معايير السلوك الطائفي (3-3)
19 مارس 2013 , 12:00ص
بعد النجاح الذي حققه الأوروبيون في اجتياز عصر الصراعات الدينية والمذهبية وتمكنهم من بناء دولة المواطنة حاول النظام الرسمي العربي أن يستنسخ التجربة، وخطا خطوات واسعة في هذا المجال، إلا أن المحاولة لم تلبث أن تلكأت واضطربت لأنها في الغالب كانت ممارسات مجزأة أو مفككة وفيها قدر كبير من السطحية والانتقائية، فهناك في الغرب مثلا تقترن العلمانية بالديمقراطية، وعندنا اقترنت بأشد أنواع الديكتاتورية، وهناك دولة المواطنة يبنيها المواطنون وفق عقد اجتماعي واضح ومحدد، وهنا الدولة تفرض على المواطنين بالصيغة التي يختارها الحزب الأوحد والقائد بالضرورة، كما أن التجربة الغربية كانت تجربة مبنية على أسس علمية رصينة فكان النظام بأكمله انعكاسا لثقافة مجتمع وإرادة أمة فكرت وخططت ونفذّت، وعندنا لم تكن المحاولة سوى تعبير عن انبهار وإعجاب بالنتائج التي حققها الآخرون، هذا إضافة إلى أن التجربة الغربية لم تصطدم بطبيعة التدين المسيحي والقائم على مقولة: «دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر» بينما كانت المحاولات العربية بمجملها متصادمة مع الكثير من ثوابت الإسلام ونصوصه القاطعة.
حاول النظام العربي وهو يعيش زهو التقليد المريح للتجربة الغربية أن يستعلي على مشاكله الداخلية المعقدة، ومنها التحدي الطائفي والذي تعاملت معه الأنظمة العربية كلها باللامبالاة حتى في جانبه العلمي والتحليلي, والذي لا يتطلب سوى دراسة موضوعية عن الظاهرة واحتمالاتها ومآلاتها، إلا أن الرياح لم تجر كما اشتهت هذه الأنظمة، حيث فجرت ثورة الخميني بركانا هائلا من الأزمات الثقافية والسياسية والأمنية في المنطقة، ثم جاء التحالف الأميركي الشيعي في العراق ليحاصر النظام العربي كله في الزاوية الحرجة، وليكتشف العرب أن «بوابتهم الشرقية» لم تعد كما كانت، وأن نصف الشعب العربي في العراق محكوم اليوم بولاء ديني وسياسي لدولة أجنبية، وكذلك الحال في لبنان واليمن وبعض دول الخليج وإن كانت بنسب متفاوتة.
قبل أيام وعلى برنامج الاتجاه المعاكس كان أحد السياسيين الشيعة في العراق يفاخر بأنه صفوي وأن الخامنئي يمثل مرجعية عليا للشيعة, ولذلك فهم ملزمون بتقبيل يده اليمنى واليسرى!
وكان قبل هذا حسن نصر الله والذي أعلن في أكثر من مناسبة أنه مرتبط بالولي الفقيه ارتباط بيعة وعهد والتزام، وأنه ينفذ في لبنان توجيهات «السيد القائد».
إن الخطورة ليست في تصريح هذا المسؤول أو ذاك، وإنما في سكوت الشيعة العرب في العراق ولبنان وتقبلهم لها, وكأنها حقائق ومسلمات لا تستدعي حتى الاعتراض أو النقاش.
لقد استيقظ النظام العربي على هذه الفاجعة فجاءت تصريحات الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك, والتي قال فيها بالنص من على شاشة العربية: «الشيعة أغلبهم ولاؤهم لإيران مش لدولهم» وهناك تصريحات لا تخرج عن هذا الإطار لمسؤولين سعوديين وأردنيين ويمنيين، وكلها تؤكد خطورة المأزق الذي تمر به المنطقة، والتحدي الذي يواجهه مفهوم الدولة الحديثة أو دولة «المواطنة».
إن المعيار الثالث للسلوك الطائفي والذي نستنتجه من هذه القراءة هو الولاء للأجنبي بدافع ثقافي وديني، وهو ما يشكل خطرا على نظام الدولة أكثر بكثير من الارتباطات القائمة على أساس تغليب المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن, بما فيها شبكات التجسس التي تنشط في أجواء الحرب الساخنة أو الباردة.
إن الدافع الطائفي للارتماء بحضن الأجنبي قد يتجاوز حدود الولاءات الطائفية، بمعنى تغليب الولاء الطائفي على الولاء الوطني، إلى حالة الولاء للعدو أيا كان هذا العدو، وهذا ما حصل في تاريخ بغداد القديم والحديث، حيث كان سقوط بغداد الأول على يد هولاكو بمساعدة الوزير الأول للدولة ابن العلقمي وبمشورة المرجع الأكبر في ذلك الوقت نصير الدين الطوسي، والذي سخّر علمه في خدمة هولاكو كما سخّر ابن العلقمي منصبه، وما حصل لبغداد في سقوطها الأول حصل لها في سقوطها الأخير على يد بوش الابن, وبمساعدة من يمكن تسميتهم بالعلاقمة الجدد.
بين سقوط بغداد على يد هولاكو وسقوطها اليوم تمتد ثقافة معقدة ومتشعبة لا يمكن أن تفرز إلا هذه الحالات النشاز في التعامل مع مفهوم الوطن والأمة.
إن نصير الدين الطوسي والذي أجمعت كل الروايات التاريخية على أنه كان يعمل في خدمة هولاكو إلا أنه لا يزال محل جدل ثقافي خطير، فبينما يقول عنه علماء السنّة: «النصير الطوسي جاء في طليعة موكب السفّاح هولاكو، وأشرف معه على إباحة الذبح العام في رقاب المسلمين والمسلمات» [الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب ص 47]، يقول فيه محمد باقر الخوانساري: «ومن جملة أمره المشهور.. استيزاره للسلطان هولاكو... ومجيئه في موكب السلطان إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد وقطع دابر سلسلة البغي والفساد... بإبادة دائرة ملك بني العباس وإيقاع القتل العام في أتباع أولئك الطغاة إلى أن سال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار» [روضات الجنات ج1ص300]، ويقول الخميني: «يشعر الناس بالخسارة أيضا بفقدان الخواجة نصير الدين الطوسي ممن قدموا خدمات جليلة للإسلام» [الحكومة الإسلامية 128].
وفي ابن العلقمي يقول الشيعة: «الوزير السعيد العالم مؤيد الدين أبوطالب محمد بن أحمد بن العلقمي... استوزره المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين... ثم استوزره السلطان هولاكو خان مزيل الدولة العباسية... كان رضي الله عنه إمامي المذهب صحيح الاعتقاد رفيع الهمة محبا للعلماء والزهاد» [أعيان الشيعة ج9ص86].
إذاً نحن لسنا أمام حادثة أو خيانة فردية يمكن فرزها واحتواؤها, وإنما نحن أمام ثقافة دينية عامة تبرر التحالف مع «السلطان هولاكو» ضد بني العباس وهم أبناء عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناء عم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى لو أدى هذا التحالف إلى كارثة بمستوى الكارثة التي حصلت لبغداد والأمة أجمع في تلك الحقبة السوداء.
وإذا كان السلوك السياسي لا يمكن فصله عن السلوك الثقافي والديني فإنه لمن المؤكد أننا سنواجه نمطا متشابها من المواقف السياسية, متماهيا ومتناغما مع تلك الثقافة، ولذلك فإن المهتمين بالشأن العام من سياسيين وإعلاميين والذين اصطدموا بالتحالف الأميركي الشيعي في العراق إنما تنقصهم الخبرة التاريخية والتجسير المنهجي بين الدائرة الثقافية والدائرة السياسية.
إنه لمن الخطأ الفادح أن نغمض عيوننا عن كل هذه الحقائق، ثم نمارس قدرا من التضليل والتجهيل ومحو الذاكرة التاريخية للأمة بدوافع وتصورات مشوشة وغير مدروسة، حتى وصل الأمر إلى خلط الأوراق بين من يدعو للطائفية وبين من يدعو لمقاومة الطائفية، بين من يدعو لاجتثاث الأمة ومسخ هويتها وبين من يعمل لتحصين الأمة وترسيخ هويتها، فمجرد الحديث في هذه المفاهيم سلبا أو إيجابا مع الأمة أو ضد الأمة يجعلك طائفيا!
إنه لمن المؤسف أن نجد القادة السياسيين لا يملكون المعلومة الدقيقة التي تؤهلهم لقراءة الواقع قراءة صحيحة ودقيقة وتمكنهم من التنبؤ بتصرفات الآخرين وطبيعة تحالفاتهم وعلاقاتهم، ولا أدري كيف سيكون القرار مصيبا أو أقرب للصواب إذا كان صاحب القرار يجهل الأرض التي يقف عليها والبيئة التي يعيش فيها.
إني لأجد من اللازم أن تتضمن مقررات الدراسة في كليات العلوم السياسية مقررات خاصة عن تاريخ الأديان والفرق المختلفة وخارطة الصراعات الطائفية بطريقة علمية وموضوعية دقيقة، ويخطئ من يظن أن التعليم الحديث في الغرب قد نزّه نفسه عن هذا النوع من الدراسات، بل العكس هو الصحيح فدوائر الاستشراق تمتلك الخبرة الكافية، وهناك اهتمام استثنائي بهذا الموضوع في الجامعات الغربية، ومن يقرأ مذكرات بريمر عن تجربته في العراق يتأكد من أنه جاء محملا برؤى ومعلومات عن الخارطة الطائفية في العراق أكثر بكثير من العلماء العراقيين أنفسهم! وما انحيازه التام للشيعة إلا عن معرفة دقيقة بتلك الثقافة وذلك التاريخ.