الممارسات الانتخابية بمنظور إسلامي 1-2
29 مايو 2012 , 12:00ص
تسهم الانتخابات اليوم في صياغة الدول والأحزاب والمؤسسات المجتمعية المختلفة، وينبغي أن نعترف أن هذه الثقافة لم تنشأ في بيئتنا العربية أو الإسلامية، وأن محاولات التأصيل الإسلامي لهذه الثقافة الواردة ما زالت ضعيفة وخجولة، والربط بين آلية الانتخابات المعاصرة ودورها في الحياة السياسية وبين مفهوم الشورى ما زال ربطا متكلفا، حيث لم يعرف التاريخ الإسلامي ولا تاريخ الأنبياء من قبل فكرة التصويت الشعبي الشامل والمباشر ولا فكرة العمل البرلماني الممثل لإرادة الشعب، فالغرب هو الذي اخترع هذه الثقافة بكل آلياتها وفق متطلبات حركته الذاتية المتنامية، الذي ينبغي التحذير منه بهذا الصدد هو خطورة الاستنساخ الثقافي والذي يعبر عن حالة من الإعجاب بالآخر أكثر من تعبيره عن الحاجة الذاتية.
إننا هنا لا نحتاج إلى «التأصيل» بقدر ما نحتاج إلى «التكييف»، بمعنى أننا لسنا بحاجة إلى إثبات أن الانتخابات منتج إسلامي أصيل، لكن الإسلام لا يمانع من الاستفادة من الخبرات والممارسات البشرية شريطة أن يتم تكييفها بما ينسجم مع مبادئ الإسلام وأحكامه العملية.
في موجة الربيع العربي تظهر الحاجة إلى حد الضرورة لتوعية الشعوب بفلسفة الانتخابات كمسؤولية خطيرة تتشكل في ضوئها صورة المجتمعات وخارطتها السياسية والثقافية وعلاقاتها الخارجية بل وتنحدر إلى خصوصية الفرد والأسرة وأسلوب الحياة اليومي، واندفاع الشعوب بعاطفة غير واعية قد يقلب التفاؤل إلى إحباط والانسجام إلى خصام، وقد نتحول من ثقافة المسؤولية المشتركة إلى ثقافة الاتهام والتنابز بالألقاب، وهذه الأجواء قد توصل المواطن البسيط إلى الترحم على أيام الديكتاتورية وحكومة الحزب الواحد والقائد الضرورة.
وللمساهمة بالتوعية المطلوبة يمكننا هنا ملاحقة السلوكيات الانتخابية على محدوديتها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتقويمها:
حق الترشيح: تسود في الأوساط السياسية -وحتى الإسلامية منها- ثقافة الحق المطلق في الترشيح أو الترشح، وتساوي الأفراد أمام هذا الحق باعتبار أن الأمر سيحسم في صناديق الاقتراع، وهذه هي الخطيئة الأولى، فالشخص الذي لا يرى في نفسه الكفاءة لإدارة المنصب «محل التنافس» لا يجوز له شرعا الترشح أو قبول الترشيح له، ففي البخاري وغيره يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وهذا يعني أن الشخص الذي يتقلد منصبا وهو ليس أهلا له آثم، وإن جاء بطريقة الانتخاب، وقد يكون الناخب شريكا له بالإثم كما سيأتي.
إن مسؤولية المرشح هنا مسؤولية عظيمة، والأصل في الإسلام أن المسلم يتورع عن تقديم نفسه: «إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه» (صحيح مسلم)، والاستثناء مقيد بحالات الضرورة كما في قول يوسف عليه السلام: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}.
فإذا انتقل المرشح من حالة الترشيح إلى حالة «الدعاية الانتخابية»، فإن هناك ممارسات ينبغي تجنبها لأنها قد تدخل في دائرة الحرام الصريح، ومن ذلك ظاهرة «الكذب السياسي» التي يستسيغها البعض بمبرر أن الحرب خدعة، وأن الكذب في المعركة مشروع، وهذه معركة سياسية قد تكون نتائجها أخطر من المعارك العسكرية! من هنا يبدأ التسويغ الديني للكذب، فهو لا يكذب لمصلحته الشخصية، وإنما يكذب لمصلحة الخط الإسلامي في مواجهة اللاإسلامي، وهو يكذب أيضا لمصلحة «الإسلامي الصحيح» في مواجهة «الإسلامي المنحرف أو المتطرف»، وهو يكذب في داخل مجموعته لإبعاد المنافسين الذين لا يقدرون مصلحة الجماعة كما يقدرها هو! وهكذا.
ثم ينتقل المرشح من حالة «الدعاية الانتخابية» إلى صناعة اللوبي الضاغط، وهذه مساحة قد تزدحم فيها الآثام بمختلف الصور والأشكال، ومن ذلك شراء الذمم بالمال الخاص أو العام تحت عنوان «المؤلفة قلوبهم»، وقد رأيت من يجمع أموال الصدقات فينفق جلها على مؤسسات الإعلام والصحافة ترويجا له أو تسقيطا لخصومه! وقد استفتاني بعضهم عن مشروعية دفع الزكاة للمستلزمات الانتخابية!
ومن هذه السلوكيات العمل على تتبع عورات الآخرين والتجسس عليهم كأداة فاعلة في «المعركة الانتخابية» وهذه مخالفة صريحة لنص القرآن {ولا تجسسوا}.
وأما ظاهرة «الغيبة السياسية» وسوء الظن والاتهامات المتبادلة فأصبحت هذه كلها من السمات الطاغية في «الديمقراطية المستوردة» بحيث لا يكاد يخلو مجلس خاص أو عام من عامة الفاعلين السياسيين من هذه الآثام، وهذا مع كونه شائعا في الأوساط غير الإسلامية فإن تسلله إلى المتدينين وبتأصيل ديني يشكل خطورة أكبر، وأذكر موقفا صغيرا لكنه يصلح نموذجا، فقد اتصل بي أحدهم وبأسلوب متدرج أخذ ينال من أحد خصومه، فقلت له: يا أخي هذه غيبة! فقال ضاحكا: لا يا دكتور هذا «جرح وتعديل»!
وهناك بعض الممارسات الخطيرة جدا وإن لم تكن من المحرمات القطعية ومنها:
رفع سلاح «العقيدة» في مواجهة الخصوم غير الإسلاميين، وإقحام مفهوم «الولاء والبراء» في كل عمل انتخابي، وهذا سلوك خطير من نواح كثيرة، فليس كل من هو غير إسلامي يعني أنه غير مسلم، حيث يطلق مصطلح الإسلاميين اليوم -وهو مصطلح محدث- على الجماعات الإسلامية، وهي بمجموعها لا تشكل أغلبية في الأمة، فجمهور الأمة غير منتم، وهذا الجمهور فيه من الكفاءات والخبرات ما لا يجوز إقصاؤه بحال، والأصل في المسلم أنه مسلم، ولا يخرج عن الإسلام إلا بحكم قضائي، وتخصيص الولاء بالإسلامي دون عامة المسلمين يشكل خطرا في هوية الأمة وبنيتها الذاتية، كما أنه ليس في كل انتخاب يصح إقحام الولاء والبراء.
في الانتخابات الأخيرة تقدمت القائمة العراقية بشكل غير متوقع في المحافظات السنية، وهي قائمة متنوعة فيها الإسلامي وغير الإسلامي، مما أثار جدلا دينيا باعتبار أن عامة أهل السنة قد ارتكبوا مخالفة دينية في تفضيلهم للقائمة العراقية على القائمة الإسلامية! وهذا الحدث جدير بدراسة مفصلة -ليس هذا محلها- لكن التصويت لم يكن لاختيار المشروع الإسلامي أو غيره، بل كان لاختيار الأقدر على دفع الظلم أو التخفيف منه، وهذا الموضوع لا صلة له بالولاء والبراء، ومن الطريف هنا أن القائمة الإسلامية عادت كلها لتنضوي تحت خيمة العراقية ونسي ذلك الجدل!
ومن المؤسف أن يتجدد مثل هذا الجدل في الانتخابات المصرية حيث جرى إقحام مفاهيم البيعة والسمع والطاعة في تحريم انتخاب الإسلامي الخارج عن التنظيم فضلا عن اللاإسلامي! وهذا من شأنه أن يعزز المخاوف من المرشح الملتزم بهذه المفاهيم، فهل سيخرج عنها في حالة فوزه رئيسا لمصر أو سيبقى جنديا مبايعا لسلطة أخرى والشعب لا يعرف بالضبط طبيعة العلاقة بين السلطتين!
وإذا كان المرشح الإسلامي يرفع سلاح العقيدة بوجه خصومه اللاإسلاميين، فإنه في المنافسات الداخلية يستخدم رصيده من «الأعمال الصالحة» السبق والثبات والخلق الحسن وربما الصدقة وأعمال البر الأخرى، وهذه وإن كانت صفات ينبغي أن يلاحظها الناخب، فإن اعتمادها في كل عمل انتخابي قد يؤدي إلى نتائج معكوسة وخطيرة، فالعبادة وأعمال البر كلها ليست هي المؤهلات للولايات والوظائف العامة، ولو كانت هذه أساسا في الولايات فكيف يتقدم خالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان على كبار المهاجرين والأنصار؟ وكيف يتصدر شريح للقضاء؟ وابن عباس للعلم وتفسير القرآن؟ وفي المقابل كيف تراجع دور أبي ذر وهو من أزهد الناس وأصدقهم وأورعهم وأسبقهم؟ وأين هو دور الأرقم بن أبي الأرقم الذي كان له ولبيته الفضل في احتضان الدعوة من أيامها الأول؟
إنه لمن المؤسف أن لا يقبل الموظف في أي مؤسسة إلا أن يقدم سيرته الشخصية وشهاداته وخبراته، ووفق سلم منضبط يتم التنافس والاختيار، بينما في العمل الإسلامي والمناط به تحقيق خلافة الله في الأرض وحل مشكلات الأمة ومواجهة التحديات الكبرى يكتفي المرشح في الكثير من الأحيان بسيرته الطيبة وخدمته لإخوانه وتواضعه وسابقته، حتى وصل الأمر أنه يطالب الناس بانتخابه أو طاعته بعد انتخابه وهو لم يقدم ورقة مكتوبة أو محاضرة مسموعة تعبر عن مستواه الثقافي وخبرته العملية..إلخ.
وإذا كانت هذه تسجيلات ميدانية لممارسات المرشحين الخاطئة أو الآثمة، فما دور الناخبين وما مسؤولياتهم وما الفقه الذي عليهم أن يسألوا عنه قبل الولوج في هذا الميدان؟