alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 25

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

03 أغسطس 2026 , 12:30ص

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين لندن وباريس في حقبة الثورة الفرنسية، بل كانت محاولة لفهم الكيفية التي يستطيع بها التاريخ أن يصنع روايتين متناقضتين للحظة نفسها؛ رواية يكتبها المنتصر، وأخرى يحتفظ بها المهزوم، وبينهما تتشكل الذاكرة الجماعية والهويات الوطنية. فالحقيقة التاريخية، في كثير من الأحيان، ليست حقيقة واحدة، وإنما مجموعة من السرديات المتوازية التي تعكس اختلاف المصالح والذاكرة والانتماء أكثر مما تعكس اختلاف الوقائع.
وربما لا يوجد في غرب البحر الأبيض المتوسط مثال يجسد هذه الفكرة بصورة أوضح من سبتة ومليلية، فهاتان المدينتان ليستا مجرد نقطتين صغيرتين على الساحل الشمالي للمغرب، بل تمثلان قصتين مختلفتين تمامًا عن التاريخ والسيادة والانتماء. فمن المنظور الإسباني، تشكل المدينتان جزءًا أصيلًا من الدولة الإسبانية منذ قرون، ورمزًا لاستمرار السيادة الأوروبية على حدودها الجنوبية. أما في الوعي الوطني المغربي، فهما آخر الثغور المحتلة، والجزء الذي لم يكتمل بعد من مشروع استعادة الوحدة الترابية للمملكة. وبين هاتين الروايتين لا توجد مساحة واسعة للحياد، لأن كل رواية تنطلق من ذاكرة وطنية مختلفة، ومن تصور مختلف لمعنى التاريخ نفسه.
وقد عاد هذا الملف مجددًا إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد موجة العبور الجماعي الأخيرة، التي تمكن خلالها عشرات الآلاف من المهاجرين من الوصول برًا وبحرًا إلى مدينة سبتة خلال أيام قليلة، قبل أن تعلن السلطات إعادة أكثر من نصفهم إلى المغرب. ولم تكن هذه التطورات مجرد أزمة هجرة جديدة في البحر المتوسط، بل أعادت فتح واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في العلاقات المغربية الإسبانية، وهو ملف تختلط فيه اعتبارات الأمن والهجرة والسيادة والقانون الدولي والجغرافيا السياسية، بحيث يصبح من المستحيل فصل أي عنصر عن الآخر.
لفهم هذه القضية، لا يكفي النظر إلى الأحداث الآنية، بل يجب العودة إلى التاريخ. فقد بدأت القصة مع التحولات الكبرى التي شهدها غرب البحر الأبيض المتوسط في القرن الخامس عشر، حين كانت الأندلس تعيش سنواتها الأخيرة تحت حكم بني الأحمر في غرناطة. وفي عام 1415م احتلت البرتغال مدينة سبتة، لتصبح أول موطئ قدم أوروبي دائم على الساحل المغربي، في خطوة اعتبرها كثير من المؤرخين بداية التوسع الأوروبي خارج القارة. وبعد ذلك بثمانية عقود تقريبًا، احتلت إسبانيا مدينة مليلية عام 1497، بينما انتقلت سبتة إلى السيادة الإسبانية بعد اتحاد التاجين الإسباني والبرتغالي عام 1580م.
غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن سبتة نفسها كانت، قبل ذلك بقرون، إحدى أهم بوابات العبور إلى أوروبا الإسلامية. فمن سواحلها انطلقت حملة طارق بن زياد عام 711م نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، بعد أن غيَّر حاكمها القوطي، الكونت جوليان، موقفه وتحالف مع المسلمين، في حدث غيَّر مسار تاريخ البحر المتوسط لثمانية قرون تقريبًا. كما استعادت المدينة لاحقًا أهميتها العسكرية في عهد المرابطين، الذين جعلوا منها قاعدة إستراتيجية لدعم وجودهم في الأندلس والدفاع عنها. وهكذا تبدو المدينة نفسها وكأنها تلخص تاريخ المتوسط كله؛ مرة بوابة لعبور المسلمين إلى أوروبا، ومرة بوابة لعبور الأوروبيين إلى شمال أفريقيا.
ومع حصول المغرب على استقلاله عن فرنسا وإسبانيا عام 1956، دخلت القضية مرحلة جديدة. فمنذ ذلك التاريخ، أصبحت استعادة سبتة ومليلية والجزر الصغيرة المقابلة للساحل المغربي، ومنها الجزر الجعفرية المعروفة أمازيغيًا باسم إشفارن وإسبانيًا باسم شافاريناس (Chafarinas)، جزءًا ثابتًا من الخطاب الرسمي المغربي. ولم يعد الأمر بالنسبة للرباط مجرد ملف حدودي، بل قضية سيادة ووحدة ترابية، تمامًا كما ترى مدريد أن المدينتين تمثلان جزءًا من وحدة الدولة الإسبانية غير القابلة للتفاوض.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية. فالقضية لم تعد تدور حول مساحة جغرافية محدودة، وإنما حول معنيين مختلفين للدولة والتاريخ. فإسبانيا تنظر إلى أي حديث عن التفاوض حول المدينتين باعتباره مساسًا بمفهوم سيادتها الوطنية وفتحًا لباب قد يمتد إلى ملفات أخرى. وفي المقابل، يرى المغرب أن بقاء المدينتين خارج سيادته يعني استمرار آخر مظاهر الوجود الاستعماري الأوروبي على أراضيه. ولذلك فإن الحكومات الإسبانية، سواء كانت يمينية أو يسارية، لم تغيّر موقفها عبر العقود، ليس لأن الأحزاب تتفق في كل شيء، وإنما لأن القضية في نظر الدولة الإسبانية ترتبط بالأمن القومي والجغرافيا السياسية أكثر مما ترتبط بالبرامج الحزبية.
ولا تقتصر أهمية سبتة ومليلية على البعد القانوني أو التاريخي فحسب، بل تمتد إلى بُعد رمزي وإستراتيجي أكثر تعقيدًا. فالمدينتان تمثلان حدودًا فاصلة بين فضاءين اقتصاديين وحضاريين مختلفين، وتشكلان نموذجًا أوروبيًا ملاصقًا للمغرب جغرافيًا، لكنه ينتمي إلى منظومة اقتصادية ومؤسساتية مختلفة تمامًا. ومن هنا أصبحتا أيضًا جزءًا من معادلة الهجرة والتنمية والأمن في غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث لا تعكسان فقط نزاعًا على السيادة، بل تكشفان الفجوة التنموية بين الضفتين، وما تولده هذه الفجوة من ضغوط دائمة تجعل المدينتين أكثر من مجرد حدود سياسية؛ بل نقطة التقاء بين أوروبا وأفريقيا بكل ما تحمله من تحديات وفرص.
وفي السياق ذاته، وفي خضم موجة الهجرة الأخيرة، ظهرت على بعض المنصات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي روايات ذهبت إلى حد الادعاء بأن المغرب تعاون مع إسرائيل أو استخدم ملف الهجرة للضغط على الحكومة الإسبانية بسبب مواقف مدريد من الحرب في غزة ومن القضية الفلسطينية. وانتشرت هذه المزاعم بسرعة، رغم افتقارها إلى أدلة موثقة، في محاولة لربط ملفين مختلفين تمامًا من حيث الأسباب والسياقات.
غير أن مثل هذه السرديات أقرب إلى نظريات المؤامرة منها إلى التحليل السياسي الجاد. فهي تتجاهل طبيعة العلاقة المعقدة بين المغرب وإسبانيا، كما تتجاهل أن ملف الهجرة غير النظامية يرتبط بعوامل هيكلية تتعلق بالفقر، والبطالة، وشبكات التهريب، والتحولات الأمنية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، أكثر مما يرتبط بردود فعل ظرفية على أحداث سياسية معينة.
كما أنها تتجاهل حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الموقف الشعبي المغربي من القضية الفلسطينية ظل من أكثر المواقف العربية وضوحًا واستمرارية. فمنذ اندلاع الحرب في غزة، شهدت المدن المغربية موجات متتابعة من المسيرات والمظاهرات الشعبية المؤيدة لفلسطين، شاركت فيها تيارات سياسية ونقابية ومدنية وإسلامية ويسارية على حد سواء. واستمرت هذه التحركات بصورة دورية لأشهر طويلة، لتشكل واحدة من أكثر حالات الحراك الشعبي العربي انتظامًا واستمرارًا خلال تلك الفترة.
ولم يكن هذا الحراك نتيجة تعبئة حكومية أو قرار رسمي، بل جاء تعبيرًا عن قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من المجتمع المغربي بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية خارجية، وإنما جزء من الوجدان السياسي والأخلاقي للمغاربة. ولذلك فإن محاولة تصوير المغرب وكأنه يستخدم القضية الفلسطينية أو يتخلى عنها لتحقيق مكاسب تكتيكية في خلافه مع إسبانيا، لا تنسجم مع طبيعة المزاج الشعبي المغربي ولا مع التاريخ الطويل للدعم الشعبي لفلسطين.
وفي النهاية، تبقى سبتة ومليلية أشبه بما وصفه ديكنز في (حكاية مدينتين)، كمكان يعيش داخل روايتين في الوقت نفسه. فكل طرف يرى فيهما امتدادًا لتاريخه، وكل طرف يقرأ الماضي من زاوية مختلفة. وقد تتغير الحكومات في مدريد والرباط، وتتبدل التحالفات الدولية، وتتعاقب الأزمات، لكن مثل هذه القضايا لا تُحسم بتبدل الأشخاص، لأنها ترتبط بالجغرافيا السياسية وبالذاكرة الوطنية أكثر مما ترتبط بالسياسة اليومية.

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...