alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 32

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 31 أغسطس 2026
تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!
نجاة علي 29 أغسطس 2026
حين نعود... لا نعود كما كنا
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 31 أغسطس 2026
التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

20 أغسطس 2026 , 12:35ص

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة بصورة متسارعة، وتُعاد فيها صياغة أنماط التحالف ومفاهيم الردع والأمن الجماعي. وقد وُفّق ملتقى أسبار في اختيار هذا الموضوع وفتح المجال أمام نخبة من المفكرين والمتخصصين في المملكة لتناوله من زوايا متعددة، بما أتاح نقاشًا يتجاوز القراءة الآنية للحدث إلى أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل النظام الإقليمي وموقع دول المنطقة داخله.
وقد اطلعت على التقرير بتمعّن، وهو ينطلق من الورقة الرئيسة للدكتور تركي القبلان، مع تعقيبات للدكتور فهد العربي الحارثي والدكتور مطير الرويحلي، وإدارة أ. جمال الملائكة للحوار. وقد منح هذا التنوع التقرير قيمة إضافية، إذ تداخلت فيه القراءة الأكاديمية مع الخبرة العملية، واتسع النقاش بمداخلات المشاركين ليخرج من حدود الاتفاقية بوصفها ترتيبًا سياسيًا أو دفاعيًا مباشرًا، إلى النظر إليها باعتبارها مؤشرًا محتملًا على تحول أوسع في بنية الأمن الإقليمي، وفي طبيعة الشراكات التي يمكن أن تعيد توزيع القوة وتمنح دول المنطقة دورًا أكبر في صناعة توازناتها بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
كما أحسن التقرير وضع القضية ضمن سياقها التاريخي والاستراتيجي الأوسع، في ضوء ارتباط الأمن الخليجي طوال عقود بشبكة متعددة المستويات من الترتيبات الأمنية والتحالفات الدولية والإقليمية. ومن هنا تأتي أهمية السؤال البحثي الذي تثيره الورقة: هل نحن أمام اتفاق أمني آخر يضاف إلى شبكة الترتيبات القائمة، أم أمام بداية تحول تدريجي نحو صياغة منظومة أكثر استقلالًا وقدرة على إنتاج أمنها من داخل المنطقة؟
ان ما نحتاجه اليوم، وبإلحاح أكبر من أي وقت مضى، هو استمرار مثل هذه الحوارات المتميزة وتوسيع دائرتها في مختلف دول الخليج والدول العربية على حدا سواء؛ فالنقاشات الجادة لا تكتفي بقراءة الأحداث المتسارعة، بل تساعد على وضعها في سياقها الأوسع، وتمنحنا القدرة على رؤية التحولات من منظور استراتيجي يتجاوز التفاصيل الآنية. ولعل الأهم أن الصورة الكبرى بدأت تستعيد مكانها في حوارات الخليج والعرب في تناولها كيفية تغير المنطقة؟ وأين تقف دولنا داخل موازين القوة الجديدة؟ وكيف يمكن الانتقال من التعامل مع نتائج التحولات إلى المشاركة الفاعلة في صياغتها؟
فلم تعد خريطة القوة في منطقة الشرق الأوسط تُقرأ من خلال الدول منفردة، بل من خلال المحاور التي تتشكّل حولها، ومن خلال قدرتها على تحويل النفوذ إلى معادلات دائمة. واليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: أمامنا ثلاثة محاور كبرى، لكل واحد منها مشروعه، وأدواته، ورؤيته لمستقبل الإقليم. غير أن السؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة الأكبر؟ بل: أيّ هذه المحاور يملك الشرعية والقدرة على تحويل القوة إلى توازن، لا إلى فوضى جديدة؟
المحور الأول هو المحور الإيراني وشبكة الوكلاء المرتبطين به في عواصم عربية، وهو ليس وليد السنوات الأخيرة، بل نتيجة استثمار استراتيجي امتد لما يقارب نصف قرن. فقد بنت طهران نفوذها الإقليمي عبر مسارات تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، معتمدة على شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات والميليشيات. وبصرف النظر عن الموقف من هذا المشروع، يصعب إنكار أنه قام على رؤية بعيدة المدى هدفت إلى بناء النفوذ خارج الحدود، واستثمار الفراغات السياسية والأمنية داخل بعض العواصم العربية وتحويلها إلى مساحات للحضور والتأثير. وقد برع هذا المحور في العمل داخل المناطق الرمادية: بين الدولة والميليشيا، وبين السيادة والارتهان، وبين الاستقرار والفوضى؛ بحيث أصبح النفوذ الإيراني في بعض الساحات لا يتحرك من خارج الدولة فحسب، بل يتمدد أحيانًا من داخل مؤسساتها وتوازناتها المحلية.
أما المحور الثاني فهو المحور الإسرائيلي، الذي يتحرك بمنطق مختلف، لكنه لا يقل وضوحًا في أهدافه. إسرائيل لا تعتمد على شبكات الوكلاء بقدر اعتمادها على تفوقها العسكري والتكنولوجي، وعلى الدعم الأمريكي والغربي، وعلى فرض الوقائع على الأرض. ومع استمرار الاحتلال والانتهاكات والتوسع في الأراضي العربية، يتعزز داخل التيارات اليمينية والمتطرفة خطاب يتجاوز حدود الأمن التقليدي إلى تصورات أوسع عن المجال الجغرافي والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
المشكلة هنا ليست في الشعارات الأيديولوجية وحدها، بل في اللحظة التي تتحول فيها هذه الشعارات إلى سياسة. عندما يصبح التوسع جزءًا من الخطاب السياسي، وتصبح القوة وسيلة لإعادة تعريف الحدود والحقوق، فإن المنطقة لا تعود أمام نزاع محدود، بل أمام مشروع يسعى إلى فرض موازين جديدة بالقوة.
وبين هذين المحورين، ظل السؤال العربي والإسلامي معلقًا لسنوات: أين القوة القادرة على صناعة التوازن؟ وهنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته المحور الثالث، الذي بدأت ملامحه تتشكل من خلال اتفاقية مكة التي تجمع السعودية وتركيا وباكستان. أهمية هذه الصيغة لا تكمن فقط في عدد الدول المشاركة فيها، بل في طبيعة الدول نفسها. نحن نتحدث عن ثلاث قوى تجمع بين الوزن السياسي، والقدرة العسكرية، والعمق السكاني، والموقع الجيوسياسي، فضلًا عن الشرعية الواسعة داخل العالمين العربي والإسلامي.
لكن هنا يجب أن نكون أكثر دقة: المطلوب ليس إنشاء محور ثالث كي تدخل المنطقة في حرب محاور جديدة. فإذا كان المحور الجديد سيعيد إنتاج منطق الصدام نفسه، فلن تكون النتيجة سوى إضافة طبقة أخرى من التوتر. والتحدي الأكبر سيكون في تجنب إغراء تحويل المحور الثالث إلى نسخة أخرى من المحورين اللذين جاء لموازنتهما. قوته لن تكون في بناء ميليشيات مقابلة للميليشيات، ولا في تبني مشروع توسع مقابل مشروع توسع، بل في تأسيس نموذج مختلف للقوة الإقليمية: الدولة في مواجهة اللادولة، والسيادة في مواجهة الاختراق، والتوازن في مواجهة الهيمنة.
 لكن هذه الشرعية وحدها لا تكفي. إذا بقيت الاتفاقية محصورة في السعودية وتركيا وباكستان، فإنها ستظل مهمة، لكنها لن تتحول بالضرورة إلى منظومة إقليمية كاملة. ولذلك فإن الخطوة التالية يجب أن تكون توسيع دائرة الدول المنضمة، لا من باب التوسع العددي، بل من باب بناء كتلة استراتيجية قادرة فعلًا على تغيير موازين القوة.
وتبرز مصر وسوريا هنا بوصفهما إضافتين من طبيعتين مختلفتين، لكنهما متكاملتان استراتيجيًا. فمصر تمثل الثقل العربي الأكبر من حيث السكان والجيش والموقع والقدرة السياسية، وانضمام القاهرة سيمنح الاتفاقية وزنًا عربيًا يصعب تجاوزه، فضلًا عن موقعها الذي يصل الخليج بالمشرق وشمال أفريقيا وإشرافها على قناة السويس، أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. 
أما سوريا، فإن أهميتها تنبع من موقعها في قلب المشرق ومن كونها عقدة جغرافية تتقاطع عندها حسابات تركيا وإيران وإسرائيل والعالم العربي. وضم دمشق إلى هذا الإطار، إذا توافرت له الشروط السياسية اللازمة، لن يكون مجرد توسع جديد في العضوية، بل خطوة باتجاه إعادة سوريا إلى منظومة الأمن الإقليمي للدولة، وانتزاعها تدريجيًا من منطق الساحات المفتوحة وصراع النفوذ. فبانضمام مصر وسوريا معًا، تكتسب الاتفاقية ما ينقصها: ثقل عربي من الجنوب وعمق مشرقي من الشمال، وتتحول من تفاهم ثلاثي إلى مشروع قادر على إعادة رسم توازنات المنطقة على أسس أكثر اتساعًا واستقلالًا.
كما تبدو مشاركة قطر والبحرين والكويت خطوة منطقية في هذا المسار، خصوصًا مع ترحيبهم الرسمي بالاتفاقية. وانضمامهما يمكن أن يفتح الباب أمام بقية دول الخليج، وأن يحوّل الاتفاقية تدريجيًا من صيغة محدودة إلى إطار خليجي وعربي وإسلامي أكثر اتساعًا.
المعادلة الحقيقية هي: هل تستطيع دول المنطقة أن تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع صناعة التوازن؟ فالمنطقة لا ينقصها المزيد من القوة، بل ينقصها توزيع القوة بصورة تمنع طرفًا واحدًا من تقرير مصير الآخرين. والمحور الثالث لن تكون قيمته في عدد جيوشه ولا في حجم اقتصاده وحدهما، بل في قدرته على أن يقول للمحورين الآخرين: هذه المنطقة ليست فراغًا استراتيجيًا، ومستقبلها لن يُرسم من دون أهلها.
إذا تحولت «اتفاقية مكة» إلى بنية مؤسسية للتشاور والتنسيق والدفاع المشترك، فإنها قد تملأ واحدًا من أكبر الفراغات الاستراتيجية في المنطقة: غياب منظومة ردع تستند إلى قوى إقليمية كبيرة تمتلك الشرعية والقدرة معًا.

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...