


عدد المقالات 347
أقدس ما يرتبط به الحِلم هو اسم الله (الحليم) الذي تردد في الكتاب العزيز إحدى عشرة مرة، وهو صفة ذات فيه سبحانه؛ إذ لا يقبل النقيض سبحانه، ومعنى مادة (حِلْم) اللغوية هي التأني والأناة، وهي العقل الذي يكون نقيض الطيش واتباع الهوى، وقد قال حكيم الجاهلية زهير بن أبي سلمى: وإنَّ سفاه الشيخ لا حلم بعده وإنَّ الفتى بعد السفاهة يحلمُ وهذه حكمة دريّة، ونادرة ألمعية، خطرت للشاعر، فهو يقرر أن الخفة والطيش في الفتيان في مقتبل العمر والريعان غالبًا ما تتبدل بالحلم والرجحان، وذلك بعد أن تصقلهم التجارب وتعركهم رحى الحياة، ولكن عندما تحل السفاهة في الشيخ الكبير، فلا رجاء بعدها في حلم ولا عِلم. ولولا أن الشاعر كان جاهليًا، لقلت قد حاكى فكرة خلق الله للإنسان وأطوار الأعمار، التي تبدأ من الضعف، ثم بالقوة ثم بالانحدار نحو الضعف والشيبة، وهناك من يرده الله إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئًا؛ وهذا ما قصده الشاعر اللبيب، ببصره النافذ وفكره الأريب. والحلم أيضًا العقلُ، فلطالما ورد في الأدبيات اللغوية، واشتملت عليه الآيات القرآنية، نحو قوله تعالى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُم بِهَذَا) أي عقولهم. وقد كان كفار قريش إذا اشتدوا في النكير في وجه النبي النذير البشير - صلى الله عليه وسلم - قالوا لعمه أبي طالب: «لقد سفّه أَحلامنا وعاب آلهتنا»، ويجوز في الأحلام هنا العقول أو العقلاء الكهول الذين كانوا يخوضون في أمر البعثة النبوية، ويتآمرون عليها؛ ليحجبوها عن الانتشار في البَرِيَّة. وقد أورد الشاعر جرير صاحب الهجاء المرير هذه الكلمة بمعنى العقل في غير موضع من ديوانه؛ فمرة قال في هجاء الراعي النميري، أنه لو وزنت عقول قومه على ميزان ما وزنت لرجحها الذباب، قال: ولو وُزِنَتْ حُلـومُ بني نُميـر على الميزان مــا وزنــت ذبابا فغض الطرفَ إِنك من نُمير فلا كعبًا بلغـتَ ولا كِـلابـا وفعلًا، غض الراعي النميري الطرف، وأغمد السيف والحرف؛ حتى لقي الحتف، وهو يتجرع مرارة هذه القوافي اللاذعة والأبيات الذائعة الشائعة. وقال تارة منذرا محذرا: هلْ مِن حلـوم لأقــوام فتنذرهـــم ما جرّب الناس من عضي وتضريسي وفي هذا البيت يدعو الشاعر بعض الأقوام إلى التعقل والحلم قبل أن يُعمل فيهم نابه ويغرس مخلابه. ما أروع وعي العربي بمعنى مفردة الحلم! وما أجمل توظيفه إياها في سياقات حياته! فحري بنا إن مررنا على واحات الحِلم أن نقطف منها ما يهذّب نفوسنا، ويقوّم عقولنا، فننضج قولًا وعملًا، ونصبح لغيرنا معين وعي وصبر وعلم لا ينضب. @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...