alsharq

د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عدد المقالات 125

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 14 سبتمبر 2026
السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

المسجد الأقصى وصلاح الدين الأيوبي

27 يونيو 2024 , 11:52م

في عام 583هـ، التقى صلاح الدين الأيوبي بجموع الصليبيين في معركة حطين، وانتصر عليهم، وبعدما استقر له الحكم في القدس، أمر بإعادتها إلى ما كانت عليه قبل احتلالها من الصليبيين، وكان هؤلاء قد أقدموا على تغيير الكثير من المعالم الإسلامية في المدينة المقدسة؛ فزرعوا صليباً كبيراً مذهَّباً على رأس قبة الصخرة، وأمر صلاح الدين بكشفها. وكان فرسان الدَّاوية قد بنوا مباني لهم غرب المسجد الأقصى لكي يسكنوها، وأنشأوا فيها استراحات وغير ذلك، وأدخلوا قسماً من هذا المسجد في أبنيتهم، فأمر صلاح الدين بإعادة الأبنية إلى حالها القديم، كما أمر بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار والأنجاس، ثم عيَّن إماماً للمسجد الأقصى، وأقام فيه منبراً، ومحا ما كان فيه، وفي الأبنية المجاورة من صور كان الصليبيون قد وضعوها أو رسموها، وأعاد المسيحيين الأصليين من أهل القدس إلى مساكنهم، كما سمح لهم بشراء ما أراد الفرنج بيعه من ممتلكات ومتاع وأموال. وعامل صلاح الدين الفرنج معاملة إنسانية رفيعة، وظهر منه تسامح ورحمة بالفقراء، والمحتاجين، والأسرى، ولقد تعدى ذلك إلى أمراء صلاح الدين، وعامة المسلمين.
والواقع أن صلاح الدين، وذلك الجيل المنصور؛ قد أبدى من التسامح وكرم الأخلاق تجاه أسرى الصليبيين في بيت المقدس، الشيء الكثير، وبلغ من كرم وشهامة صلاح الدين، ما قام به تجاه زوجات وبنات الفرسان الصليبيين، الذين قتلوا وأسروا أثناء معاركهم مع صلاح الدين؛ فقد تجمعن أمام صلاح الدين يبكين، فسأل عن حالهن وما يطلبن، فقيل له إنهن يطلبن الرحمة، فعطف عليهن صلاح الدين وسمح لمن كان زوجها على قيد الحياة بأن تتعرف عليه، وأطلق سراحه، وسمح لهم بالذهاب حيث يريدون، وأما النساء والبنات اللاتي مات أزواجهن وآباؤهن، فقد أمر صلاح الدين بأن يُصرف لهن من خزائنه الخاصة ما يناسب عيشهن ومركزهن، وأعطاهن حتى ابتهلت ألسنتهن بالدعاء له.
لقد بهر صلاح الدين بأخلاقه الإسلامية وقيمه النبيلة الإنسانية وبروح الفروسية لديه، ملوك الغرب وقوادهم، حيث كانوا يقودون جحافل جيوشهم في الشام، حتى إن الفرنسيين كانوا يقولون: إن دماءه دماء فرنسية، والألمان، والإنجليز، والإيطاليون كلهم كانوا ينسجون قصصاً رائعة عن أخلاق صلاح الدين، ويتحدثون عنها في قراهم، ومدنهم، ومسرحياتهم. والفضل ما شهدت به الأعداء؛ يقول (غروسيه) -وهو مؤرخ فرنسي- في الحديث عن صلاح الدين: طلب بعض المتعصبين من صلاح الدين هدم معابد المسيحيين وتدمير كنيسة القيامة بهدف إلغاء حج المسيحيين (المؤمنين بالثالوث المقدس)، فصدهم عن ذلك بكلمة منه؛ قال: لماذا الهدم والتدمير طالما أن هدف عبادتهم هو مكان الصليب المقدس، والقبر المقدس وليس البناء الخارجي؟ وحتى لو سويت الأبنية بالأرض، فإن مختلف الطوائف المسيحية لن تتخلى عن السعي للوصول إلى هذا المكان. لنفعل إذن كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي احتفظ بهذه الأبنية عندما فتح القدس في السنوات الأولى للإسلام. ويعلق غروسيه على ذلك بالقول: إن كل ما يتجلى به هذا السلطان العظيم من حرية الرأي والمعتقد يبرز في هذه العبارة الجميلة.
اقتدى صلاح الدين في فعله هذا بالخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي أقر النصارى على هذا المكان، ولم يأمر بهدم البنيان. وصدق الشاعر شهاب الدين أبو الفوارس المتوفى 574هـ عندما قال:
مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً
فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما
غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح
فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا
وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ
كان صلاح الدين رجلاً إسلامياً بكل معنى الكلمة مقتدياً بالرسول محمد ﷺ في عفوه وحلمه وسماحته. وقال عنه أحد المؤرخين الأوروبيين: سيظل في الذاكرة أن الزمان الدموي والقاسي مثل ذاك الزمان، لم يتمكن من إفساد إنسان ذي سلطة عظيمة، إنه صلاح الدين.
وإن أكبر دليل على تقدير الإفرنج لهذه البطولة النادرة، والسماحة الكبيرة، اهتمام إمبراطور ألمانيا بزيارة قبر صلاح الدين، عندما زار بلاد الشام سنة (1315هـ - 1899م) وقد خطب خطبة أشاد فيها بصلاح الدين، وأرسلت الإمبراطورة إكليلا من الزهور ليوضع على ضريح البطل العظيم، ولم ينس أمير الشعراء –أحمد شوقي- أن يسجل هذه الذكرى فقال:
عَظيمُ الناسِ مَن يَبكي العِظاما
وَيَندُبُهُم وَلَو كانوا عِظاما
فَهَل مِن مُبلِغٍ غَليومَ عَنّي
مَقالاً مُرضِياً ذاكَ المَقاما
رَعاكَ اللَهُ مِن مَلِكٍ هُمامٍ
تَعَهَّدَ في الثَرى مَلِكاً هُماما
أَرى النِسيانَ أَظمَأَهُ فَلَمّا
وَقَفتَ بِقَبرِهِ كُنتَ الغَماما
تُقَرِّبُ عَهدَهُ لِلناسِ حَتّى
تَرَكتَ الجَليلَ في التاريخِ عاما
أَتَدري أَيَّ سُلطانٍ تُحَيّي
وَأَيَّ مُمَلَّكٍ تُهدي السَلاما
دَعَوتَ أَجَلَّ أَهلِ الأَرضِ حَرباً
وَأَشرَفَهُم إِذا سَكَنوا سلاماً

تأملات في إعجاز القرآن

قبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئاً عما يجري في الآماد البعيدة من السماء، فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عداً،...

من التحرر إلى الرسالة الخاتمة.. اكتمال المشروع الحضاري في دعوة الأنبياء

تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...

من تحرير العقل إلى بناء الأمة.. دعوة إبراهيم عليه السلام وذريته

إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...

من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط.. الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «4-4».. شهادة شخصية عن علاقة الشيخ حمد بالعلم والعلماء وأهل الفكر

لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «3-4».. السياسة الخارجية القَطرية بين الوساطة.. ودعم قضايا الشعوب

مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «2-4».. اهتمام فقيد الوطن الكبير بتاريخ الأمة العربية والإسلامية وسير القادة والمصلحين

لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «1-4».. دراسة سيرة القادة.. قراءة في تجارب الأوطان

حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...