

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل بمن خرج أقوى سياسيًا، وأكثر أمنًا، وأفضل اقتصادًا، وأوسع نفوذًا.
المثير للشفقة أنه في أدبيات جل الأنظمة الثورية، لا يُقاس الانتصار بما تكسبه الدولة، بل بما تتحمله من خسائر. فكلما ازداد الدمار، ارتفع منسوب الخطاب عن «الصمود». وكلما اتسعت دائرة العقوبات والانهيار الاقتصادي، قُدِّم ذلك باعتباره دليلاً على أن العدو فشل في كسر الإرادة. وهكذا يتحول البقاء بحد ذاته إلى إنجاز، وتصبح القدرة على تلقي الضربات مرادفًا للنصر.
هناك العديد من أنظمة نجت من الحروب لكنها خرجت منها منهكة. فالاتحاد السوفييتي لم ينهر في أفغانستان نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة، بل لأن الحرب استنزفت اقتصاده، وأضعفت شرعيته، وقلّصت قدرته على الاستمرار كقوة عظمى.
وصربيا في عهد سلوبودان ميلوشيفيتش لم تسقط أثناء القصف، لكنها خرجت أكثر عزلة وأقل قدرة على الحفاظ على مشروعها الإقليمي. أما العراق بعد عام 1991، فلم يسقط نظامه فورًا، غير أنه فقد معظم أدوات قوته الإقليمية ودخل في مرحلة استنزاف طويلة انتهت بسقوطه بعد سنوات. والدرس في هذه الحالات جميعًا واحد: قد يبقى النظام بينما تخسر الدولة.
تآكل النفوذ الإقليمي
لم يكن المشروع الإيراني مشروعًا دفاعيًا بقدر ما كان مشروعًا لإبعاد الحرب عن الأراضي الإيرانية. فقد استندت العقيدة الأمنية للجمهورية الإسلامية إلى بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في الشرق الأوسط، وقد منحت هذه الاستراتيجية طهران ميزتين أساسيتين: ردع خصومها عبر تعدد الجبهات من جهة، وخفض كلفة أي مواجهة مباشرة على الداخل الإيراني من جهة أخرى.
لهذا السبب استثمرت إيران موارد مالية وعسكرية وسياسية هائلة في بناء ما أطلقت عليه «محور المقاومة»، الذي لم يكن مجرد تحالف أيديولوجي، بل كان رأس المال الاستراتيجي الأكبر الذي راكمته الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. لكن الحروب الأخيرة كشفت حقيقة مختلفة تمامًا، إذ لم يعد هذا المحور يتمتع بالقدرة نفسها التي امتلكها قبل سنوات قليلة، بل بات يتعرض لأوسع عملية استنزاف منذ نشأته.
لماذا أصبحت إيران تقاتل من الخليج؟
من السهل تفسير انتقال المواجهة إلى الخليج باعتباره تصعيدًا إيرانيًا جديدًا، لكن القراءة الأعمق تشير إلى العكس تمامًا: إيران لا تعتمد اليوم بصورة متزايدة على الخليج لأنها أصبحت أقوى، وإنما لأنها فقدت تدريجيًا جزءًا كبيرًا من قدرتها على استخدام ساحاتها التقليدية.
في لبنان، دخل حزب الله مرحلة مختلفة عن تلك التي عرفها خلال العقدين الماضيين، إذ لم تقتصر الضربات التي تعرض لها على خسائر بشرية، بل مسّت جزءًا من بنيته القيادية والعسكرية، وفرضت عليه أولويات دفاعية لم تكن مطروحة من قبل.
أما سوريا، التي شكّلت لعقود الجسر اللوجستي الأهم بين إيران وشرق المتوسط، فلم تعد البيئة نفسها التي كانت تسمح لطهران بحرية الحركة، بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والتحولات السياسية والإقليمية.
وحتى العراق، الذي طالما اعتُبر العمق الاستراتيجي الأكثر استقرارًا لإيران، أصبح أكثر تعقيدًا، فالدولة العراقية تسعى إلى تقليص كلفة الصراع الإقليمي، بينما تواجه الفصائل المسلحة ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة تجعل هامش حركتها أضيق بكثير مما كان عليه سابقًا.
بهذا المعنى، فإن انتقال مركز الثقل نحو الخليج لا يعكس توسعًا في المشروع الإيراني، بل يكشف عن انكماشه.
يستطيع النظام الإيراني أن يسيطر على المجال السياسي الداخلي، وأن يحتوي الاحتجاجات، وأن يشدد القبضة الأمنية، لكن لا توجد دولة قادرة على تعطيل قوانين الاقتصاد. فالاقتصاد لا يستجيب للخطاب الثوري، وإنما للمؤشرات الفعلية، وكل حرب طويلة تعني استثمارات أقل، وتضخمًا أعلى، وعملة أضعف، وفرص عمل أقل، وهروبًا أوسع لرأس المال والكفاءات.
والأهم من ذلك أن النفوذ الخارجي أصبح أكثر كلفة من أي وقت مضى؛ فالحلفاء الذين كانوا يمثلون أدوات قوة باتوا يحتاجون إلى موارد إضافية لمجرد ضمان بقائهم، في وقت تتقلص فيه قدرة الاقتصاد الإيراني على تمويلهم. ومع مرور الوقت، تتحول معادلة النفوذ إلى معادلة استنزاف.
أخطر أوهام النظام
ربما لا يواجه النظام الإيراني خطر انتفاضة داخلية وشيكة، لكن ذلك لا يعني أنه يربح. فالأنظمة لا تنهار عبر الثورات فحسب، بل قد تتآكل تدريجيًا حين تصبح كلفة سياساتها الخارجية أكبر من قدرة اقتصادها على تحمّلها. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: فكلما طال أمد الصراع، ازدادت صعوبة إعادة بناء شبكات النفوذ التي استغرق تأسيسها عقودًا. ذلك أن القيادات يمكن تعويضها، لكن الثقة لا تُشترى، والأسلحة يمكن تصنيعها، لكن البيئات السياسية التي تسمح بالنفوذ لا تُستنسخ بسهولة. ولهذا فإن الزمن لا يعمل لمصلحة إيران كما يعتقد كثير من أنصارها، بل يعمل ضدها.
أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس خسارة معركة، بل فقدان القدرة على الاعتراف بحجم الخسارة. فعندما يصبح مجرد البقاء معيارًا للنصر، ينخفض سقف الطموح من بناء قوة إقليمية إلى مجرد المحافظة على النظام؛ وعندما يتحول امتصاص الضربات إلى إنجاز استراتيجي، يصير الاستنزاف سياسة، وتتحول الخسائر المتراكمة إلى تفاصيل لا تستحق المراجعة. وهذه ليست لغة الدول الصاعدة، بل لغة القوى التي تحاول إبطاء تراجعها.
قد يبقى النظام الإيراني سنوات أخرى، وربما ينجح في منع خصومه من تحقيق هدف إسقاطه، لكن بقاء النظام لا يعني بالضرورة بقاء المشروع. فالأسئلة التي ستحدد مستقبل إيران ليست ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية قد سقطت، بل ماذا بقي من نفوذها الإقليمي، وما حجم ما خسرته من أدوات الردع، وهل خرجت من هذه الحرب أكثر قدرة على تشكيل الشرق الأوسط أم أكثر انشغالًا بالدفاع عن نفسها؟.
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...
حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...
ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...