


عدد المقالات 121
أراد الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ أن ينفِّذَ السياسة التي رسمها لدولته، واتَّخذ من الصَّحابة الكرام أعواناً يساعدونه على ذلك، فجعل أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمَّة (وزير الماليَّة) فأسند إليه شؤون بيت المال، وتولَّى عمر بن الخطاب القضاء (وزارة العدل)، وباشر الصِّدِّيق القضاء بنفسه أيضاً، وتولَّى زيد بن ثابت الكتابة (وزير البريد والمواصلات) وأحياناً يكتب له مَنْ يكون حاضراً من الصَّحابة كعليِّ بن أبي طالب، أو عثمان بن عفَّان ـ رضي الله عنهم ـ وأطلق المسلمون على الصِّدِّيق لقب خليفة رسول الله (أبو خليل، ص 218).
ورأى الصَّحابة ضرورة تفريغ الصدِّيق للخلافة، فقد كان أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ رجلاً تاجراً يغدو كلَّ يومٍ إلى السوق، فيبيع، ويبتاع، فلمّا استُخلف أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثوابٌ يتَّجر بها، فلقيه عمر، وأبو عبيدة، فقالا: أين تريد يا خليفة رسول الله ؟! قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد ولِّيت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقالا:
انطلق معنا حتى نفرض لك شيئاً. فانطلق معهما، ففرضوا له كل يومٍ شطر شاةٍ (السيوطي، ص 92)، وجاء في « الرياض النَّضرة »: أنَّ رزقه الذي فرضوه له خمسون ومئتا دينارٍ في السَّنة، وشاةٌ يؤخذ من بطنها، ورأسها، وأكارِعها. فلم يكن يكفيه ذلك، ولا عياله، قالوا: وقد كان قد ألقى كلَّ دينارٍ ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، فخرج إلى البقيع، فتصافق (بايع)، فجاء عمر ـ رضي الله عنه ـ فإذا هو بنسوةٍ جلوس، فقال: ما شأنكنَّ؟ قلن: نريد خليفة رسول الله (ﷺ) يقضي بيننا، فانطلق فوجده في السُّوق، فأخذه بيده، فقال: تعال ها هنا. فقال: لا حاجة لي في إمارتكم، رزقتموني ما لا يكفيني، ولا عيالي. قال: فإنَّا نزيدك. قال أبو بكر: ثلاثمئة دينار والشاة كلّها. قال عمر: أمّا هذا فلا، فجاء عليٌّ رضي الله عنه، وهما على حالهما تلك، قال: أكملها له، قال: ترى ذلك ؟. قال: نعم، قال: قد فعلنا (المحبّ الطبري، 291).
وانطلق أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس، فقال: أيُّها الناس إنَّ رزقي كان خمسين ومئتي دينارٍ، وشاةً يؤخذ من بطنها، ورأسها، وأكارِعها، وإنَّ عمر وعليّاً كمَّلا لي ثلاثمئة دينارٍ والشاة، أرضيتم ؟ قال المهاجرون: اللهمَّ نعم قد رضينا.
وهكذا وقف الصَّحابة في فهمهم الرَّاقي لولاية الدِّين، وأمانة الحكم، يفرضون لإمامهم رزقاً يغتني به عن التجارة، بعد أن صار عاملاً للأمَّة تملك منه الوقت، والجهد، والفكر.. ومن ثمَّ يقرِّرون معنىً في الإسلام بديعاً يفصل الذِّمَّة المالية للأمَّة عن ذمَّةِ الحاكم.
هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إلا في عهوده القريبة؛ إذ ظلَّت راية: ما لقيصر لقيصر مشرعةً خفاقةً يقاتل الناس دونها أزماناً طويلةً، إنَّ أصدق تعبيرٍ نقف به على دخول الذِّمَّة الماليَّة للدَّولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر: أنا الدَّولة، والدَّولة أنا. لقد كان لويس تاجر غلالٍ معروفاً يتَّجر في قوت أمَّته وهي تتضوَّر جوعاً، ثمَّ لا يرى أحدٌ في ذلك شيئاً من العار.. أليس هو الأصل، والأمَّة فرعٌ عنه (المحبّ الطبري، ص 291)؟!
إنَّ الصِّدِّيق يؤكِّد معاني بديعةً، فولاية الدِّين ليست في حدِّ ذاتها مغنماً، أمّا ما يفرض لها من رزقٍ؛ فَلِمَا تفضي إليه من اشتغال عامل الأمَّة عن أمرِ نفسه (البخاريُّ، كتاب البيوع، رقم: 2070).
لقد سطَّر الصِّدِّيق، والصَّحابة الكرام صفحاتٍ رائعةً في جبين الزَّمن، حتى إنَّ البشريَّة تسعى في سلم التَّطوُّر، وتسعى، ثمَّ إذا هي قابعةٌ عند أقدامهم (حمدي، ص 35).
سار الصدِّيق في بناء دولة الإسلام بجدٍّ، ونشاطٍ، واهتمَّ بالبناء الداخليِّ، ولم يترك أيَّ ثغرةٍ يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الشَّامخ؛ الذي تركه رسول الله (ﷺ)، فاهتمَّ بالرَّعيَّة، وله مواقف مشرِّفةٌ في هذا الباب، وأعطى للقضاء اهتماماً خاصّاً، وتابع أمر الولاة، وسار على المنهج النبويِّ الكريم في كلِّ خطواته، وإليك شيءٌ من التفصيل عن تلك السياسة الرَّشيدة.
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...