alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 49

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 28 أكتوبر 2026
الشرق الأوسط بين فرصة السلام وكارثة الحرب الطويلة..
رأي العرب 26 أكتوبر 2026
الاستثمار وصناعة المستقبل
رأي العرب 28 أكتوبر 2026
تعزيز أمن الطاقة العالمي
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 26 أكتوبر 2026
المأزق المؤلم المتبادل بين استحالة الحسم وتعثر التسوية

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

20 أغسطس 2026 , 12:35ص

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة بصورة متسارعة، وتُعاد فيها صياغة أنماط التحالف ومفاهيم الردع والأمن الجماعي. وقد وُفّق ملتقى أسبار في اختيار هذا الموضوع وفتح المجال أمام نخبة من المفكرين والمتخصصين في المملكة لتناوله من زوايا متعددة، بما أتاح نقاشًا يتجاوز القراءة الآنية للحدث إلى أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل النظام الإقليمي وموقع دول المنطقة داخله.
وقد اطلعت على التقرير بتمعّن، وهو ينطلق من الورقة الرئيسة للدكتور تركي القبلان، مع تعقيبات للدكتور فهد العربي الحارثي والدكتور مطير الرويحلي، وإدارة أ. جمال الملائكة للحوار. وقد منح هذا التنوع التقرير قيمة إضافية، إذ تداخلت فيه القراءة الأكاديمية مع الخبرة العملية، واتسع النقاش بمداخلات المشاركين ليخرج من حدود الاتفاقية بوصفها ترتيبًا سياسيًا أو دفاعيًا مباشرًا، إلى النظر إليها باعتبارها مؤشرًا محتملًا على تحول أوسع في بنية الأمن الإقليمي، وفي طبيعة الشراكات التي يمكن أن تعيد توزيع القوة وتمنح دول المنطقة دورًا أكبر في صناعة توازناتها بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
كما أحسن التقرير وضع القضية ضمن سياقها التاريخي والاستراتيجي الأوسع، في ضوء ارتباط الأمن الخليجي طوال عقود بشبكة متعددة المستويات من الترتيبات الأمنية والتحالفات الدولية والإقليمية. ومن هنا تأتي أهمية السؤال البحثي الذي تثيره الورقة: هل نحن أمام اتفاق أمني آخر يضاف إلى شبكة الترتيبات القائمة، أم أمام بداية تحول تدريجي نحو صياغة منظومة أكثر استقلالًا وقدرة على إنتاج أمنها من داخل المنطقة؟
ان ما نحتاجه اليوم، وبإلحاح أكبر من أي وقت مضى، هو استمرار مثل هذه الحوارات المتميزة وتوسيع دائرتها في مختلف دول الخليج والدول العربية على حدا سواء؛ فالنقاشات الجادة لا تكتفي بقراءة الأحداث المتسارعة، بل تساعد على وضعها في سياقها الأوسع، وتمنحنا القدرة على رؤية التحولات من منظور استراتيجي يتجاوز التفاصيل الآنية. ولعل الأهم أن الصورة الكبرى بدأت تستعيد مكانها في حوارات الخليج والعرب في تناولها كيفية تغير المنطقة؟ وأين تقف دولنا داخل موازين القوة الجديدة؟ وكيف يمكن الانتقال من التعامل مع نتائج التحولات إلى المشاركة الفاعلة في صياغتها؟
فلم تعد خريطة القوة في منطقة الشرق الأوسط تُقرأ من خلال الدول منفردة، بل من خلال المحاور التي تتشكّل حولها، ومن خلال قدرتها على تحويل النفوذ إلى معادلات دائمة. واليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: أمامنا ثلاثة محاور كبرى، لكل واحد منها مشروعه، وأدواته، ورؤيته لمستقبل الإقليم. غير أن السؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة الأكبر؟ بل: أيّ هذه المحاور يملك الشرعية والقدرة على تحويل القوة إلى توازن، لا إلى فوضى جديدة؟
المحور الأول هو المحور الإيراني وشبكة الوكلاء المرتبطين به في عواصم عربية، وهو ليس وليد السنوات الأخيرة، بل نتيجة استثمار استراتيجي امتد لما يقارب نصف قرن. فقد بنت طهران نفوذها الإقليمي عبر مسارات تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، معتمدة على شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات والميليشيات. وبصرف النظر عن الموقف من هذا المشروع، يصعب إنكار أنه قام على رؤية بعيدة المدى هدفت إلى بناء النفوذ خارج الحدود، واستثمار الفراغات السياسية والأمنية داخل بعض العواصم العربية وتحويلها إلى مساحات للحضور والتأثير. وقد برع هذا المحور في العمل داخل المناطق الرمادية: بين الدولة والميليشيا، وبين السيادة والارتهان، وبين الاستقرار والفوضى؛ بحيث أصبح النفوذ الإيراني في بعض الساحات لا يتحرك من خارج الدولة فحسب، بل يتمدد أحيانًا من داخل مؤسساتها وتوازناتها المحلية.
أما المحور الثاني فهو المحور الإسرائيلي، الذي يتحرك بمنطق مختلف، لكنه لا يقل وضوحًا في أهدافه. إسرائيل لا تعتمد على شبكات الوكلاء بقدر اعتمادها على تفوقها العسكري والتكنولوجي، وعلى الدعم الأمريكي والغربي، وعلى فرض الوقائع على الأرض. ومع استمرار الاحتلال والانتهاكات والتوسع في الأراضي العربية، يتعزز داخل التيارات اليمينية والمتطرفة خطاب يتجاوز حدود الأمن التقليدي إلى تصورات أوسع عن المجال الجغرافي والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
المشكلة هنا ليست في الشعارات الأيديولوجية وحدها، بل في اللحظة التي تتحول فيها هذه الشعارات إلى سياسة. عندما يصبح التوسع جزءًا من الخطاب السياسي، وتصبح القوة وسيلة لإعادة تعريف الحدود والحقوق، فإن المنطقة لا تعود أمام نزاع محدود، بل أمام مشروع يسعى إلى فرض موازين جديدة بالقوة.
وبين هذين المحورين، ظل السؤال العربي والإسلامي معلقًا لسنوات: أين القوة القادرة على صناعة التوازن؟ وهنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته المحور الثالث، الذي بدأت ملامحه تتشكل من خلال اتفاقية مكة التي تجمع السعودية وتركيا وباكستان. أهمية هذه الصيغة لا تكمن فقط في عدد الدول المشاركة فيها، بل في طبيعة الدول نفسها. نحن نتحدث عن ثلاث قوى تجمع بين الوزن السياسي، والقدرة العسكرية، والعمق السكاني، والموقع الجيوسياسي، فضلًا عن الشرعية الواسعة داخل العالمين العربي والإسلامي.
لكن هنا يجب أن نكون أكثر دقة: المطلوب ليس إنشاء محور ثالث كي تدخل المنطقة في حرب محاور جديدة. فإذا كان المحور الجديد سيعيد إنتاج منطق الصدام نفسه، فلن تكون النتيجة سوى إضافة طبقة أخرى من التوتر. والتحدي الأكبر سيكون في تجنب إغراء تحويل المحور الثالث إلى نسخة أخرى من المحورين اللذين جاء لموازنتهما. قوته لن تكون في بناء ميليشيات مقابلة للميليشيات، ولا في تبني مشروع توسع مقابل مشروع توسع، بل في تأسيس نموذج مختلف للقوة الإقليمية: الدولة في مواجهة اللادولة، والسيادة في مواجهة الاختراق، والتوازن في مواجهة الهيمنة.
 لكن هذه الشرعية وحدها لا تكفي. إذا بقيت الاتفاقية محصورة في السعودية وتركيا وباكستان، فإنها ستظل مهمة، لكنها لن تتحول بالضرورة إلى منظومة إقليمية كاملة. ولذلك فإن الخطوة التالية يجب أن تكون توسيع دائرة الدول المنضمة، لا من باب التوسع العددي، بل من باب بناء كتلة استراتيجية قادرة فعلًا على تغيير موازين القوة.
وتبرز مصر وسوريا هنا بوصفهما إضافتين من طبيعتين مختلفتين، لكنهما متكاملتان استراتيجيًا. فمصر تمثل الثقل العربي الأكبر من حيث السكان والجيش والموقع والقدرة السياسية، وانضمام القاهرة سيمنح الاتفاقية وزنًا عربيًا يصعب تجاوزه، فضلًا عن موقعها الذي يصل الخليج بالمشرق وشمال أفريقيا وإشرافها على قناة السويس، أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. 
أما سوريا، فإن أهميتها تنبع من موقعها في قلب المشرق ومن كونها عقدة جغرافية تتقاطع عندها حسابات تركيا وإيران وإسرائيل والعالم العربي. وضم دمشق إلى هذا الإطار، إذا توافرت له الشروط السياسية اللازمة، لن يكون مجرد توسع جديد في العضوية، بل خطوة باتجاه إعادة سوريا إلى منظومة الأمن الإقليمي للدولة، وانتزاعها تدريجيًا من منطق الساحات المفتوحة وصراع النفوذ. فبانضمام مصر وسوريا معًا، تكتسب الاتفاقية ما ينقصها: ثقل عربي من الجنوب وعمق مشرقي من الشمال، وتتحول من تفاهم ثلاثي إلى مشروع قادر على إعادة رسم توازنات المنطقة على أسس أكثر اتساعًا واستقلالًا.
كما تبدو مشاركة قطر والبحرين والكويت خطوة منطقية في هذا المسار، خصوصًا مع ترحيبهم الرسمي بالاتفاقية. وانضمامهما يمكن أن يفتح الباب أمام بقية دول الخليج، وأن يحوّل الاتفاقية تدريجيًا من صيغة محدودة إلى إطار خليجي وعربي وإسلامي أكثر اتساعًا.
المعادلة الحقيقية هي: هل تستطيع دول المنطقة أن تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع صناعة التوازن؟ فالمنطقة لا ينقصها المزيد من القوة، بل ينقصها توزيع القوة بصورة تمنع طرفًا واحدًا من تقرير مصير الآخرين. والمحور الثالث لن تكون قيمته في عدد جيوشه ولا في حجم اقتصاده وحدهما، بل في قدرته على أن يقول للمحورين الآخرين: هذه المنطقة ليست فراغًا استراتيجيًا، ومستقبلها لن يُرسم من دون أهلها.
إذا تحولت «اتفاقية مكة» إلى بنية مؤسسية للتشاور والتنسيق والدفاع المشترك، فإنها قد تملأ واحدًا من أكبر الفراغات الاستراتيجية في المنطقة: غياب منظومة ردع تستند إلى قوى إقليمية كبيرة تمتلك الشرعية والقدرة معًا.

الشرق الأوسط بين فرصة السلام وكارثة الحرب الطويلة..

لم تعد منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الخليج تواجه مجرد احتمال اندلاع حرب جديدة، بل تواجه خطراً أعمق يتمثل في تحول الحرب إلى حالة دائمة، تتخللها هدن قصيرة لا تعالج أسباب الصراع. لذلك وفي هذه...

الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة

لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...