


عدد المقالات 104
أراد الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ أن ينفِّذَ السياسة التي رسمها لدولته، واتَّخذ من الصَّحابة الكرام أعواناً يساعدونه على ذلك، فجعل أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمَّة (وزير الماليَّة) فأسند إليه شؤون بيت المال، وتولَّى عمر بن الخطاب القضاء (وزارة العدل)، وباشر الصِّدِّيق القضاء بنفسه أيضاً، وتولَّى زيد بن ثابت الكتابة (وزير البريد والمواصلات) وأحياناً يكتب له مَنْ يكون حاضراً من الصَّحابة كعليِّ بن أبي طالب، أو عثمان بن عفَّان ـ رضي الله عنهم ـ وأطلق المسلمون على الصِّدِّيق لقب خليفة رسول الله (أبو خليل، ص 218). ورأى الصَّحابة ضرورة تفريغ الصدِّيق للخلافة، فقد كان أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ رجلاً تاجراً يغدو كلَّ يومٍ إلى السوق، فيبيع، ويبتاع، فلمّا استُخلف أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثوابٌ يتَّجر بها، فلقيه عمر، وأبو عبيدة، فقالا: أين تريد يا خليفة رسول الله ؟! قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد ولِّيت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقالا: انطلق معنا حتى نفرض لك شيئاً. فانطلق معهما، ففرضوا له كل يومٍ شطر شاةٍ (السيوطي، ص 92)، وجاء في « الرياض النَّضرة »: أنَّ رزقه الذي فرضوه له خمسون ومئتا دينارٍ في السَّنة، وشاةٌ يؤخذ من بطنها، ورأسها، وأكارِعها. فلم يكن يكفيه ذلك، ولا عياله، قالوا: وقد كان قد ألقى كلَّ دينارٍ ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، فخرج إلى البقيع، فتصافق (بايع)، فجاء عمر ـ رضي الله عنه ـ فإذا هو بنسوةٍ جلوس، فقال: ما شأنكنَّ؟ قلن: نريد خليفة رسول الله (ﷺ) يقضي بيننا، فانطلق فوجده في السُّوق، فأخذه بيده، فقال: تعال ها هنا. فقال: لا حاجة لي في إمارتكم، رزقتموني ما لا يكفيني، ولا عيالي. قال: فإنَّا نزيدك. قال أبو بكر: ثلاثمئة دينار والشاة كلّها. قال عمر: أمّا هذا فلا، فجاء عليٌّ رضي الله عنه، وهما على حالهما تلك، قال: أكملها له، قال: ترى ذلك ؟. قال: نعم، قال: قد فعلنا (المحبّ الطبري، 291). وانطلق أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس، فقال: أيُّها الناس إنَّ رزقي كان خمسين ومئتي دينارٍ، وشاةً يؤخذ من بطنها، ورأسها، وأكارِعها، وإنَّ عمر وعليّاً كمَّلا لي ثلاثمئة دينارٍ والشاة، أرضيتم ؟ قال المهاجرون: اللهمَّ نعم قد رضينا. وهكذا وقف الصَّحابة في فهمهم الرَّاقي لولاية الدِّين، وأمانة الحكم، يفرضون لإمامهم رزقاً يغتني به عن التجارة، بعد أن صار عاملاً للأمَّة تملك منه الوقت، والجهد، والفكر.. ومن ثمَّ يقرِّرون معنىً في الإسلام بديعاً يفصل الذِّمَّة المالية للأمَّة عن ذمَّةِ الحاكم. هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إلا في عهوده القريبة؛ إذ ظلَّت راية: ما لقيصر لقيصر مشرعةً خفاقةً يقاتل الناس دونها أزماناً طويلةً، إنَّ أصدق تعبيرٍ نقف به على دخول الذِّمَّة الماليَّة للدَّولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر: أنا الدَّولة، والدَّولة أنا. لقد كان لويس تاجر غلالٍ معروفاً يتَّجر في قوت أمَّته وهي تتضوَّر جوعاً، ثمَّ لا يرى أحدٌ في ذلك شيئاً من العار.. أليس هو الأصل، والأمَّة فرعٌ عنه (المحبّ الطبري، ص 291)؟! إنَّ الصِّدِّيق يؤكِّد معاني بديعةً، فولاية الدِّين ليست في حدِّ ذاتها مغنماً، أمّا ما يفرض لها من رزقٍ؛ فَلِمَا تفضي إليه من اشتغال عامل الأمَّة عن أمرِ نفسه (البخاريُّ، كتاب البيوع، رقم: 2070). لقد سطَّر الصِّدِّيق، والصَّحابة الكرام صفحاتٍ رائعةً في جبين الزَّمن، حتى إنَّ البشريَّة تسعى في سلم التَّطوُّر، وتسعى، ثمَّ إذا هي قابعةٌ عند أقدامهم (حمدي، ص 35). سار الصدِّيق في بناء دولة الإسلام بجدٍّ، ونشاطٍ، واهتمَّ بالبناء الداخليِّ، ولم يترك أيَّ ثغرةٍ يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الشَّامخ؛ الذي تركه رسول الله (ﷺ)، فاهتمَّ بالرَّعيَّة، وله مواقف مشرِّفةٌ في هذا الباب، وأعطى للقضاء اهتماماً خاصّاً، وتابع أمر الولاة، وسار على المنهج النبويِّ الكريم في كلِّ خطواته، وإليك شيءٌ من التفصيل عن تلك السياسة الرَّشيدة.
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...
الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...
قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...
الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن...
لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام...
إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد...
شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...
يبرز الإسلام مكانة العقل باعتباره أداة الفهم ووسيلة التكليف ومحور النهضة الإنسانية، وقد وجّه القرآن الكريم إلى إعمال النظر والتدبر والتثبت، وربط بين صفاء العقل وصحة الإيمان وسلامة المنهج. ومن خلال ضوابط شرعية واضحة تتشكل...