alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 39

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 سبتمبر 2026
منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 20 سبتمبر 2026
مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

23 أغسطس 2026 , 12:35ص

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت بعهده؟ ما الذي رأياه فيه ولم نره نحن، أبناء الجيل الذي وُلد ما بعد حرب 67، وتشكّل وعيه تحت وطأة صورتها الثقيلة وآثارها الممتدة؟
كان السؤال يلحّ عليّ كلما تذكرت تلك الصورة القديمة: رجل بملامح صارمة، ونظرة ثابتة، وخطاب يحمل نبرة ثقة لا تخلو من التحدي. بالنسبة إلى جيلي، يبدو الأمر محيرًا: كيف يبقى رجل في الذاكرة الوطنية والعربية، رغم أنه حكم في زمن انتهى به إلى هزيمة عسكرية مدوية؟ وكيف يمكن أن يستمر حضوره في وجدان الناس، بينما تبدو الهزيمة في منطقنا المعاصر كافية وحدها لإسقاط أي قائد من الذاكرة التاريخية؟
ربما كانت المشكلة في طريقتنا نفسها في قراءة التاريخ. فنحن، أبناء ما بعد الهزيمة، ورثنا النكسة بوصفها عنوانًا كاملًا لعهد عبد الناصر، بينما عاش آباؤنا ذلك العهد بوصفه لحظة خروج من زمن آخر: زمن التبعية، وضعف الدول العربية، وسيطرة القوى الاستعمارية الأجنبية، وانكسار الإرادة الوطنية. لم يروا فيه رئيسًا فحسب، بل رأوا فيه رجلًا جعل المصري والعربي يشعر، ولو للمرة الأولى منذ زمن طويل، أنه قادر على أن يكون له صوتٌ وموقفٌ ومكانٌ في عالمٍ اعتاد طويلًا أن يراه تابعًا لا شريكًا، ومتلقّيًا لإرادة الآخرين لا صانعًا لإرادته.

مقاربات لإرث الزعيم 
مناسبة استعادة الحديث عن جمال عبد الناصر جاءت مع ما تداولته بعض وسائل الإعلام العربية من مقاربات لإرث الزعيم الراحل، إلا أن كثيرًا من هذه التعليقات انحصرت في زاوية هجومية ركزت على السلبيات والإخفاقات، مع إغفال واضح للجوانب الأخرى المرتبطة بتجربته وحقبته السياسية. ومثل هذا الانتقاء لا يساعد على فهم تجربة عبد الناصر ولا العصر الذي عاش فيه بوصفه ظاهرة تاريخية مركبة، بقدر ما يعيد إنتاج قراءة مجتزأة للتاريخ، تتعامل مع مرحلة كاملة بمنطق الإدانة المسبقة بدلًا من وضع إنجازاتها وإخفاقاتها وتحولاتها في سياقها السياسي والإقليمي والدولي.
وللأسف، فإن كثيرًا من الهجوم من وسائل إعلام متحيزة على عبد الناصر يتجه إلى منطق انتقائي، في حين لا نرى المعيار نفسه يُطبَّق بالصرامة ذاتها على حكام ورؤساء عاصروه، رغم أن تجاربهم لم تخلُ هي الأخرى من الإخفاقات والانكسارات والهزائم. والمشكلة هنا ليست في نقد عبد الناصر، فالنقد حق وضرورة، بل في أن يتحول إلى محاكمة استثنائية تُنتزع من سياقها التاريخي، بينما تُقرأ تجارب الآخرين بقدر أكبر من التسامح أو التجاوز. 

الهزيمة لا تلغي التاريخ
لم يكن أبي يعلّق صورة عبد الناصر لأنه لم يعرف الهزيمة، ولا لأن أخبار يونيو لم تصل إليه من إذاعة صوت العرب وأحمد سعيد. كان يعرفها جيدا كما عرفها الملايين؛ كجرحٍ وعضال نفسي وقومي، وكصدمة كسرت صورة القوة التي رسمتها شعارات وخطابات القومية العربية عن نفسها، لكنه ربما كان يرى ما هو أبعد من لحظة الهزيمة والانكسار.
لقد رأى جيل الآباء في الحقبة الناصرية دولةً تحاول أن تبني ذاتها، لا سلطةً تكتفي بإدارة ما هو قائم. رأوا دولة تُؤمّم قناةً كانت رمزًا للهيمنة الأجنبية، وتخوض معركة سياسية ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ثم تخرج من أزمة السويس محتفظة بالقناة وبالمعنى الرمزي للاستقلال. 
كما رأوا دولةً تتجه نحو مشاريع كبرى، في مقدمتها السد العالي، بحثًا عن السيطرة على النيل والطاقة والتنمية، لا عن البقاء في هامش الاقتصاد العالمي. بالنسبة إليهم، لم يكن عبد الناصر معصومًا، لكنه كان تجسيدًا لفكرة، أن تكون للدولة إرادة، وللمجتمع أمل، وللعربي مكان في العالم لا يقوم على التبعية أو الصمت.
لكن لا شيء يبرر هزيمة عام 1967، ولا ينبغي أن تتحول قسوتها إلى تفصيل عابر في سيرة عبد الناصر أو إلى هامش يمكن تجاوزه عند تقييم تجربته. فقد كانت الهزيمة عسكرية وسياسية في آن واحد، وكشفت خللًا عميقًا في إدارة القرار، واضطرابًا في بنية المؤسسة العسكرية، وفجوةً واسعة بين الخطاب التعبوي والاستعداد الفعلي للمواجهة.

أخطاء إستراتيجية 
كما سبقت الهزيمة أخطاء استراتيجية وسياسية لا يمكن تجاهلها، من بينها التورط المكلف في حرب اليمن واستنزاف جانب من القدرات المصرية، إلى جانب تضييق المجال السياسي وإضعاف المؤسسات القادرة على المراجعة والمحاسبة والنقد. وامتد ذلك إلى تقييد حرية الصحافة والإعلام، وتراجع مساحة التعبير المستقل، فضلًا عن الاعتقالات والسجون التي طالت معارضين وخصومًا سياسيين.
وقد دفعت تلك البيئة عددًا من المعارضين إلى مغادرة مصر والبحث عن حياة جديدة في الدول العربية ودول الخليج بالتحديد، وكان من بينهم شخصيات وقيادات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من التيارات المعارضة. وهذه الوقائع تبقى جزءًا أصيلًا من سجل المرحلة، ولا يصح حذفها أو تبريرها عند قراءة التجربة الناصرية؛ تمامًا كما لا يصح اختزال التجربة كلها فيها وحدها.
لكن التاريخ لا يُقرأ بعين واحدة. فالهزيمة، مهما كانت فادحة، لا تمحو ما سبقها ولا تفسّر كل ما بعدها. وكما أن الإنجازات لا تمحو الإخفاقات، فإن الإخفاقات لا تُلغي بالضرورة ما أنجزه القادة لدولهم.
وهنا يصبح السؤال الأهم: هل كان عبد الناصر ناجحًا أم فاشلًا؟ سؤالًا ناقصًا بطبيعته. فالرجل كان قائدًا ذا إنجازات ملموسة وإخفاقات جسيمة، بنى مشروعًا وطنيًا واسع الطموح، لكنه لم يبنِ بالقدر نفسه نظامًا سياسيًا قادرًا على تصحيح أخطائه. غيّر مصر بعمق، لكن مركزية السلطة حدّت من قدرة المجتمع والمؤسسات على محاسبة الدولة وتعديل مسارها.  
ليس جمال عبد الناصر استثناءً في التاريخ الحديث. فالأمم الكبرى نفسها احتفظت في ذاكرتها بقادة أثاروا جدلًا واسعًا، وارتكبوا أخطاءً جسيمة، أو قادوا بلدانهم خلال هزائم وأزمات، ومع ذلك لم تُسقطهم من روايتها الوطنية. لم يكن ذلك لأن شعوبهم تجاهلت أخطاءهم، بل لأنها رأت في حصيلة أدوارهم ما يتجاوز الخطأ الواحد أو حتى الهزيمة الواحدة.
 شارل ديغول وونستون تشرشل ومصطفى كمال أتاتورك، على اختلاف تجاربهم وسياقاتهم، لم يكونوا شخصيات بلا أخطاء أو خارج نطاق الجدل، لكن حضورهم في الذاكرة الوطنية لم يُبنَ على صورة مثالية بقدر ما ارتبط بأدوارهم في لحظات مصيرية أعادت تعريف الدولة وموقعها في العالم؛ فديغول، رغم ما أثارته سلطته القوية وأزمات الجزائر والجيش من جدل، بقي رمزًا لاستعادة هيبة فرنسا وتأسيس الجمهورية الخامسة وصياغة قدر من الاستقلال في القرار الدولي، وتشرشل، رغم النقد المرتبط بمواقفه الاستعمارية وبعض خياراته السياسية والعسكرية، ظل حاضرًا بوصفه قائد بريطانيا في لحظة تهديد وجودي خلال الحرب العالمية الثانية، أما أتاتورك، فجمع بين تأسيس الجمهورية وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق إصلاحات واسعة، وبين مركزية السلطة والطابع السلطوي وسياسات أثارت خلافًا عميقًا داخل المجتمع التركي. 
وما يجمع هؤلاء بعبد الناصر ليس تشابه التجارب ولا تساوي الأخطاء، بل أن أسماءهم ارتبطت بتحولات كبرى تجاوزت حدود المنصب السياسي العابر، ولذلك فإن قراءتهم التاريخية لا تستقيم بمنطق التقديس ولا بمنطق الإدانة المطلقة، بل بميزان يضع الإنجاز والإخفاق معًا داخل سياقهما التاريخي.

كيف نقرأ حقبة عبدالناصر اليوم؟
بعد أكثر من خمسة عقود على رحيله، لا نحتاج إلى عبد الناصر بوصفه أيقونة معلّقة فوق الجدران، ولا بوصفه متهمًا دائمًا في محكمة الهزيمة. نحتاج إليه كدرسٍ تاريخي.
الدرس الأول هو أن الاستقلال السياسي يحتاج قاعدة اقتصادية ومعرفية ومؤسسية؛ فالشعارات وحدها لا تحمي الدول، كما أن القوة العسكرية لا تُبنى بالخطابة.
والدرس الثاني هو أن التنمية والعدالة الاجتماعية لا تكفيان إذا غابت الحرية والمحاسبة. فالدولة التي لا تسمع النقد في وقت القوة قد تعجز عن رؤية الخطر في وقت الأزمة.
أما الدرس الثالث، فهو أن الإرادة الوطنية ليست قيمة رمزية فقط. إنها قدرة الدولة على اتخاذ قرارها، وإنتاج قوتها، وحماية مجتمعها، وفتح المجال أمام مواطنيها كي يشاركوا في تصحيح أخطائها.
لهذا ربما احتفظ أبي بصورة عبد الناصر كل تلك السنوات. لم تكن الصورة إنكارًا للهزيمة، ولا تبريرًا للأخطاء، بقدر ما كانت وفاءً لذاكرة زمنٍ شعر فيه جيله بأن للعرب مشروعًا أكبر من حدود دولهم، وأن لمصر دورًا يتجاوز جغرافيتها، وأن للاستقلال الوطني والكرامة السياسية معنى يمكن الدفاع عنه.
 أما نحن، فلا ينبغي أن نرث الصورة كما هي، بل أن نرث السؤال الذي وراءها: كيف نبني دولة قوية من دون استبداد، ومجتمعًا عادلًا من دون إقصاء، واستقلالًا وطنيًا من دون شعارات تتجاوز القدرة، ومؤسساتٍ تستطيع أن تراجع نفسها قبل أن تفرض عليها الهزيمة مراجعتها؟ 
فالقيمة الحقيقية في قراءة التاريخ ليست أن نقف أمامه قضاةً أو جلادين نوزّع صكوك البراءة والإدانة، ولا أن نحوّل رجاله إلى تماثيل لا تخطئ أو إلى خصوم لا يصيبون؛ بل أن نتفهم الأحلام التي حرّكت جيلًا كاملًا، والظروف التي صنعت طموحه، والأخطاء التي كسرت ذلك الطموح. فالأمم الناضجة لا ترث من تاريخها الأشخاص بقدر ما ترث الأسئلة والدروس؛ ترتقي بأحلامها، وتراجع تجاربها، وتستخلص من انكساراتها ما يجعلها أكثر قدرة على بناء الحاضر والمستقبل.

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...