


عدد المقالات 350
كانت الساعات القصيرة تطول بأبي فراس في سجنه، ويضيق بها ذرعاً، وكانت الليالي تطول بالمتنبي مع حُمّاه وبلواه، فتستثقلها نفسه، فيبوح شعره بألمه، وكانت هذه الليالي لا تستغرق إلا سكرة وصحوة في موازين أبي نواس، وبرهة وختلة في موازين عمر بن أبي ربيعة، وهكذا هو الدهر في عدسات الشعراء، منهم من يصوّره بطيئاً متثاقلاً، ومنهم من يصوّره سريعاً عابراً، وما ذاك إلا لأن فريقاً منهم تحشرج وتنغّص بمعيشته فثقُلت عليه، واستبطأ مضيّها، وفريقاً آخر استمتع بحياته، فمرّت عليه سريعاً حتى شعر بالغُبن وبالفوت وذهاب الشباب وقرب الموت، فطول الوقت وقصره لا يحسب حسبة واحدة عند الفرِح والمهموم، بل لكلٍّ منهما حسبته الخاصة التي تتواءم مع طبيعة ظرفه، وحال إحساسه ومشاعره، وذاك المتنبي الذي صوّرت عدسته ليله المترنح مع الحُمّى، يصوّر لنا تسارع ذلك العهد الذي قضاه في صباه، قائلاً: ذكرْتُ بهِ وَصْلاً كأَنْ لم أَفُزْ بِهِ *** وَعَيْشاً كأَنّي كنتُ أَقْطَعُهُ وَثْبا ما أسرع ما قضى ذلك العهد، وتعدّى تلك الآونة! هكذا تمرّ أيام السعد وفترات الرخاء، سرعان ما تتحول عن صاحبها أو يتحول عنها، ذهبت أيام الوصل بحلاوتها وهناء عيشها كأنها لم تكن من قبل، وكأنه كان يقفز فوق تلك المراحل ويمرّ بها مرور الكرام، لينتهي به المطاف إلى المشيب والآلام والأسقام، وفي مثل هذا يقول عنترة: وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ *** كما ينمو مشيبي في شبابي لقد استفحل حبّ عبلة في روحه، وتمكّن من فؤاده كما تفاقم الشيب على حساب الشباب، وقد اختار الشاعر هذا القياس لعلمه أن ليس هناك أعجل من زوال الشباب إلى الكهولة، وأفول بدر التمام، ليعود كالعرجون القديم، وذبول ربيع العمر وحلول خريفه.
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...