


عدد المقالات 381
إنَّ خيرَ بداية نتفقّه فيها بالنصر، أن نتذكّر أن الناصر اسم من أسماء الله، وهو اسم كريم متاخم وملازم لاسم الغالب، والنصرة من الله هي تعدية الغَلبة لفريق، فيقهر فريقًا آخر ويغلبه، وهي العون والمدد، وقد ورد اسم الله الناصر بصيغة التفضيل في موضع واحد من كتاب الله، في قوله تعالى: «بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِريْنَ»، وصيغة التفضيل هذه، تقتضي أن يكون هناك ناصرون من دون الله، وهو وارد غير ممتنع؛ فهناك من البشر من ينصرون أشياعهم وأتباعهم، وقال تعالى في بعض فئات المؤمنين الذين لم يبرحوا أماكنهم ولم يتركوا مواطنهم، ولم يدخلوا في زمرة المهاجرين: }وَإِنْ اسْتَنْصَرُوْكُمْ في الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيْثَاقٌ{، أي أنَّ النصر فِعلٌ يشترك فيه الخالق والخلق، ولكن للهِ مثله الأعلى، وللعباد مثله الأدنى، ونصر المسلمين لهم يكون بأن يرفدوهم مددًا ويكثروهم عددًا.وقد وردت كلمة «ناصر» أكثر من مورد في كتاب الله، ولكن بمعاني دونية ليست بحق الجَناب الأعلى، والمقام الأرقى، وقد قال تعالى في ثلاث آيات متعاقبات من سورة الطارق: } إِنّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٌ{. أي أن الله قادر على بعث الإنسان من الموات، وإعادته إلى الحياة، وذلك في دار القرار، حيث تُعرض الأسرار، على الواحد القهار، فليس ثمة تناصر ولا أنصار، بل تدابر وإِدبار.
ومن مرادفات الناصر القرآنية «النصير»، والأخير مبالغة من الأول، وله أربعة مواضع قرآنية منها قوله تعالى: } وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيْرًا {، وعليه نصَّ حديث نبوي شريف رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، جاء فيه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا قال: «اللهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيْرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ».
وقد فقّهنا الله بفقه النصر حينما أعطانا الدروس النافعة، والمواعظ الناجعة بخيرة خلقه المصطفى الأمين، وخيرة صحبه من الأنصار والمهاجرين، في خير القرون منذ آدم إلى يوم يبعثون، ولقننا سبحانه وتعالى دروسًا لمن كانت له أذن واعية، ونبهنا إلى أنّ سلعة النصر غالية، وأن أدنى خلل يؤخره، وأن صغائر المعاصي تعثره، فالله جل وعلا يوم أحد وبعد أن دارت الدائرة على الكافرين، وولوا مدبرين، واستشعر المؤمنون حينها نشوة النصر، حدث الخلل، وفارق الرماة مواقعهم على الجبل، يبغون التقاط الغنائم، فتسببوا بعودة الكرة والهزيمة. وكذلك الحال يوم حنين؛ فبعد أن خرج المسلمون في جيش جرار، من المهاجرين والأنصار ومن قبائل العرب الذين دخلوا في الإسلام، خرجت كلمة من أحد أفراد الجيش لا يلقي لها بالًا، فعادت على المسلمين وبالًا ونكالًا، مفادها: «لن نغلب اليوم من قلة»، أي أن حشودهم وعديدهم كفيلة بالنصر، وما أن التقى الجمعان حتى انفرط هذا الحشد الخِضَمّ، والجيش العرمرم، وبقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ثلة معدودة في رأس الطليعة، وفي حامي الوطيس والوقيعة، ثم منَّ الله بعودة الكرة للمسلمين، ونزل البيان القرآني لاحقًا يشير إلى هذا المرض العقدي الذي ينافر الإيمان والتواضع للرحمن، فقال تعالى: } وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مَدْبِرينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِيْنَتَهُ عَلَى رَسُوْلِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِيْنَ وَأَنْزَلَ جُنُوْدًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِيْنَ { التوبة.
وأخيرًا، ما أعظم أن نتفقّه في أسباب النصر وأشراطه وأركانه وآفاته ونواقصه ونواقضه، كي ننتصر بداية على أنفسنا وعلى الشيطان قبل أن ننتصر على أعدائنا.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كثيرٌ من الناس يتجادلون في التربية، وبعلاقتها بالأسرة والمجتمع والمؤسسة التعليمية، فتتعدد الآراء المرتبطة بمفهومها، ويختلف الناس حولها، ويكمن مرجع ذلك إلى الاختلاف حول موضوع التربية من جهة، وحول فهم الطبيعة الإنسانية من جهة ثانية،...
قالوا فيها: إنها هبة ربانية مباركة، وبحرٌ لا تنفدُ كنوزُهُ، أنعم الله بها علينا – نحنُ أمةَ العربِ - وهي معشوقةٌ عجزتْ أبياتُ الغزلِ عن الإيفاء بحق جمالِها، وهي بنتُ عدنانَ، وفخرُ ميراثِ الأَجدادِ، إنها...
كلنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30)، لكّن قلة من الناس من تعي معناه، ومقصد دلالته، وإنّ...
تعد التربية ظاهرة اجتماعية؛ كونها لا تجري في فراغ أو من دون مجتمع، ولا يمكن تصور وجود الإنسان فردًا منعزلًا عن مجتمعه أو جماعته في العصور الحديثة. والتربية في أحوالها كلها، لا تهتم بالفرد منعزلًا...
كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...