alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 351

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019 , 12:30ص

السلام عليك وأنت في الرحاب الطاهرة والبقاع المقدّسة، السلام عليك وأنت في البلد الحرام تكمل المناسك والشعائر متوجهاً إلى الله بكل جوارحك طالباً العفو والمغفرة والرضوان. السلام عليك وأنت تكمل العدّة وتوشك على نيل المبتغى وتحقيق المراد والظفر بما قدمت من أجله، تاركاً ديارك ورحابك وأهلك. أخي الحاجّ، إنك إذ ترمي الجمرات وتؤصّل عداوتك مع الشيطان وتؤكد كفرك به وبهمزاته ونزغاته، فإنك لست في كنف الرسالة الخاتمة فحسب؛ بل أنت منسجم مع رسالات الأنبياء جميعاً عليهم أفضل الصلاة والسلام؛ إنك ترمي الجمرات التي رماها خليل الله وكل من تلاه، وتسير على خطى الإسلام المبصرة، لا أخصّ إسلام سيد المرسلين ورحمة الله للعالمين؛ بل أعمّم القصد لأخصّ رسالة الإسلام جمعاء؛ رسالة الرسل والأنبياء. أخي الحاجّ، اعلم أنك حينما تسعى بين الصفا والمروة وتطوف في صحن الطواف، فإنك ساعٍ وطائف بأول بيت وُضع للناس؛ للناس المخلوقين لله، المولودين لآدم عبدالله، فهل تنتابك طائفتك أم آدميتك؟ وهل تعتريك عزلتك أم يؤنسك اجتماعك مع أقربائك المنسيّين؟ قد اختار ربك لك سياق الأخوّة في بيته الحرام، فلا تكن في نسق التوحّش، واترك عليك طابعك الإنسي فلا تتوشّح نعرتك القومية، لن تزيد على من حولك إلا بزاد التقوى، ولن تَفْضُلَهم إلا بأداء التعبّد والتهجّد، ولن تعلي مقامك ولن تعدو قدرك إلا بالتوسّل والتذلّل لله. في البلد الأمين، يتسع الأمان ليشمل الإنسان بما وعى من الأديان، ويلفّ الناس بما احتووا من أجناس، وإليك برهانه الساطع ودليله القاطع في دعاء الخليل عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير) [إبراهيم: 35]. دعا الخليل ربه أن يغدق الرزق ويجزل العطاء لمن آمن، فصوّب الله بوصلة الدعاء الإبراهيمي، وصحّح لعبده الأواه الحليم المنيب، وزاد سعة صدره للمخالفين، وكلّفه استيعاب المسلمين والكافرين على حد سواء؛ فإن الله إن لم يجعلهم على صعيد واحد من جزاء الآخرة الآجل، فهم سواء في عطاء الحياة العاجل. وإن من تقديس الربوبية أن تحسن إلى خلق الله؛ لأنه خلقهم، وإن من تقديس الألوهية ألا تتدخّل في حسابهم؛ فما عليك منه من شيء، ولست عليهم بمسيطر، وما أنت عليهم بوكيل. لك دور الأسوة الحسنة لمن أراد الاتباع، والنصيحة لمن أراد الانصياع، والبلاغ لمن ألقى لك سمعه وفتح لك قلبه. أخي الحاجّ، أنت في ثياب إحرامك روح مؤمنة في حَوْجَلَةٍ درّية، سقاؤها النور، وغصونها شعب الإيمان، وينعها الخلق العظيم والمنهج القويم، فإن فزت بهذه المحصلة من هذه النزهة الإيمانية فطوبى لك، وإن فرّطت فاستدرك فوت الساعات باستكثار الطاعات، وإن قصّرت في ما وراءك فتبلّغ مما بقي أمامك؛ فالحجّ عرفة، فأدرك الحجّ على جبل الرحمة بما وسعك من دموع وخشوع. أخي الحاجّ، إن هذه المكتسبات النورانية التي اغتنمها قلبك وتزيّنت بها ذاتك في هذه الليالي المباركة لأحرى أن تلازمك وتكون لبوساً لك، يقيك الشحناء والسوء والفحشاء في قادم عهدك، فما يحسن بك التنازل عنها من أول جولة لك في دنياك خارج هذا الحرم الطاهر، ولا يليق بك أن تغسل عنك صبغة الله الحسنة، وتلقي عنك عبء البرنامج العبادي المكثّف. لتكن حجّتك شجرة طيبة تؤتي أُكُلَها كل حين، لا معسكراً عابراً ولا عارضاً ممطراً؛ بل سمتاً مقيماً فيك ووسماً دائماً عليك، وعسى أن تجبّ حجّتك ما قبلها من الخطايا، ويكون لها ما بعدها من الإنابة والرجعى بإذن الله، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وتقبّل الله طاعتكم.

جوهرة التاريخ والحضارة

حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...

الهندسة الميكانيكية في الحضارة الإسلامية

إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...

ظاهرٌ باطنٌ

كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...

توّاب... يحبّ التوّابين

هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...

ما بين الحمد والشكر

هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...

المرأة في الحضارة الإنسانية

منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...

بكبريائه اهتدوا...

في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...

فلسفة وعبادة

وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...

نفحات الرحمة

جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...

القدوس

ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...

المساجد... منارات علم وحضارة

ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...

الحليم

يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...