

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران وواشنطن؟ وكيف يمكن لعواصم خليجية مثل الدوحة والرياض ومسقط، وهي جزء من منظومة خليجية تضررت مباشرة من سياسات إيران الإقليمية، أن تدعو إلى التهدئة، وأن تضغط في بعض اللحظات من أجل منع ضربة أمريكية واسعة قد تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية؟
يُطرح السؤال وكأن هناك تناقضًا أخلاقيًا أو ارتباكًا استراتيجيًا: إما أن تكون ضد الاعتداء الإيراني فتطالب بالحرب، أو أن تدعو إلى التفاوض فتبدو وكأنك تنقذ إيران من تبعات أفعالها. هذه الثنائية، على جاذبيتها الخطابية، لا تعكس الطريقة التي تُدار بها الدول ولا الطريقة التي تُحسب بها المصالح. فالمشكلة ليست في موقف العواصم الخليجية، بل في افتراض أن الدفاع عن النفس لا يكتمل إلا بتوسيع الحرب.
الجغرافيا لا تُدار بالغضب
هناك فارق جوهري بين نظرة واشنطن إلى المواجهة مع إيران ونظرة عواصم الخليج إليها. الولايات المتحدة تستطيع أن تخوض مواجهة عسكرية في المنطقة ثم تعيد انتشار قواتها، أو تخفض حضورها، أو تغير أولوياتها. أما دول الخليج فلا تستطيع أن تغير موقعها على الخريطة.
إيران ستبقى على الضفة الأخرى من الخليج، ومضيق هرمز سيبقى الشريان البحري الأقرب، والمدن الخليجية ومنشآت الطاقة والمطارات ومحطات تحلية المياه ستظل ضمن مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. ومن هنا فإن الحرب، بالنسبة إلى القوة الخارجية، قد تكون خيارًا سياسيًا أو عسكريًا؛ أما بالنسبة إلى دول الخليج فهي واقع جغرافي مباشر.
ولهذا فإن الدعوة إلى وقف التصعيد ليست تعبيرًا عن التعاطف مع إيران، وإنما عن إدراك بسيط لمعادلة المصالح. من السهل أن يطالب طرف بعيد بضرب إيران حتى النهاية، لكنه لن يكون أول من تُغلق أمامه الممرات الجوية، أو تتعرض منشآته الحيوية للخطر، أو تتوقف صادراته، أو تتحول مدنه إلى جزء من مسرح العمليات. الدول التي ستدفع الثمن أولًا هي نفسها الدول التي يطالبها البعض بأن تكون الأكثر حماسة للحرب.
هنا تحديدًا يقع الخلط. فدول الخليج لم تتخلَّ عن حقها في الدفاع عن نفسها، ولم تقف موقف المتفرج أمام الاعتداءات الإيرانية. لقد عززت دفاعاتها الجوية، ورفعت مستوى جاهزيتها، وواجهت الصواريخ والمسيّرات منذ بداية الحرب الى اليوم، وحمت أجواءها ومنشآتها بأقصى ما تستطيع. لكن امتلاك القدرة على الدفاع لا يعني أن تتحول الدولة إلى داعية لحرب مفتوحة.
يمكن للدولة أن تعترض الصاروخ، وتدين مطلقه، وترفع كلفة الاعتداء، وفي اللحظة نفسها تعمل لمنع الجولة التالية. ليس في ذلك تناقض، بل هذا تحديدًا ما تفعله الدول التي تفكر بمنطق الأمن القومي لا بمنطق الثأر السياسي. فالسياسة الخارجية ليست مسابقة في رفع الصوت. والسؤال ليس من أصدر البيان الأكثر غضبًا، بل من استطاع أن يحمي بلده، ويحد من التصعيد، ويمنع خصمه من فرض إيقاع الأزمة عليه.
الوساطة ليست مكافأة لإيران
القول إن الوساطة القطرية أو العمانية تنقذ إيران يفترض ضمنًا أن وظيفة الوسيط هي مكافأة أحد الطرفين. وهذا فهم قاصر لطبيعة الوساطة. الوسيط لا يصبح حليفًا للطرف الذي ينقل رسالته، كما أن التفاوض مع الخصم لا يعني تبني منطقه. قيمة الوسيط تنشأ أساسًا من قدرته على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في اللحظة التي تصبح فيها القنوات الرسمية عاجزة أو مسدودة.
وقوة الوساطة القطرية بالتحديد في هذا السياق ليست أنها محايدة أخلاقيًا تجاه الاعتداءات، وإنما أنها استطاعت بناء علاقة تسمح لها بالتحدث مع واشنطن وطهران في الوقت نفسه، ونقل الرسائل، وتخفيف سوء الحساب، وخلق مساحة لصفقة حين تصبح البدائل العسكرية أكثر كلفة.
ومن يطالب الدوحة بالتخلي عن هذه القدرة بعد كل أزمة إنما يطالبها، من حيث لا يدري، بالتنازل عن إحدى أهم أدوات النفوذ الإقليمي. فالدول الصغيرة والمتوسطة لا تملك دائمًا حاملات طائرات أو جيوشًا جرارة، لكنها تستطيع امتلاك قدرة على الوصول، وثقة متبادلة، وقنوات لا يستطيع الآخرون فتحها. وهذه ليست خدمة مجانية، بل أصل استراتيجي.
ثم هناك سؤال ينبغي قلبه على أصحابه: حين تسعى قطر أو السعودية أو عُمان أو غيرها إلى إيقاف ضربة واسعة على إيران، هل هي حقًا تنقذ طهران، أم تنقذ المنطقة من رد إيراني قد يقع معظمه على دول الخليج؟ أي ضربة أمريكية كبيرة على إيران لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية. الرد المحتمل قد يطال القواعد العسكرية، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والملاحة في مضيق هرمز، وشبكات الكهرباء والاتصالات، وربما المدن والمطارات.
وعندها لن يكون النقاش نظريًا حول ما إذا كانت إيران تستحق العقاب، بل عمليًا حول من سيدفع ثمن هذا العقاب. ليس كل من يعارض ضربة عسكرية معارضًا للردع، كما أن ليس كل من يدعو إلى الحرب أكثر حرصًا على أمن الخليج. في بعض اللحظات قد يكون منع الحرب هو القرار الأكثر صرامة، لأن الدولة التي تعرف قدرتها على الرد وتختار مع ذلك عدم توسيع المواجهة تمارس ضبطًا استراتيجيًا، لا ضعفًا.
الردع والتفاوض ليسا نقيضين
المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به السياسة الخليجية ليس مقدار الضرر الذي يمكن إلحاقه بإيران، بل مقدار الأمن الذي يمكن تحقيقه للخليج. هذه نقطة يغفل عنها الخطاب الانفعالي. فالغاية من السياسة ليست الانتقام من الخصم، وإنما حماية الدولة. وإذا كانت ضربة معينة ستضعف منشأة عسكرية إيرانية لكنها في الوقت نفسه ستفتح دورة تصعيد لسنوات، فإن تقييمها لا يكون بعدد الأهداف التي دُمرت، بل بالواقع الأمني الذي ستتركه خلفها.
تجارب المنطقة خلال العقدين الماضيين كافية لتعليم هذا الدرس. حروب كثيرة بدأت تحت عنوان الحسم وانتهت إلى فراغات أمنية، وميليشيات أقوى، واقتصادات منهكة، ودول أكثر هشاشة. لا يعني ذلك أن الدبلوماسية تنجح دائمًا، ولا أن إيران يجب أن تُعفى من مسؤولية أفعالها. لكنه يعني أن المقارنة الحقيقية ليست بين حرب مضمونة النجاح ودبلوماسية مترددة، بل بين خيارات كلها ناقصة، وعلى الدولة العاقلة أن تختار الأقل كلفة والأكثر قدرة على حماية مصالحها.
ربما تكون أهم فكرة غائبة عن هذا النقاش هي أن الردع والدبلوماسية ليسا طريقين متعارضين. الدبلوماسية من دون قدرة على الردع قد تتحول إلى توسّل، لكن الردع من دون سياسة قد يتحول إلى سلسلة لا تنتهي من الضربات والضربات المضادة.
المعادلة الخليجية الأكثر نضجًا هي الجمع بين الاثنين: بناء قدرات دفاعية تمنع الخصم من فرض إرادته بالقوة، وفي الوقت ذاته الإبقاء على خطوط سياسية تحول دون انتقال كل حادثة إلى حرب إقليمية. وهذا ما يفسر أن دول الخليج تستطيع، بلا تناقض، أن تعترض الصواريخ الإيرانية في السماء ثم تجلس إلى طاولة التفاوض في اليوم التالي. ليس لأنها نسيت من أطلق الصاروخ، بل لأنها تعرف أن اعتراض الصاروخ يحمي المدينة اليوم، بينما منع الحرب قد يحميها غدًا.
المفارقة إذن ليست أن قطر تتعرض للتهديد ثم تتوسط. المفارقة أن البعض يعتقد أن الدولة تثبت قوتها فقط عندما ترفض الوساطة وتطالب بالمواجهة. هذا منطق يصلح للخطابات أكثر مما يصلح لإدارة الدول.
القوة لا تعني أن تخوض كل حرب تستطيع خوضها، بل أن تختار المعركة التي تخدم مصالحك وأن ترفض تلك التي يستخدمك الآخرون فيها كساحة. والسيادة لا تُقاس بحدة البيانات، بل بقدرة الدولة على حماية شعبها واقتصادها ومستقبلها.
يمكن الاختلاف مع إيران، وردعها، ومحاسبتها، والاستعداد لمواجهتها إذا فُرضت المواجهة، وفي الوقت نفسه رفض تحويل الخليج إلى ميدان حرب دائمة. ذلك ليس تناقضًا. تلك هي السياسة.
ومن يطلب من دول الخليج أن تشعل المنطقة لإثبات أنها ضد إيران، يشبه من يطلب من صاحب المنزل أن يحرق بيته كي يعاقب جارًا سيئًا. فالحكمة ليست في امتلاك القدرة على إشعال الحرب، بل في امتلاك القوة التي تمنع فرضها عليك، والبصيرة التي تميّز بين اللحظة التي يصبح فيها الرد ضرورة، واللحظة التي يكون فيها ضبط النفس أكثر شجاعةً وحكمة. فالسياسة الرشيدة لا تُقاس بمن يبدأ الحرب، بل بمن يعرف كيف يمنعها من أن تبتلع دولته والمنطقة بأسرها.
لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...
حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...
ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...