alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 25

أفول عصر المعونات الأمريكية

06 أغسطس 2026 , 12:30ص

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف آخر لا يقل أهمية، وإن كان بعيدًا عن الأضواء الإعلامية. فقد احتل مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية لحلفاء واشنطن، مساحة متزايدة من تلك الحوارات. 
وكان اللافت أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل دعم حلفائها، إنما حول الطريقة التي سيُعاد بها تعريف هذا الدعم في ظل التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي تشهدها الولايات المتحدة، وتصاعد الضغوط على الإنفاق الفيدرالي، وتغير أولويات الرأي العام الأمريكي.
على مدى عقود، استخدمت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية والاقتصادية كأحد أهم أدواتها لبناء تحالفاتها العالمية وحماية مصالحها الاستراتيجية. إلا أن خريطة هذه المساعدات أصبحت اليوم أكثر تركيزًا من أي وقت مضى، ولم يعد هناك سوى عدد محدود من الدول التي تتلقى دعمًا عسكريًا أمريكيًا كبيرًا بصورة منتظمة.
في مقدمة هذه الدول تأتي أوكرانيا، التي حصلت منذ اندلاع الحرب مع روسيا على عشرات المليارات من الدولارات في صورة مساعدات عسكرية وأمنية واقتصادية، لكنها تبقى مساعدات استثنائية مرتبطة بظروف الحرب وليست برنامجًا دائمًا. 
وتأتي بعدها إسرائيل، التي تحصل بموجب مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن على 3.8 مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية، وهو أكبر برنامج مساعدات أمريكي ثابت لدولة واحدة. 
كما تحصل مصر على نحو 1.3 مليار دولار سنويًا من التمويل العسكري الأمريكي منذ اتفاقية كامب ديفيد، بينما يتلقى الأردن ما يقارب 1.65 مليار دولار سنويًا تشمل مساعدات اقتصادية وعسكرية وأمنية، ما يجعله أحد أكبر متلقي المساعدات الأمريكية قياسًا بحجم اقتصاده. 
لكن التشابه في تلقي المساعدات لا يعني تشابه الخيارات الاستراتيجية، فأوكرانيا تعتمد على استمرار الحرب والدعم الغربي، ولا يمكن اعتبار نموذجها حالة مستقرة. أما مصر والأردن، فإن المساعدات الأمريكية تمثل ركيزة أساسية في منظومتهما الدفاعية والمالية، ولا يمتلك أي منهما حتى الآن بديلًا صناعيًا أو تكنولوجيًا قادرًا على تعويضها إذا قررت واشنطن مستقبلاً تقليصها أو إعادة هيكلتها. 
أما إسرائيل، فلأكثر من نصف قرن، مثل الدعم العسكري نقطة إجماع نادرة داخل السياسة الأمريكية. كان الجمهوريون والديمقراطيون يتنافسون على إظهار من هو الأكثر التزامًا بأمن إسرائيل، بينما كانت المساعدات العسكرية تمر في الكونغرس دون نقاش يُذكر.
لكن حرب غزة لم تغير صورة إسرائيل في الشرق الأوسط فقط، بل أعادت تشكيل صورتها داخل الولايات المتحدة نفسها. فبينما كانت الإدارات الأمريكية تخوض معاركها الدبلوماسية دفاعًا عن إسرائيل، كانت استطلاعات الرأي تكشف تحولات متسارعة، خصوصًا بين الشباب والديمقراطيين، تجاه الدعم غير المشروط. 
وفي الوقت نفسه، بدأ جناح متنامٍ داخل الحزب الجمهوري يتساءل بلغة مختلفة: لماذا يستمر دافع الضرائب الأمريكي في تمويل دول أخرى بينما ترتفع الديون الفيدرالية إلى مستويات غير مسبوقة؟
هكذا التقى اليسار التقدمي مع اليمين الانعزالي، ليس لأنهما يتفقان على إسرائيل، بل لأنهما يرفضان استمرار السياسة القديمة. 
لكن ما يجري اليوم داخل الكونغرس لا يهدف إلى ضمان استمرار مبلغ 3.8 مليار دولار، بل إلى بناء مرحلة تتجاوز هذا النموذج أصلًا. فالتعديلات الجديدة في مشروع قانون الدفاع الوطني الأمريكي (NDAA) توسع التعاون ليشمل الإنتاج المشترك في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والأنظمة المستقلة، والتكنولوجيا الحيوية، والدفاع ضد الطائرات المسيّرة، وغيرها من الصناعات التي ستقود القوة العسكرية في العقود المقبلة.
الأكثر ذكاءً في هذه التحركات أنها لا ترتبط بقوانين المساعدات الخارجية، بل أُدرجت داخل قانون الدفاع الوطني، وهو التشريع الذي يحدد موازنة الجيش الأمريكي ورواتب جنوده وسياسات الأمن القومي، ويُعد من القوانين التي يصعب جدًا إسقاطها. وهكذا، ينتقل الدعم من كونه قرارًا في السياسة الخارجية إلى كونه جزءًا من المنظومة الدفاعية الأمريكية.
وهذا يعني أن واشنطن لا تستعد فقط لاحتمال تراجع المساعدات، بل تعمل على خلق بديل يجعل العلاقة مع إسرائيل أقل اعتمادًا على الاعتمادات السنوية التي يصوت عليها الكونغرس، وأكثر ارتباطًا بمصالح صناعية وتكنولوجية يصعب فصلها بقرار سياسي.
ومن هنا تكمن المفارقة. فإذا قررت الولايات المتحدة يومًا إعادة النظر في برامج المساعدات الخارجية تحت ضغط الدين العام أو تغير المزاج السياسي أو صعود تيار «أمريكا أولًا»، فمن المرجح أن تكون مصر والأردن أكثر عرضة لتأثير هذا التحول، لأن نموذج العلاقة معهما لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على التمويل المباشر. 
لم يكن من قبيل المصادفة أن يعارض هذه الخطوة كل من الديمقراطي رو خانا والجمهوري توماس ماسي، رغم التباعد الفكري الهائل بينهما. فالأول يرى أن الكونغرس يجب أن يحتفظ بحقه في مراجعة العلاقة مع إسرائيل وألا تتحول إلى التزام دائم خارج الرقابة السياسية.
أما الثاني، فيرفض أصلًا أن تستمر الحكومة الأمريكية في توسيع التزاماتها الخارجية على حساب دافع الضرائب. إنهما يمثلان تيارين مختلفين، لكنهما يوجهان الرسالة نفسها: الشيك المفتوح لم يعد يتمتع بالإجماع الذي حماه لعقود.
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن هذه التطورات تعني تراجعًا في العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية. فالتحالف يعيد تشكيل نفسه. الإدارة الحالية في واشنطن لا تبحث عن الانسحاب من دعم إسرائيل، وإنما عن صيغة تجعل هذا الدعم أقل تكلفة سياسيًا وأكثر ارتباطًا بالمصالح الأمريكية المباشرة.
فالتحالفات التي تعتمد على الأموال وحدها تصبح رهينة الانتخابات، أما التحالفات التي تعتمد على التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد فتتحول إلى مصالح يصعب على أي إدارة أمريكية التفريط بها.
ربما أهم ما تكشفه هذه التطورات أنها تعلن نهاية مرحلة كاملة في السياسة الأمريكية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، كان السؤال المطروح في واشنطن هو: كم ستمنح الولايات المتحدة إسرائيل هذا العام؟
أما السؤال الذي بدأ يُطرح اليوم فهو مختلف تمامًا: كيف يمكن الحفاظ على التحالف إذا لم يعد الرأي العام الأمريكي مستعدًا لدفع ثمنه بالطريقة التقليدية؟
وهذا التحول في صياغة السؤال أهم من أي رقم في الموازنة. فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تغير تحالفاتها فجأة، بل تغير أولًا الطريقة التي تمول بها تلك التحالفات.
أما إسرائيل، واللوبي المحسوب عليها، وجماعات الضغط التي تخدم أجنداتها، فتسعى منذ الآن إلى الانتقال إلى نموذج مغاير لا مجرد متلقٍ للمساعدات. وبذلك، قد لا تكون القضية الحقيقية هي استمرار المعونة السنوية من عدمه، بل ان إسرائيل تعمل على ضمان أن يبقى التحالف الأمريكي–الإسرائيلي قائمًا، حتى لو انتهى عصر المساعدات نفسه.

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...