تساؤلات وتصورات خاطئة عن (تطبيق الشريعة)(1-3)
03 يونيو 2014 , 12:00ص
أثيرت منذ أيام قضية الطبيبة السودانية التي حكم عليها القضاء السوداني بجلدها مائة جلدة بتهمة الزنا، ثم بإعدامها شنقا بتهمة الردّة، حيث إن المتهمة تزوجت من مسيحي، وهذا الزواج باطل شرعا، ثم لما سئلت عن ذلك أجابت بأنها مسيحية تبعا لوالدتها، بمعنى أنها تنفي ردّتها عن الإسلام لأنها لم تكن مسلمة من الأصل، وقد استغلت وسائل الإعلام الغربية وبعض القنوات العربية هذه الحادثة لإعادة الجدل حول فكرة «تطبيق الشريعة الإسلامية»، بينما تشكلت لوبيات أخرى للضغط على مختلف القوى في المجتمع الدولي للتدخل بينهم الرئيس الأميركي أوباما!
لا ينبغي تناول هذا الموضوع من الزاوية القضائية، فهذا ليس من صلاحية أحد إلا القضاء نفسه، والقضاء السوداني ليس محلا للتهمة، بيد أن هناك مساحة أوسع وأعمق بكثير من دائرة القضاء وهي التي ينبغي التفاكر والتحاور فيها، خاصة أن هذه الحادثة ترتبط في أذهان الناس بصور مشوشة ومشوهة كثيرا لتطبيق الشريعة.
ينقل الإعلام ووسائل التوثيق والتواصل الاجتماعي صورا تشكل بمجموعها ظاهرة جديرة بالدراسة والتأمل، فهناك صورة لامرأة أفغانية متسترة بحجابها الأفغاني المعروف، توضع في حفرة بعد ربطها بالحبال، ثم ينهال الرجال عليها بالحجارة حتى قضت أمام أنظارهم. وهناك صورة لمجموعة من «المجاهدين» في سوريا يحاولون بطريقة بدائية بتر يد أحد الشباب بتهمة السرقة، فلا يتمكنون من بترها إلا بالضرب المتكرر على المفصل وهو يصرخ من شدة الألم، وهناك عشرات وربما المئات من صور الرؤوس المقطوعة بتهمة الردة، وترى شابا ملتحيا يحمل أحد الرؤوس ويلهو به كأنه كرة بيده، بينما كان أحد المشايخ يلقي بموعظته الدينية والجهادية لبعض الشباب! وقد رأيت أحد الفتية مصابا بحالة نفسية وهو يضع يده على رقبته باستمرار، يقول لأنه في طفولته رأى «مجاهدا» يحمل سكينا يحز بها رأس أحد «المرتدين» في شارع عام من شوارع مدينة الرمادي العراقية. ولا يبعد عن هذه المظاهر ما قامت به جماعة بوكو حرام واختطافها لعشرات الطالبات ثم التعامل معهن كسبايا حرب وفق (تطبيق الشريعة) الذي يرونه!
وإذا كان القضاء السوداني يعمل بشكل مؤسسي ومهني وفي دولة لها سيادتها واستقرارها، فإن غالب الممارسات الأخرى تتم بطرق شاذّة وفوضوية بلا دولة ولا مؤسسة ولا رقابة، مما يجعلها أشبه بممارسات العصابات الإجرامية وإن تلبست لبوس الدين.
لا شك أن أحد أهم العوامل التي تقف خلف هذه الظاهرة هو السلوك الشاذ والبشع الذي تمارسه بعض القوى الدولية والحكومات المحلية، فجرائم الجيش الأميركي في «أبو غريب» والفلوجة، وما تقوم به اليوم حكومة المالكي وحكومة بشّار مما يندى له جبين الإنسانية، ومثل ذلك ما تقوم به العصابات المتوحشة في إفريقيا وبورما، كل هذا يجعل من هذا السلوك الشاذ حالة مألوفة ضمن المشهد العام للسلوك البشري على هذه الأرض، بالممارسة أو بالإقرار أو بالتغافل وعدم الاكتراث، فشعوب الغرب -دعك عن حكوماتها- لم تنطلق منها مظاهرة واحدة للتنديد بجرائم شيّ الأطفال المسلمين في بورما على مواقد النار، وما زالت روسيا والصين توفران الغطاء الكامل لجرائم الأسد حتى بعد استخدامه للسلاح الكيماوي ضدّ الأطفال والنساء وكبار السنّ.
إن هذه الجرائم المعولمة قد أسهمت بصناعة نفسيات مأزومة ومتوترة لدى عدد ليس بالقليل من شبابنا، حتى وصل إلى مرحلة التهوين وربما الاستنكار على كل من يحاول أن يقنعه بالرسالة الكلية للإسلام (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وأن هذه الرسالة بالأساس جاءت لتنقذ هذا الإنسان المضطهد والمظلوم وليس للتماهي مع هذا الظلم والاضطهاد بمبررات القصاص والتعامل بالمثل، إذ إن الإسلام وفق هذا المفهوم الضيّق والمأزوم سيفقد خصوصيته وسيتحوّل إلى عنصر مضاف من عناصر الضنك والشقاء لهذه البشرية، وهذا ما أثبته الكثير من الممارسات «الجهادية» من أفغانستان والشيشان إلى الصومال واليمن ثم العراق وسوريا.
والملاحظ هنا أن هذا السلوك لم يأت كله انتقاما من الذين يقومون بتلك الجرائم ضد المسلمين والمظلومين، وإنما في الكثير من الأحيان يتم توظيف «الجرائم الأولى» خاصة فيما يتعلق بانتهاك الأعراض وهدم المساجد مثلا من أجل تجنيد العناصر البريئة والغيورة، ثم يتحوّل الأداء إلى تصفية حسابات فئوية و «جرائم ثانية» كما حصل بين «داعش» و «النصرة» وهما من مشرب واحد، وربما انتقل هذا السلوك إلى حالة عدوانية «شريرة» حتى مع الضعفاء والمساكين والمظلومين أنفسهم، وقد ذكر لي أحد المعتقلين السابقين في سجن بوكا -وهو السجن الأميركي الثاني بعد «أبو غريب»، أنه شهد بنفسه مجموعة من «المجاهدين» المعتقلين يقومون بتعزير رجل لتلبسه بجريمة التدخين، ثم انبرى ابنه وهو «مجاهد» أيضا فطلب من أميره أن يوكل أمر التعزير له حتى لا تأخذه العزة بالإثم فينتقم ممن آذى أباه، فسمح له «الأمير» بذلك، فقام يضرب أباه بالحذاء، والأب يقول: والله يا ابني أنا لا أفهم بالدين، لكن لا أظن أن دين محمد يرضى بهذا!
إن كل هذه الممارسات تتم تحت لافتة الإسلام و «تطبيق الشريعة»، وهذا يستدعي من علماء الشريعة بالذات أن يكون لهم موقفهم المناسب وأن يتحملوا مسؤوليتهم، خاصة بعد أن تمكن هؤلاء الشباب من عزلهم نهائيا عن الميدان، وفتح المجال لأسماء مستعارة (أبو فلان) و (أبو فلانة) ليفتوا ويقضوا في دماء الناس وأموالهم، من غير السماح بمناقشتهم أو حتى سؤالهم.
ومن الإنصاف أيضا أن نشير إلى وجود عامل آخر وهو حالة من الشغف والعطش لرؤية الشريعة الإسلامية واقعا على الأرض، بعد أن تم تغييبها إثر سقوط الخلافة الإسلامية وخضوع الأمة للهيمنة الأجنبية في الكثير من مقدراتها وخياراتها، مما مثّل جرحا نفسيا غائرا، ومن هنا يأتي الانتعاش النفسي برؤية المظاهر الشكلية لتطبيق الشريعة وإن كانت بطريقة شاذّة أو مشوّهة، إلا أن هذا التطبيق المشوّه من شأنه أن يقتل هذا الشغف ويحيله إلى حالة من الخوف والقلق، خاصة مع وجود الإعلام المناهض للشريعة وتطبيقها، فالمسلم لا يمكن أن يتردد في قبول الحكم الإسلامي، وإلا فهو لماذا مسلم؟ لكنك ترى اليوم كثيرا من المسلمين وربما من الوسط الشرعي نفسه من علماء وخطباء، يتخوفون بالفعل من الجماعات الإسلامية وينحازون للطرف الآخر ولو كان فاسدا أو مجهولا، وهذا قد لا يكون بالضرورة «نفاقا سياسيا»، بل هو أحد وجوه المشكلة التي تصنعها تلك الممارسات المنحرفة والشاذّة. وهناك أيضا خلط سياسي وإعلامي متعمد بين اللافتات الإسلامية كلها المتطرفة والمعتدلة والتي مارست التجربة والتي لم تمارسها، بحيث تتكون صورة واحدة في الذهن تجمع تحتها كل المشاريع العاملة على «الحل الإسلامي» أو «تطبيق الشريعة» مهما تباينت أو تناقضت.