alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر

عدد المقالات 15

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 31 أغسطس 2026
تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 02 سبتمبر 2026
العرب ومعركة الحاضر والمستقبل
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 31 أغسطس 2026
التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

31 أغسطس 2026 , 10:33م

ليست كل المفاوضات بحاجة إلى طاولة تجمع أطرافها، كما أن غياب الإعلان الرسمي عنها لا يعني بالضرورة توقف قنوات التفاهم والتفاوض، ففي بعض الأزمات، قد تصل الدول إلى مرحلة تصبح فيها حاجتها إلى الحوار أكبر من قدرتها على تحمل كلفة الاعتراف به علنًا. عندها، لا تتوقف العملية التفاوضية، وإنما تتخذ أشكالًا أقل وضوحًا، إذ تنتقل الرسائل من التصريحات والمواقف المعلنة إلى أنماط السلوك وحدود الاستجابة: تهديد يلوح به ولا ينفذ، أو رد يجري احتواؤه، أو خطوة تصعيدية يتراجع عنها، أو مساحة تترك للطرف الآخر من دون إعلان. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح ما تمتنع الدول عن فعله أحيانًا أكثر دلالة مما تقوله، ويتحول الصمت من مجرد غياب للكلام إلى أداة تحمل رسائل سياسية مقصودة. ومن هنا تبرز دبلوماسية الصمت بوصفها نمطًا من التفاوض غير المعلن، تلجأ إليه الدول عندما تصبح كلفة التصريح بمواقفها أعلى من كلفة التعبير عنها عبر السلوك.
وتزداد أهمية دبلوماسية الصمت حين يضيق الخطاب العلني هامش المناورة السياسية، بحيث يصبح تعديل المواقف المعلنة أكثر كلفة من إرسال الرسائل عبر السلوك. عندها، لا تتوقف المساومة، بل تنتقل إلى مستوى أقل وضوحًا، تصبح فيه دلالة الأفعال مرتبطة أحيانًا بما تختار الدول الامتناع عنه. فالتهديد الذي لا ينفذ، والرد العسكري الذي يجري احتواؤه، والهدف الذي يستبعد من دائرة الاستهداف، أو إجراء خطوة تصعيدية لمنح الوسطاء فرصة إضافية، ليست بالضرورة مؤشرات على التردد أو غياب القرار، بل قد تكون إشارات محسوبة تهدف إلى كشف النوايا واختبار استعداد الطرف الآخر للاستجابة.
وهنا يبرز مفهوم المساومة الضمنية بوصفه إطارًا يساعد على فهم هذا النوع من التفاعل، فالخصوم لا يحتاجون دائمًا إلى مفاوضات رسمية لمعرفة حدود بعضهم بعضًا، إذ يمكنهم، من خلال مراقبة أنماط الفعل والاستجابة، اكتشاف الخطوط التي لا يرغب الطرف الآخر في تجاوزها، وتقدير مستوى الضغط الذي يمكن ممارسته من دون دفع الأزمة نحو مواجهة أشمل. ومع تكرار هذه الإشارات، قد تتشكل تدريجيًا قواعد غير مكتوبة تضبط إيقاع التصعيد وتحدد مساحته، حتى في غياب أي اتفاق معلن.
وفي هذا السياق، قد يحمل ما لا يحدث دلالة سياسية لا تقل أهمية عما يحدث بالفعل، فعندما يمتنع أحد الطرفين عن التصعيد رغم قدرته عليه، ويقابل الطرف الآخر ذلك بسلوك مماثل، قد يبدأ تدريجيًا تشكل نوع من التفاهم غير المعلن حول الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها المواجهة. ولا يمثل ذلك اتفاقًا بالمعنى التقليدي، لكنه قد يؤسس لقواعد ضمنية تساعد على احتواء الأزمة، وتمنح الطرفين مساحة لاختبار إمكانية الانتقال لاحقًا نحو مسار دبلوماسي أكثر وضوحًا.
قد تمثل المساومة الضمنية مرحلة انتقالية بين المواجهة والدبلوماسية الرسمية، إذ تتيح للأطراف اختبار النوايا واستكشاف حدود الممكن قبل تحمل الكلفة السياسية المترتبة على تعديل مواقفها المعلنة. ومع تراكم الإشارات المتبادلة وظهور قدر من الانضباط في إدارة التصعيد، يمكن أن تتشكل ظروف جديدة تسمح بالعودة إلى المسار الدبلوماسي من دون أن تبدو تلك العودة تراجعًا أو تنازلًا، بل استجابة لتحول طرأ على معطيات الأزمة.
وعليه، قد لا يكون أول مؤشر على تغير مسار المواجهة إعلانًا عن استئناف المفاوضات، بل ربما يظهر في تفاصيل تبدو أقل وضوحًا، فالدبلوماسية لا تبدأ دائمًا بإعلان، وقد تكون أكثر حضورًا في اللحظة التي يقل فيها الكلام وتزداد فيها دلالة السلوك. ومن هنا، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت المفاوضات الرسمية قد بدأت أو استؤنفت، بل فيما هو أبعد من ذلك: متى يصبح الصمت في الأزمات شكلًا من أشكال التفاوض، وكيف يمكن إدراك أن الأطراف بدأت بالفعل في المساومة قبل أن تكون مستعدة سياسيًا للاعتراف بذلك؟

الردع المفقود: مأزق القوة في مواجهة الوكلاء

يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة...

الانتصار الذي لا يصنع نصراً.. فخ النجاح التكتيكي

نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...

الحرب التي لا يريدها أحد: مفارقة الحسابات الخاطئة

تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...

الوساطة الشبكية وإدارة الأزمات: لماذا لم يعد نموذج الوسيط الواحد كافياً؟

الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...

عندما تصبح القوة غير قابلة للاستخدام

تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....

التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني

لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...

حافة الهاوية: إدارة الصراع في المنطقة الرمادية

في المشهد الدولي الراهن، لم تعد سياسة حافة الهاوية مرادفًا للاقتراب من الحرب فحسب، بل أصبحت أسلوبًا متكاملًا لإدارة التنافس بين القوى المتصارعة، فالدول لم تعد تسعى بالضرورة إلى خوض الحروب، وإنما إلى توظيف الضغوط...

من الصراع الصفري إلى الرابح - الرابح.. حدود التسوية في المواجهة الأمريكية - الإيرانية

رغم الجاذبية النظرية التي يتمتع بها مفهوم «الرابح-الرابح»، فإن تطبيقه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بالأمن القومي وتوازنات القوة، حيث لا تقاس المكاسب بما يتحقق من منافع فقط، بل بما يحافظ عليه...

القوة الناعمة بين منطق الوساطة وحسابات الهيمنة

أصبحت القوة الناعمة أكثر من مجرد أداة لتحسين الصورة أو تعزيز الحضور الدبلوماسي، بل غدت جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ وإدارة الصراع في المنطقة، فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الوساطة، والدبلوماسية، وإدارة...

الغموض البنَّاء: من أداة دبلوماسية لإنهاء الصراع إلى إستراتيجية لإدارة الردع

لم يعد الغموض البنَّاء في البيئة الإستراتيجية المعاصرة مجرد أداة دبلوماسية لتخفيف التوتر أو تأجيل المواجهة، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من بنية الردع ذاتها، ففي الحروب شديدة التعقيد لم تعد الأطراف تسعى بالضرورة إلى...

إستراتيجية الخروج: آليات اتخاذ القرار ومنطق الفوضى

تكشف الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران عن واحدة من أكثر إشكاليات الصراع تعقيدًا، والمتمثلة في غياب التوافق السياسي حول كيفية إنهاء الحرب ومعنى «النهاية» ذاتها. فجوهر الخلاف لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد...

إنهاء الحرب مقابل إنهاء الحرب

لم يعد «إنهاء الحرب» في النزاعات يشير إلى لحظة حاسمة تُطوى فيها المواجهة بنتيجة نهائية واضحة، بل مفارقة إستراتيجية مركبة: فإما أن يُفهم بوصفه سعيًا لتفكيك قدرات الخصم بشكل جذري، أو كنهج يهدف إلى ضبط...