


عدد المقالات 336
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب، مستندة بالأساس إلى حالة من التقديس لشخص علي -رضي الله عنه- ومرة يحدثونك عن الانحراف الروحي، حيث تحولت الخلافة من سمتها الروحي القائم على الزهد والتقشّف إلى ملك عضوض يقوم على الترف وحب الدنيا. ولمناقشة هذين المعيارين، أحثّ القارئ المنصف أن يتمعن أولاً في هذه الآية الشريفة: «قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرّد من قوارير»، فهذا الصرح الذي أدهش ملكة من ملوك الدنيا حتى إنها حسبته بحيرة ماء، وما درت أنه مبنيّ من الزجاج، كان جزءاً من قصر نبيّ الله سليمان -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- وما أظن أن معاوية ولا غيره من الأمويين أو العباسيين قد بنى مثله، وهذه الآية تجعلنا نجزم أن سمت الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- في الزهد والتقشّف كان سمتاً منبثقاً من طبيعتهم وبيئتهم التي نشؤوا فيها، وليس شرطاً من شروط الحكم الرشيد، فلا يطلب من الحاكم المسلم أن ينام على الرمل أو يحلب الشاة أو يلبس المرقّعات، خاصة بعد أن رأينا أن هذا الزهد قد سهّل على الأعداء المتربصين الوصول إلى مركز القيادة في الأمة، فتم قتل الخلفاء الثلاثة «عمر وعثمان وعلي» بأسهل الممكن، وكادت الأمة كلها أن تذهب وتنتهي، بينما لم يتمكن أولئك من الوصول إلى أي خليفة أموي أو عباسي، فبأي منهج علمي أو سياسي أو إداري يتم إغفال هذه الحقائق، ويُكتفى بمحاكمة التاريخ بمعيار الزهد والورع ونقاوة الروح، وكأن الإسلام يدعو إلى حكم ديني مقدّس، يرأسه قديسون وليس بشراً مثل بقية البشر. أما الحديث، فقد روى البخاري في صحيحه حواراً بين العباس وعلي حول خلافة الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا نصّه: «أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- خرج من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أصبح بحمد الله بارئاً، فأخذ بيده عباس بن عبدالمطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سوف يُتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبدالمطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده». إن هذه الرواية تكمّل لنا الصورة المعبّرة بشكل عادل ومتوازن عن طبيعة ذلك العصر ونظرته للحكم والحاكم، وكيف أن الحكم الوراثي السلالي ما زال جزءاً من الثقافة العامة، فالصحابة -رضي الله عنهم- لم يخرجوا عن بيئتهم، ولم ينسلخوا من بشريتهم، وإن كانوا متفاوتين في فضلهم ومكانتهم.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...
الحقيقة أن العلماء لم يختلفوا في القطعيات أو البديهيات، لكنها أزمة الحوار التي حوّلت الخلاف في هذه المسألة وغيرها من دائرة الظنّيات إلى دائرة القطعيات، ومن دائرة الفرعيات إلى دائرة الكليات، وهي أزمة تنقل الحوار...