


عدد المقالات 350
ها قد انقضى ركن الحج لهذا العام، وعاد كل حاجّ أخلص لله كيوم ولدته أُمه، وفرح المسلمون بهذه الشعيرة ولبُّوا خلف الحجيج، ونحروا الهدي، وهللوا وكبروا احتفاء بهذا الركن العظيم. وبعد فإن للحج لطائف لا تحصى، ومن حاول تعدادَ لَطائفِ اللهِ في هذه الشعيرةِ، فسيجد أن لغتَه في ضمورٍ، ولسانَه في قصور، وأن بصرَه خاسئٌ حسير، وسيجد نفسه ناحتًا من عرضِ جبلٍ، وغارفًا من عبابِ بحر. فلا يحصي أَحدٌ ثناءً على الله كما أَثنى هو على نفسِه العليةِ، وذاتِه القدسيّة، فلنجعلْ خريطتَنا القرآنَ الكريمَ للمرور على اللّطائفِ والطرائف، ولنحملْ سلة الوحي الإِلهيِّ، ووعاءَ الهدي النبويِّ، فنجمعْ جنى جنة الحجِّ وقطوفها الدانية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ * فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ * وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ *وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ * وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب﴾ [البقرة: 197]. إِن هذه الأَشهرَ المعلوماتِ هي قنطرة إِيمانية مركزةٌ، تجعلُ المؤمنَ مسطرة في الاستقامة، وأُسوة في التماهي مع الشعائرِ، والتناهي في مراعاة تفاصيلِ الأَوامر، فيكونُ نموذجاً ملائكياً لا يعصي اللهَ ما أَمره، ولا يجادلُ في أَمر اللهِ، ويمضي في نُسُكِه سَلِسًا غيرَ شَكِس، مسالماً غيرَ مخاصم، ثم يحمل معه كل الخصائص التي اكتسبها من مناسكه ليجعلها منهجاً لحياته. فمعلوم أن الله تعالى ييسر لأمته في تلك الأيام ما فيه صلاحُ أَمرِها، وحسنُ خاتمتِها، وخيرِ عاقبتِها، يريدُ اللهُ أَن يسقي عبدَه الذي تاب وأناب شربة هنيئة مريئة لا يظمأُ بعدها، وأَن يُقيتَ روحَه من قوتِ العمل الصالح، وهل يتأَتّى للروح أَن تحلّقَ إِلا عندما تتخفّفُ من ثقلِ البدن، وهل لها أَن تنموَ إِلا لدى انكماشِ النفسِ الأَمارة، وهل لآفاقِها أَن تنفتحَ إِلا من حيث تُغلَقُ منافذُ الهوى؟ ومن لطائف الحج أيضاً لجمُ النفس لمصلحة الروح، وحرمانها الزينة في موقف الإحرام؛ حتى لا تُزاحِمَ اهتماماتِ المؤمنِ في إِحرامِه ولا تشوّشَ عليه صفاءَ رضوخِه وانكسارِه، فإِن كان ربنا منَع النفسَ ما اعتادتْه من الحِلِّ، فأَحرى به سبحانَه أَن يسُدَّ عليها ثغراتِ الفسوقِ وفلَتاتِ الذنوب، حتى الجدالُ الذي هو فتيلُ العدوانية والتنافرِ، حرّمَه لكي لا يكونَ للشيطانِ مساحةٌ يعبثُ فيها، ولا متنفساً يَنشزُ منه. بين كل هذه الأَوامرِ الحاسمة والنواهي الصارمةِ، تتكونُ النسخة المثلى للمسلمِ المفرد، وباجتماعِ هذه النسخِ الهائلة تتكونُ النسخة المثلى للمجتمعِ المسلم، الذي دخل في السلم كافّة، وحاد عن خطواتِ الشيطان، وصَلُحتْ ذاتُ بينِه، وتشابكت عُراه المتينة، وتوثقت وشائجُه الحميمة، هنا يعلّمنا اللهُ الإِسلامَ والسلام، فنكونُ حنفاءَ على ملة إِبراهيمَ الذي قال له ربُّه أَسلمْ فأَسلمَ، قبل أَن يستشيرَ عقلَه الذي هو هبة من الله، وقبل أَن يستجوبَ قلبَه الذي هو بيدِ الله، ونكون مسالمينَ رحماءَ على عبادِ الله، نابذين شعثَ الخلافِ وشرذمة التحزّبِ والتمذهُبِ وراءَ ظهورِنا، معتصمين بما يجمعُنا من الإِنسانية والرسالة الخاتمة. وختاماً نقول لحجاج بيت الله الحرام ولجموع المسلمين: تقبل الله طاعتكم جميعاً.
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...