراكم المعرفة، وزمن يراكم الأحقاد؛ زمن يبني الإنسان، وزمن يستهلكه؛ زمن يصنع المستقبل، وزمن يحاكمه بمنطق الماضي.
وهنا يجب أن تكون المراجعة أكثر جرأة. فالنهضة العربية لم تفشل لأنها واجهت الاستعمار فقط، بل لأنها لم تنتج ثورة معرفية تحرّر العقل قبل أن تحرّر الأرض. وبعد الاستقلال كرّرت الدولة العربية الخطأ ذاته: بنت الجيوش قبل الجامعات، وأعلت الولاء على الكفاءة، ورأت في السيطرة على المجتمع مهمة أهم من إطلاق طاقاته. وكانت النتيجة أنها دخلت الثورة الرقمية بمؤسسات تعمل بعقلية القرن الماضي وبيروقراطية تخشى السؤال أكثر مما تخشى الفشل.
إن الذكاء الاصطناعي لا يهدد الوظائف وحدها، بل يهدد نموذج الدولة التقليدية ذاته. فالدول التي لا تملك القدرة على إنتاج المعرفة ستتحول تدريجياً إلى أسواق تستهلك ما ينتجه الآخرون، وإلى مجتمعات تتلقى القرارات التكنولوجية بدلاً من المشاركة في صناعتها، ثم تكتشف متأخرة أن قيمها ولغتها وحتى ذاكرتها الجماعية باتت تُبرمَج خارج حدودها.
ولهذا فإن معركة الشرق الأوسط المقبلة لن تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل في الجامعات، ومختبرات البحث، وشركات التكنولوجيا، ومدارس البرمجة، ومراكز الابتكار. هناك تُرسم خرائط النفوذ الجديدة، وهناك تتحدد مكانة الأمم في النظام العالمي القادم.
أن تربح السياسة وتخسر الحضارة
إن أخطر ما يمكن أن يفعله العالم العربي اليوم هو أن يربح معركة سياسية ويخسر معركة الحضارة. فالتاريخ مليء بإمبراطوريات انتصرت عسكرياً ثم اندثرت لأنها عجزت عن مواكبة التحولات الكبرى في المعرفة والإنتاج، فبقيت أسماؤها في الكتب وغابت آثارها عن الحياة.
العالم لا ينتظر المترددين، والتاريخ لا يكافئ من يكرّر الأسئلة القديمة، بل من يجرؤ على طرح أسئلة جديدة. ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس أن نعيد تفسير صدمة نابليون، بل أن نستوعب صدمة الذكاء الاصطناعي قبل أن تتحول هي الأخرى إلى فصل جديد في كتاب طويل من الفرص الضائعة. فالأمم لا تسقط عندما تُهزم في الحرب، بل عندما تُصرّ على إدارة المستقبل بعقلٍ صاغه الماضي.
حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...
ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...