


عدد المقالات 322
من الغريب أن يعيش الإنسان اليوم في عصر التقدّم العلمي والذكاء الاصطناعي، والطبّ الدقيق، والثورة الرقمية، ثم يجد نفسه أمام ظواهر اجتماعية يُفترض أنها قد انتهت منذ زمن، مثل: التنجيم، وقراءة الطالع، والتعاويذ، والطلاسم. ففي الماضي، كان الإنسان يخشى من أن يتعرّض للأذى أو للحسد لما يملكه من مال، أو جمال، أو نجاح، أو نعمة ظاهرة. أمّا اليوم، فقد يُؤذى الإنسان على ما يحتمل من شقاء أو خسارة، وعلى ما يملك من طاقة نفسية تُمكّنه من النهوض عندما تُسقطه الحياة.
لقد ارتبط السحر منذ قرون بالحضارات القديمة. عرفته مصر القديمة، وبلاد الرافدين، واليونان، وروما، واتخذ أشكالًا مختلفة في آسيا وإفريقيا وأوروبا والعالم العربي. واختلفت المجتمعات في تفسيره، لكن حاجة الإنسان بقيت متشابهة: الرغبة في معرفة المستقبل، أو تغيير المصير، أو استعادة شخص، أو وسوسة لدفع الأذى، أو الحصول على المال والحب والنفوذ، أو لمجرّد الرغبة في الأذى.
ومع تطوّر العصور، لم تختفِ هذه الظواهر. ربما لم تكن يومًا مرتبطة بجهل الإنسان وحده، بقدر ما ارتبطت بخوفه وعجزه ورغبته في السيطرة على ما لا يفهمه أو ما لا يستطيع التحكّم به. فقد لجأ البشر إلى السحر والتنجيم على مرّ الحضارات في محاولة لفهم ما لا يستطيعون تفسيره أو التحكّم به: مثل المرض، والموت، والحب، والخصوبة، والحرب، والمطر، والمستقبل. وكانت هذه الظواهر أو المشاعر بالنسبة إليهم مساحات مجهولة لا يعرفون عنها الكثير.
اليوم، أصبح الإنسان يعرف أكثر، لكنه في المقابل لا يستطيع أن يفعل أكثر، ولا أن يتحكّم أكثر بما يدور من حوله وأن يتقفى مصيره، ربما لأنه يعيش تحت ضغط هائل من الخوف المستمر: حروب يشاهدها مباشرة على الهاتف، أزمات معيشية خانقة، قلق من فقدان وظيفة أو سلطة، علاقات عاطفية هشّة، تغيّرات اجتماعية متسارعة، وكوارث متتالية.
وسط تلك الاضطرابات، يعجز الإنسان عن إيجاد الطمأنينة، وعن إيجاد الإجابة الشافية التي تهدئ من روعه، فتصبح الإجابة الوهمية أكثر إغراءً. فالعرّاف يخبره ماذا سيحدث، وقارئ الطالع يمنحه تفسيرًا لفشل علاقة، ومن يدّعي «فك السحر» يقدّم سببًا واضحًا لسلسلة من المشكلات المعقدة.
وفي المسافة بين المعرفة والسيطرة، تزدهر الخرافة ويضعف الإيمان.
وعلى الرغم من تحرّك السلطات المحلية في أغلب الدول لمنع هذه الممارسات، فإنّ العصر الرقمي منح هؤلاء قوة لم يمتلكوها في السابق. ففي الماضي، كان الوصول إلى المشعوذ يتطلب معرفة شخصية أو زيارة مكان محدد. اليوم، انتقلت قراءة الطالع والتنجيم وادعاءات العلاج بالطاقة وكشف السحر إلى المنصات الرقمية، وأصبحت الخوارزميات قادرة على إيصال المحتوى نفسه إلى ملايين الأشخاص.
والأخطر أن هذه الممارسات أعادت تقديم نفسها بلغة حديثة. فما كان يُسمّى قديمًا تعويذة أصبح يُقدَّم تحت عناوين أكثر جاذبية، مثل فتح مسارات الطاقة. وقد يقع في دائرتها المتعلم وغير المتعلم، فالإنسان هو نفسه. ما زال يخشى الفقد والمرض، والفشل، والوحدة، والموت. وما زال يبحث عن باب خلفي يستطيع من خلاله التفاوض مع المصير عندما تضيق به الحياة.
لماذا عاد السحر بقوة في المجتمعات وفي دائرة اهتمام الشبان والشابات ومن بوابة المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي وكيف يُمكن السيطرة عليه؟ لماذا تُوزّع «الأعمال» في البيوت، والمكاتب، والمفارش في عصر أصبحت فيه الأمور أكثر تطورًا ووضوحًا؟ لماذا تُترك الفتاوى والمحرمات ويدفع الشباب المال ويُخاطرون بخرق الأحكام الشرعية والمدنية مقابل من يمنحهم وهم السيطرة؟
قد يستطيع العلم اليوم تحليل ملايين البيانات، والتنبؤ باتجاهات الأسواق، والمساعدة في تشخيص الأمراض، لكنه لا يستطيع أن يقول لشخص إن حبيبه سيعود، أو إن زواجه سينجح، أو إنه سيبقى في وظيفته، أو إن أبناءه سيكونون بخير، أو إنّ حياته ستسير كما يريد. وهذه هي المساحة التي يدخل منها العرّافون والمشعوذون، وهي المساحة نفسها التي يُسوقون من خلالها أعمالهم وعبر الخوارزميات.
العلم يفسّر الظاهرة أو المشاعر بالاحتمالات.
أما المشعوذ فيقول: أنا أعرف. وأنا قادر ويتسلل عبر الشاشات والتحويلات المالية عبر القارات.
لكنّ الله يقول في كتابه العزيز: «وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى».
إنّ أخطر ما يمتلكه المشعوذ هو استغلال الإنسان عندما يكون خائفًا، مكسورًا، وعاجزًا عن تفسير ما يحدث معه، ووقوعه في فخّ التأنيب من قبل المحيطين به. وإنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالقوانين الرادعة والتوعية الروتينية فحسب، بل باتخاذها مؤشرًا جدّيًا لقياس الصحة النفسية وحجم الهشاشة الاجتماعية، والانفتاح على مناقشة هذه المسائل بجدية، ومن خلال جلسات مغلقة من أجل تبيان حجمها وتأثيرها، في سبيل صناعة سياسات اجتماعية بالتعاون مع الهيئات المعنية.
@snasser24
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي...
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...