alsharq

فضيلة الشيخ د. عبدالعزيز بن عبدالله آل ثاني

عدد المقالات 72

من أسباب المغفرة

19 مارس 2025 , 10:41م

الحمد لله الذي يقبل التائبين، ويجيب دعوة المضطرين، ولا يخيب سعي الراجين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين. وبعد: فقد روى الترمذي رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: «يَابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ ‌مَا ‌دَعَوْتَنِي ‌وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». ورواه إمامنا أحمد وغيره من حديث أبي ذر رضي الله عنه. هذا الحديث غاية في كرم الله ورحمته بخلقه ولطفه بهم، تضمن ثلاثة أسباب من أسباب المغفرة العظيمة، والمتأمل فيها يجدها من حيث محلُّها على قسمين: 1. أسباب قلبية وقد تضمن الحديث سببين قلبيين يغفر الله لصاحبهما؛ إذ يدلان على سلامة قلبه، وصفاء لُبّه، وهذان السببان هما: • الرجاء: ومعناه تأميل الخير من الله، وهو ما أشار ربنا إليه في الحديث القدسي الذي رواه أحمد وغيره، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ». فما يعتقده العبد في ربه يعطيه إياه، وما يأمله منه يجده، وإن سوء الظن بالله يمنع كثيرين من الرجوع إلى ربهم، حيث يعصي ربه سنين عدداً حتى إذا راودته نفسه عن التوبة قام له الشيطان بسوء الظن في الله، فيقول العبد العاصي: كيف يُغفَر لي وقد فعلت كيت وكيت؟! وهذا من سوء الظن، فربنا جل سلطانه يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. والمؤمن يعيش بقلب يتقلب بين حالتين: الرجاء والخوف، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: 56]، فإذا طغت حالة منهما على أخرى وقع الميل وفُقد الاتزان، وتخبطت النفس يمنة ويسرة، ووقعت النفس في المحظور. • التوحيد: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة مطلقاً، قلبية وقولية وفعلية، فربما يفرد العبدُ الله سبحانه بالعبادة بجوارحه وقلبه غير سليم في هذا الباب، حيث يعتقد ما ينافي التوحيد، ويعتبر نوعاً من الشرك مما يحبط العمل، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66]. بل الله فاعبد أي وحده لا تعبد معه غيره، والتوحيد أعظم ما يعده العبد للقاء ربه، إذ به النجاة وبعدمه الهلاك والبوار. وعمل القلب من الأعمال التي لا يطلع عليها إلا مقلب القلوب، لذلك كان القلب موضع نظر الله، وما أعمال الجوارح إلا ترجمة لحالات القلب. 2. أسباب لسانية وقد ذكر ربنا في الحديث سببين، يندرج أحدهما في الآخر، هما: • الدعاء والاستغفار: والمتأمل يرى أن الدعاء عام يشمل الاستغفار وغيره، ولعل هذا من التنصيص على بعض أفراد العام للتنويه بشأنه، والتعظيم لقدره، وكأن ربنا تعالى يرشدنا في هذا الحديث إلى الإكثار من هذا الدعاء وهو الاستغفار، لأنه تفريج للهموم، وتنفيس للكربات، وجلب للأرزاق، وعبادة الرحمن، وموصل للجِنان، وإكثاره صفة المتقين، وسنة خاتم المرسلين، من لزمه نال الخير في الدنيا والآخرة، ومن تركه خسر الدنيا والآخرة. وفي دعوة نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [سورة نوح]. هذا وإن لفظ الدعاء ورد في الوحيين مقروناً بعمل القلب؛ الخوف والرجاء معاً أو أحدهما، كما في الحديث وآية الأعراف، إشارة إلى وجوب الحضور القلبي عند الدعاء، فالقبول لغير الساهي اللاهي الغافل. وقانا الله والقراء الكرام الغفلة.

الماجَريات بين الانغماس والانفصال

الحمد لله الذي أمرنا بالطاعات، وجعل أعمار خلقه ساعات، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كره لنا فضول الكلام وقيل وقال ونشر الإشاعات، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم ما دامت الأرض والسماوات. وبعد: فإن من...

الحرية شعار بين الزيف والحقيقة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالدين الحق، والصلاة والسلام على نبينا محمد أكرم الخلق، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم لقاء الحق. وبعد: فإننا ما زلنا نسمع مغالطات في استعمال لفظ الحرية داخل...

بادر قبل أن يغادر

الحمد لله الذي تفرَّد بالبقاء، وحكم على خلقه في الدنيا بالفناء، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الرسل والأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واتخذهم أولياء. وبعد: فكل مبدوء مختوم، وإنما الدوام للحي القيوم، وهذا...

الابتلاء بين المحبة والعقاب

الحمد لله الذي يعافي من يشاء بفضله، ويخذل من يشاء بعلمه وعدله، والصلاة والسلام على نبينا محمد المزكى في قوله وفعله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم في دينه وصبر على حمله. وبعد: فإن الدنيا لا...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (5)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. وبعد: فلما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام قوله: «‌مَا ‌أَنْزَلَ...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (4)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. وبعد، فإن خطر المنافقين لا يقتصر على الدين وحده، وإنما يشكل...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (3)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. ​وبعد: فإن خطر النفاق والمنافقين على الأمة عظيم؛ فما ظهرت الفرق...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (2)

الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُراساً. وبعد: فإذا كان النفاق الاعتقادي إظهار الإسلام وإخفاء ما يناقضه باطناً،...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (1)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. وبعد: فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا...

عوامل الثبات في زمن الفتن والأزمات

الحمد لله الذي وعد المؤمنين بالثبات، وأرشدهم إلى عوامله في الآيات، والصلاة والسلام على من ختمت به الرسالات، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ما دامت الأرض والسماوات. ​وبعد: فلنتضرع إلى ذي الجلال والإكرام في هذه...

قسوة القلب أسبابها وآثارها وعلاجها (3)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن العلم بأسباب المرض وعلاماته ومظاهره نصف العلاج أو أكثر، ونظراً لانتشار هذا المرض الذي يسمى قسوة القلب بسبب قلة الوعي...

قسوة القلب أسبابها وآثارها وعلاجها (2)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.. ​وبعد: فقد مر معنا أن قسوة القلب ناتجة عن كسب الإنسان وعمله، وهي عقوبة ربانية معجلة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون،...