


عدد المقالات 350
معلوم أنّ لله عزّ وجل صفات وأسماء له فيها الفردانية المطلقة، إذ لا يمكن أن تنسب إلى مخلوق من مخلوقاته في معناها الاصطلاحي، ومنها لفظا الخالق والخلّاق بالتعريف. لكن هناك بعض أسمائه ما يشتق منها معاني أخرى تجعل في إمكان مخلوق ما أن يتّصف بها، كأن نقول: «فلان شاعر خلّاق»، بمعنى أنه خارق للأذواق، مكثر من المعاني البديعة، وأساليب البيان الرفيعة. إن الخالق واحد لا ثاني له، هو الله تعالى، قال في كتابه: «أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ»، وفي هذا السياق الكريم تنقسم أفعال الله إلى الخلق والأمر، فالخلق أن يبرأ النسم، ويبث الأمم، ويخرج المعدوم من كتم العدم، والأمر أن يَقسم الأرزاق، ويقدر الأقدار، ويقلب الليل والنهار. ثم هو المتفرّد بأطوار الخلق؛ علمًا وتنفيذًا وتقديرًا، فقال محاججاً من يشكّكون بذلك متحديًا إياهم: «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُون؟» ومن عطاءات التدبر وإملاءات التفكر في هاتين الآيتين، ما سطره الدكتور محمود محمد غريب، الذي ألف المؤلفات، وصنف المصنفات في إعجاز القرآن، فقال: والضمير في قوله تعالى «أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ» عائد على المني، وليس على الجنين. ومن مغازي هاتين الآيتين؛ أن تكونا لفتة للجاهل، وتنبيها للغافل، ليستفيق من غرور الأسباب، ويرد الأمر إلى المسبب رب الأرباب، فقد يتوهم الغافل المغرور أن الخلق يتناسلون على نحو متواتر ميسور، وأن مهمة الخلق الرباني انتهت بعد أن خلق الله آدم وحواء، وبثه منهما رجالًا كثيرًا ونساء، ومنذ ذلك الحين والأناس يتكاثرون ويتناثرون في الرقاع والأصقاع، وأن الأمر يعمل على نحو خطيّ، فالسبب يقود إلى ناتج حتمي، واجتماع الذكر والأنثى يفضي إلى الحمل والتخصيب، ثُمَّ إِلى الولادة لا ريب! فقد ذكّر الله أنّ عملية الخلق مستمرة حتى في أصغر المقاسات، وفي أدق الكائنات، وأن «ما تُمْنونَ» تعني أنّ ما يخرج من أصلابكم من مادة الحياة، ليس نتاجكم ولا علاجكم، ولا لكم يد في تصميمها وتنظيمها، ولم يشأ الله أن يجعل الأمر يسير رتيبا في دارة لا تتخلف، وقاعدة لا تتوقف، بل جعلها في خطر المشيئة ورهن الإرادة، وأخرجها عن تسلسل الرتابة وحكم العادة، فقال تعالى على سبيل خلق الإنسان }ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ{. ومن الأقوال فيها أن الله يخلق الناس إما بكامل خلقهم المعهود، أو ببعض النقص فيه؛ كأن يخلق الأكْمَهَ والأعمى والأصم، لحكمة من سنن الابتلاء، سبحانه له في شؤون خلقه ما شاء. هذا على سبيل الخلق إذا قدّره ويسّره، ولله تعالى أيضًا تصرّفات تقضي بامتناع الخلق في مظان توقعه وانتظاره، وإدباره في مواطن استبشاره، فقد قال تعالى: }للهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَليمٌ قَدِيِرٌ{. إذًا، خلقه تابع لمشيئته جلَّ وعلا، لا يجري مجرى الأسباب إلا بإذنه وقدره، وفي خلق الإنسان يبقى التصرف في كل الأمور، فهو واهب الإناث أو الذكور، وهو إن شاء يقدّر العقم وانقطاع سلسلة التوالد في أحد الأصلاب أو الأرحام، فتتوقف الذرية في ذلك العرق السلالي بعد جريانها ألوف الأعوام. وقيل الخَتْم، أشير إلى صيغة المبالغة من اسم الخالق وهي «الخلاق»، وهذه الصيغة تدل على الكثرة، ومن أكثر من الله خَلقًا وفَتقًا لطيّ العدم؟! ومن أكثر منه إيجادًا وإخراجًا للحي من الميّت، والميّت من الحي، فعله في الخلق لا يتوقف ولا يتخلف طرفة عين، «فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِين».
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...