alsharq

فالح بن حسين الهاجري - رئيس التحرير

عدد المقالات 229

د. محمد أنس أرناؤوط 09 أكتوبر 2026
على قدر أهل العزم
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 11 أكتوبر 2026
الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

من طهران نحو فتح أبواب الحوار.. الدبلوماسية القطرية في زمن الحرب.. ورسم مسار الخروج من الصراع

28 أغسطس 2026 , 12:30ص

تتضاعف الحاجة إلى الدبلوماسية كلما اتسعت رقعة الحرب، وضاقت فرص التفاهم. وفي ظل الحرب الأخيرة في المنطقة، وما أحدثته من اضطراب أمني واقتصادي امتدت آثاره إلى الشرق الأوسط والعالم، تواصل دولة قطر مساعيها لوقف التصعيد وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض. وقد جاءت زيارة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، إلى طهران يوم أمس، ضمن تحرك سياسي يستهدف تهيئة الظروف للحوار وحماية أمن دول الجوار وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وتزامنت الزيارة مع مشاركة قطر في الاجتماع الاستثنائي لمجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي بمدينة جدة. ويُعبّر هذا التحرك المتزامن عن دبلوماسية تجمع الاتصال المباشر مع الأطراف والتنسيق الجماعي مع دول الإقليم. وتتمسك الدوحة في هذا المسار بقناعة واضحة: أن استمرار الحرب يضاعف الخسائر، والحوار هو الطريق الأكثر قدرة على حماية الدول والشعوب من مزيد من الدمار.

إبقاء باب الحوار مفتوحا على مصراعيه 
جاء اجتماع معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مرحلة شديدة الحساسية، بعدما أصبحت الحرب مصدر تهديد مباشر لاستقرار المنطقة ولأمن الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي. وتحمل الزيارة في توقيتها ومضمونها رغبة قطرية جادة في كسر الجمود السياسي وتقريب المسافات بين المواقف المتباعدة. 
ناقش الاجتماع آخر تطورات الأوضاع والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتهيئة المناخ المناسب للحوار. وتمثل هذه الخطوة مدخلا عمليا نحو معالجة الأزمة؛ فالحروب المعقدة تحتاج غالبا إلى إجراءات متدرجة تخفف التوتر، وتمنع وقوع مواجهات جديدة، وتعيد بناء الثقة التي هدمتها العمليات العسكرية.
ويؤدي استمرار الاتصال السياسي وظيفة أساسية في الأزمات الكبرى، فهو يحد من سوء التقدير، ويساعد على نقل الرسائل والمخاوف، ويوفر فرصة لاحتواء الحوادث قبل تحولها إلى موجة جديدة من التصعيد. ومن هنا تبرز أهمية وجود طرف يتمتع بعلاقات واسعة وقدرة على التواصل مع القوى الإقليمية والدولية. وخلال الاجتماع، شدد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية على ضرورة احترام سيادة دول الجوار وحرية الملاحة، مؤكدا أهمية معالجة الخلافات عن طريق الحوار. ويضع هذا الموقف أمن دول المنطقة في صميم أي تسوية مقبلة؛ فالشعوب التي لم تختر الحرب تتحمل اليوم جانبا كبيرا من نتائجها الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
وكما تحمل هذه الزيارة رسالة إلى مختلف الأطراف بأن الطريق السياسي ما زال متاحاً، وأن الانتقال من المواجهة إلى التفاوض ممكن متى توافرت الإرادة اللازمة. وقد أعرب وزير الخارجية الإيراني عن تقديره للمساعي القطرية، وهو موقف يعكس حضور الدوحة، وقبول جهودها في مرحلة تحتاج إلى بناء جسور الثقة بين الأطراف المعنية. 

مضيق هرمز في صميم المساعي القطرية
احتل مضيق هرمز موقعا رئيسيا في مباحثات طهران، فقد ناقش الجانبان إطارا مرحليا مقترحا يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك عبر المضيق، إلى جانب تنفيذ مشروع مشترك لتطهيره من الألغام. وتكشف هذه المناقشات عن توجه نحو تحويل المبادئ العامة للتهدئة إلى إجراءات ميدانية قابلة للتنفيذ. ويمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وترتبط سلامته بتدفق الطاقة وحركة التجارة واستقرار الأسواق الدولية. ولذلك تمتد آثار أي اضطراب فيه إلى دول عديدة، من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وتعطل سلاسل التوريد، وتزايد القلق في الأسواق العالمية.
ويحمل المقترح المرحلي قدرا واضحا من الواقعية السياسية، فتأمين ممر ملاحي مؤقت قد يخفف الخطر المباشر عن السفن، فيما يسهم تطهير المضيق من الألغام في حماية الأرواح واستعادة جانب من الثقة بحركة الملاحة. ويمكن لهذه الخطوات أن توفر أرضية تساعد على الانتقال إلى تفاهمات أوسع بشأن أمن الخليج. ومن شأن التعاون في تأمين الملاحة أن يفتح مجالا لبناء الثقة بين أطراف ما زالت تفصل بينها خلافات عميقة. فالعمل المشترك في قضية تمس مصالح الجميع قد يثبت إمكان التفاهم حول ملفات أخرى، ويمنح العملية السياسية وقتا ومساحة للتقدم.
ويتطلب نجاح هذا الإطار ضمانات واضحة، وتنسيقا مع الدول المعنية، واحتراما كاملا للقانون الدولي ولسيادة الدول المشاطئة. كما ينبغي أن يبقى أمن المضيق مسؤولية مشتركة، بعيدا عن سيطرة أي طرف منفرد أو تحويله إلى أداة ضغط في الصراعات السياسية.

خبرة قطرية متراكمة في الوساطة
وتستند الجهود القطرية الحالية إلى خبرة امتدت سنوات في مجالات الوساطة والمساعي الحميدة وتسوية النزاعات. وقد استضافت الدوحة حوارات ومفاوضات تناولت وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والمحتجزين، والمصالحة السياسية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومعالجة النزاعات بالحوار. وتقوم التجربة القَطرية على التواصل المستمر مع مختلف الأطراف، وفهم هواجسها، والبحث عن المساحات المشتركة بينها. وتساعد هذه المقاربة الدوحة على التحرك في ملفات تتسم بدرجة عالية من التعقيد، خاصة حين تنقطع قنوات الاتصال المباشر بين الخصوم.
وقد ظهر هذا الدور في ملفات أفغانستان وغزة والسودان ودول مختلفة، وفي الجهود الإنسانية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى مسارات السلام في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وإن تنوع هذه الملفات يعكس اتساع الحضور الدبلوماسي القطري وقدرته على الجمع بين الوساطة السياسية والعمل الإنساني.
وتدرك الدوحة أن الوسيط مهمته أن يهيئ الطريق ويقترح الحلول ويقرب وجهات النظر، بينما يبقى القرار النهائي في أيدي أطراف النزاع. ولهذا تحرص على استمرار قنوات التواصل حتى في فترات التعثر، لأن بقاء الحوار متاحا يحفظ إمكانية الوصول إلى تسوية عندما تنضج الظروف السياسية. وكما تستمد هذه السياسة مرجعيتها من الدستور الدائم لدولة قطر، الذي يجعل تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية أحد مبادئ السياسة الخارجية. وبذلك تحولت الوساطة إلى توجه ثابت تدعمه الخبرة والعلاقات والثقة المتراكمة.

تحرك قطري بين طهران وجدة
تزامنت زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية إلى طهران مع مشاركة دولة قطر في الدورة الاستثنائية الثالثة والعشرين لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، التي عقدت في جدة، ومثّل دولة قطر فيها سعادة السيد سلطان بن سعد المريخي، وزير الدولة للشؤون الخارجية.
ويكشف تزامن التحركين عن عمل دبلوماسي يسير في مسارين متكاملين، حيث يتيح المسار الأول مناقشة الأزمة مباشرة مع القيادة الإيرانية، فيما يوفر المسار الثاني مجالا لتنسيق المواقف بين الدول الإسلامية وبناء رؤية جماعية تجاه الأخطار التي تهدد أمن المنطقة.
وتحتاج الأزمة الراهنة إلى تعاون واسع يضم دول الجوار والمنظمات الإقليمية والقوى الدولية المؤثرة. وتزداد فرص التهدئة عندما تتقارب المواقف حول احترام سيادة الدول، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وضمان سلامة الممرات البحرية، والامتناع عن توسيع دائرة الحرب.
ويمكن لدولة قطر، من خلال علاقاتها الإقليمية والدولية، أن تسهم في الربط بين هذه المسارات ونقل الأفكار والمخاوف بين العواصم المعنية. وتمنحها خبرتها في إدارة المفاوضات قدرة على صياغة خطوات مرحلية تستجيب للمخاطر العاجلة وتحافظ في الوقت نفسه على فرص الحل السياسي الشامل.
ويؤكد التحرك القطري أن أمن الخليج مترابط، وأن آثار الاضطراب تنتقل سريعا بين دوله. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية إقليمية تقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحماية الملاحة، وبناء ترتيبات أمنية تراعي مصالح جميع دول المنطقة.
خلاصة القول.. 
تمثل زيارة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى طهران محطة مهمة في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وإنهاء الحرب. وقد جمعت الزيارة بين التنسيق السياسي والبحث في ترتيبات عملية لحماية مضيق هرمز، مع تأكيد احترام سيادة دول الجوار وحرية الملاحة والعودة إلى الحوار.
وتملك الدوحة من الخبرة والعلاقات ما يؤهلها للإسهام بفاعلية في فتح الطريق نحو التسوية، مع بقاء نجاح المساعي مرتبطا باستجابة أطراف الحرب واستعدادها لتقديم التنازلات الضرورية. ويمكن للإطار المرحلي المقترح في مضيق هرمز أن يشكل بداية عملية لاستعادة الثقة وتقليل الأخطار وحماية المصالح المشتركة. ولقد أثبتت الحروب المتعاقبة أن الحسم العسكري كثيرا ما يترك جذور الأزمة قائمة، فيما يتيح التفاوض معالجة المخاوف والمصالح ضمن ترتيبات أكثر استقرارا. وتتحرك قطر اليوم من هذا الفهم، مستندة إلى دبلوماسية هادئة تعرف تعقيدات المنطقة وتدرك حجم الخطر الذي يهدد شعوبها.
ومن طهران إلى جدة، تواصل الدوحة العمل من أجل منع اتساع الحرب، وإعادة المفاوضات والحلول السلمية إلى موقعها الطبيعي. فالأمن والاستقرار الإقليمي يحتاجان إلى إرادة مسؤولة، والسلام يحتاج إلى قادة محنكين، يملكون شجاعة فتح الأبواب حين تدفع رياح الحرب نحو إغلاقها.

 

  @FalehalhajeriQa

من وحي تطوير الجريدة الرسمية وبوابة «الميزان».. رحلة قطر نحو المستقبل

حضرت حفل تدشين المنصات القانونية الرقمية الجديدة لوزارة العدل، يوم أمس الأحد، وفي ذهني أنني مقبل على مناسبة رسمية تتعلق بتطوير الجريدة الرسمية وبوابة «الميزان». وبحكم ابتعادي عن التخصص القانوني، لم أتوقع أن أجد في...

من شعلة 2006 إلى علم 2030: الدوحــــة منـــارة آسيــا

حين انتقل علم دورة الألعاب الآسيوية إلى الدوحة استعدادا لاستضافة نسخة 2030، لم يكن المشهد مجرد إجراء بروتوكولي في ختام دورة رياضية. كان يحمل في طياته ذاكرة مدينة عرفت هذه الألعاب قبل أكثر من عقدين،...

خطاب سمو الأمير في الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة: «الحكمة والصلابة.. وجهان لعملة واحدة»

يعكس خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى (حفظه الله)، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، جملة من المرتكزات التي استقرت في السياسة الخارجية لدولة قطر، وفي...

«مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية» نموذجاً.. مراكز الفكر في الأزمات والحروب.. إنتاج المعرفة والتأثير في صنع القرار

اكتسبت مراكز الفكر خلال العقود الأخيرة موقعا متقدما في عملية صنع القرار، بعد أن أصبحت إحدى المؤسسات التي تربط البحث الأكاديمي بالسياسات العامة والإعلام والنقاش المجتمعي، وتعمل على تحويل الكم الكبير من المعلومات والبيانات إلى...

تصريحات نتنياهو ومنافسيه تطرح السؤال: ماذا يريد الاحتلال؟ قطر.. وسيط لا يُقرأ من نصّ أحد

تثير الحملة الإسرائيلية المتصاعدة على دولة قطر سؤالا يتجاوز التصريحات التي يطلقها بنيامين نتنياهو ومنافسوه في الأسابيع الأخيرة: ماذا يريد الاحتلال من الوسيط؟ السؤال يمس جوهر الحملة أكثر مما تمسه تفاصيل الاتهامات المتداولة. فقد اختارت...

دور قطري عالمي في العمل الإنساني.. أبعد من الحدود.. أقرب إلى الإنسان

ثمة لحظة تختبر فيها الكوارث معنى التضامن أكثر مما تختبر قدرة الدول على التعبير عنه. حين يضرب زلزال مدينة، أو تحاصر الحرب ملايين المدنيين، أو تلتهم الحرائق مساحات واسعة، يصبح الفارق كبيراً بين التعاطف والاستجابة....

رجل اتسعت له الدوحة.. حتى اتسع له العالم.. العزاء الذي كشف مقدار «فقيد قطر الكبير»

في أيام العزاء، لم تكن الدوحة تستقبل وفودا جاءت لأداء واجب رسمي عابر؛ كانت تستقبل شهادات حيّة على مكانة رجل امتد أثره من وطنه الصغير في الجغرافيا إلى دوائر واسعة من العالم. تعاقب الملوك والرؤساء...

وضع أسس نهضتها الحديثة ورسم مكانتها العالمية.. الأمير الوالد.. رجلٌ غيَّر وجه قطر

نعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي وافته المنية صباح أمس الأحد، السابع والعشرين من المحرم 1448هـ، الموافق الثاني عشر من...

قطر في قمة السبع في إيفيان: دبلوماسية الوساطة.. ورهانات الاستقرار

جاء حضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان لي بان الفرنسية، في لحظة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد على نحو مباشر. فالشرق الأوسط يقف أمام...

مدرجات أمريكا.. العنابي يكتب التاريخ من قلب «سانتا كلارا»

في عالم كرة القدم، تصنع الثواني الأخيرة ذاكرة الشعوب، وتمنح المباريات معناها الأعمق حين تتحول من مجرد اختبار كروي عابر إلى درس بليغ في الشخصية والصمود، ومن نتيجة رقمية على الشاشة إلى علامة فارقة في...

من الدوحة إلى مونديال أمريكا الشمالية: قطر ترافق العنابي بفريقها وجماهيرها وإعلامها

تدخل دولة قطر كأس العالم 2026 وهي تحمل رصيداً مختلفاً عن معظم المنتخبات العالمية المشاركة. فهي ليست دولة تأهل منتخبها إلى البطولة للمرة الثانية في تاريخه، وليست بطلة آسيا في نسختين متتاليتين فحسب، وإنما دولة...

قناة QBC الاقتصادية: الطموح القطري في صدارة المشهد المالي العالمي

تسطر دولة قطر اليوم فصلا جديدا من فصول تميزها الإعلامي، معلنة عن تدشين قناة QBC الاقتصادية كذراع إعلامي استراتيجي يتبع المؤسسة القطرية للإعلام. يمثل هذا الصرح الجديد قفزة نوعية في صناعة المحتوى المتخصص، وتجسيدا حيا...